الرئيسية / إضاءات / الأخضري‎:الخيال أهم من المعرفة

الأخضري‎:الخيال أهم من المعرفة


*حوار: محمد القذافي مسعود

بطاقة شخصية

كاتبة مغربية الجنسية تعمل أستاذة اللغة الفرنسية بالتعليم الثانوي
ولدت بمدينة وجدة في شرق المغرب درست الابتدائية بمدرسة ابن زهير للبنات العيون الشرقية » الإعدادية و الثانوية ثانوية زينب النفزاوية بوجدة
كلية الآداب و العلوم الإنسانية بفاس قسم الفلسفة » كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالقنيطرة قسم الأدب الفرنسي جامعة محمد الخامس كلية الآداب و العلوم الإنسانية بالرباط قسم الأدب الفرنسي وحدة الأدب المغاربي و الأدب المقارن
تحصلت على شهادة الباكلوريا 
شهادة الإجازة تخصص لغة و أدب فرنسي
ماجستير قسم أدب فرنسي و أدب مقارن تخصص أدب مغاربي و إفريقي
عضو سابقة في جمعية الأوراش المغربية للشباب
عضو سابقة في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان
عضو في جمعية شعراء بلا حدود فرنسا
عضو في مبدعين بلا حدود الوطن العربي
عضو في جامعة المبدعين المغاربة
صدر لها في الرواية 
رواية الحب في زمن الشظايا سنة 2006
مجموعة شعرية أبابيل الصمت سنة 2008
رواية طارينخير بين الضوء و السراب ستصدر قريبا عن دار أرابيسك للنشر و الترجمة
رواية في حدائق كافكا شاركت بها في مسابقة الطيب صالح للرواية 2012 
تكتب أيضا القصة القصيرة و الخاطرة و تنشر في عدة مواقع عربية
عن السارد الديمقراطي وبحث الروائي عما لا يقال ليقوله في نص مختلف والايدولوجيا في الفن والتفكير بالقارئ لدى الكاتب طرحت عليها أسئلة الرواية أسئلة تبحث في هموم ومواضيع الكتابة الروائية كما رأيتها فأجابت بنص الحوار التالي 
ما هي أهم التحديات التي تواجه الرواية العربية ؟ نستطيع القول أن الرواية العربية حقّقت في السنوات الأخيرة تراكما كميا و كيفيا جعل البعض يسمي هذه الفترة بزمان الرواية و أنها أصبحت ديوان العرب بعدما كان الشعر يحتلّ هذه المرتبة. لكن مع ذلك 
علينا أن نتساءل لماذا لم تحقّق الرواية العربية رهان العالمية رغم فوز نجيب محفوظ بنوبل منذ عدة سنوات؟ 
الرهان المستعجل و الحقيقي هو الـتأسيس لثقافة قرائية. لا أحد يجهل أن الشعب العربي شعب لا يقرأ. نلاحظ أن هذه الظاهرة استفحلت في السنوات الأخيرة مع الثورة المعلوماتية. كيف نكسب عددا أكبر من القراء؟ لماذا لا يشهد ظهور رواية عربية ذلك الإقبال المنقطع النظير الذي تعرفه بعض الروايات الأجنبية فنجد القراء يبيتون ليلتهم مصطفين أمام المكتبات للحصول على نسختهم؟ متى يصل القارئ العربي إلى هذه المرحلة من الارتباط الوثيق و هذا الشغف بالكتاب عموما و بالرواية على وجه الخصوص؟ هل هي أزمة الرواية كموضوع أم أزمة النشر كما يراه كثير من كتاب الرواية ، أزمة قارئ أم أزمة منظومة مجتمعية و ثقافية ذات أبعاد استهلاكية سطحية؟ بماذا نبرر غياب النقد و التتبع الإعلامي للإبداعات على مستوى الرواية خاصة و الأجناس الأدبية الأخرى عموما ؟ 
أظن أن الجهود لا بدّ أن تتضافر كي تخلق مشهدا ثقافيا جديدا. جهود الحكومات و المؤسسات و الأفراد مبدعين و قراء.
السارد الديمقراطي
السارد الديمقراطي بحسب نبيل سليمان وما يعوق السرد عنده ؟ 
يرى نبيل سليمان أن الرواية كائن اجتماعي. من هذا المنطلق يؤسس لنظريته حول السارد الديمقراطي. ربما تتحقّق في نوع خاص من الروايات مثل الرواية التاريخية التي تستوجب ساردا عليما لكن محايدا و غير مشارك في التسلسل الأحداثي بل هو فقط عين ترصد و تحكي ما رأت. لكن كيف يتحقّق السارد الديمقراطي مثلا في رواية تصعب على التجنيس تتعاقب فيها الإستطرادات و المونولوج و الهذيان و التداخل في الأزمنة و الأمكنة ؟
وضعية السارد الديمقراطي وضعية مريحة غير مقلقة من حيث أنه يتولّى عملية السرد بصفته العليمة العالمة دون أن يساهم ذلك في خلخلة النص. 
أين يمكن أن نصنّف السارد في رواية جاك لوفاتاليست لديدرو مثلا؟ هذا السارد المجهول الهوية الذي يخاطب القارئ مباشرة و يعده أنه سيحكي له المغامرات العاطفية لجاك و لا يفعل؟ لقد أثرت هذا الموضوع في روايتي في حدائق كافكا.
تعدّد الأصوات السردية أو ما سمّاه تودوروف بالبوليفونية يضرب في العمق هذه النظرية.
هل دور السارد ينحصر في كونه تلك الحلقة الضرورية التي تربط النص بالقارئ أم يمكنه أن يساهم في التكثيف الأحداثي و تواتر دلالات النص؟
إلى أي حد تضر الأدلجة بالنص ؟ 
ما اصطلح عليه أدلجة هو إقحام إيديولوجية معينة في المتن الروائي و فرضه فرضا على القارئ الشيء الذي يضرّ بالهدف من الرواية و من النص الأدبي عموما. أرى أن مهمة الأدب هي خلخلة الموروث و السائد من الأفكار و الظواهر الاجتماعية لكن في قالب أدبي غرضه الأساسي إمتاع القارئ و منحه شيئا يجنح به نحو آفاق فنية جديدة تكسر رتابة يومه المكرور. هذا لا ينفي أن يعانق الأديب هموما مجتمعية و إنسانية يرقى بها من خلال عمله إلى الجمال و المتعة الفنية. 
كيف يستفيد الكاتب من التراث الخاص والعام لبلورة رؤية تحدد مسار نصه ؟ 
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكتب الأديب انطلاقا من الفراغ. بل هو يستند في تجربته الإبداعية على كل ما يحمله كإرث مجتمعي و إنساني و يعتبر إبداعه قطرة في هذا الوادي العميق الذي يسمى الإبداع الإنساني. كل إبداع هو لبنة لما سبقه و ما سيلحق به. عبّر الكاتب الأرجنتيني بورخيص عن هذه التعاقبية في الإبداع عبر نظريته التي أسماها برج بابل. و اعتبر أن الحضارة البشرية هي مكتبة ضخمة تتناسل أدراجها و تعلو كبرج بابل نحو السماء أي مفتوحة على اللانهاية.
ما ضرورة أن يبحث الروائي عن ما لا يقال ويقوله بطريقته ؟
كل من يستطيع أن يقول ما يريده هو ملك روما بطريقته الخاصة قال بيسوا.
الروائي حتما يبحث عما يقال و ما لا يقال. هذا أمر مهم لكن الأهم منه هو أن تكون له طريقته الخاصة في توصيله بشكل يكون إبداعه قيمة مضافة للإرث البشري. و هنا بالضبط تكمن خصوصية كل مبدع. ألا يقوم فقط بتكرار فظ لما قيل وما يقال. 
كيف ترين الرواية قبل وبعد عام 2000 ؟
سنة 2000 لم تحمل جديدا سوى دخول البشرية لحقبة زمنية أخرى تسمى الألفية الثالثة. لكن ما يحدث الآن ليس فقط على الساحة العربية بل و العالمية قد يخلق فارقا في حقبتين و بالتالي يمكن توسيمهما بما قبل الثورات العربية و ما بعدها. أظن أن الحراك السياسي من شأنه أن يفتح آفاقا جديدة للعمل الإبداعي أو على الأقل يكون حافزا لإثارة مجموعة من الأسئلة الجديدة و طرق مواضيع كانت فيما قبل في خانة التابو و المسكوت عنه. هذا لا ينفي أن كثيرا من الروايات العربية حققت هذا الانصهار بالمجتمعي قبل هذه الفترة واستطاع كتابها تشريح الواقع العربي المزمنة أمراضه لدرجة خلخلة الموروث و السائد من الأفكار و التي حتما أقلقت ذوي العقول الدوغمائية. 
ماذا ينقصك كروائية ؟
بما أني أكتب الرواية و القصة القصيرة و الشعر يمكن أن أقول ينقصني نص لم أكتبه بعد.
هل تحتكمين لأراء النقاد بشكل نهائي ؟ 
لا يجب الخلط بين الناقد و العاشق للنص. الناقد يمتلك أدوات بواسطتها يستطيع تفكيك النص و جمع شتاته للوصول إلى دلالاته. يشترط فيه أن يكون ملمّا بتاريخ الأدب ، بالتيارات الأدبية و بأحدث النظريات النقدية العالمية بحيث يشكّل وعيه المتجدّد بمتغيّرات الساحة الثقافية الشيء الذي يمكّنه من تخطّي الأنماط التقليدية و بذلك يمكنه أن يفتح النصّ على قراءات أخرى متعدّدة و مختلفة و لا يحصر النص في خانة عقيمة. الناقد يستقرئ النص و النص فقط و لا يستدعي تأويلات يسقطها عليه و على كاتبه فيجانب بذلك الصواب. يمكن لقارئ عاشق للنص أن ينجز مقاربة من خلال مداركه و موروثاته القرائية لكن لن يكون بحال من الأحوال ناقدا. في الحالة الأولى فقط أقرّ برأي الناقد و أحترم بطبيعة الحال القارئ المتتبّع للإنتاج الأدبي الذي يوّد بصفته قارئا متميّزا أن ينجز له قراءة خاصة تكون في كثير من الحالات سببا في إثرائه. 
أهم رواية قرأتها في العام 2010 ؟
رواية يوسا بنطليون و الزائرات. لا أدري إن كانت الأهم لكنها راقت لي كثيرا. بفنية عالية و باعتماد سخرية سوداء لاذعة ينتقد الكاتب الطغمة العسكرية الحاكمة التي تستغل سلطتها بكل الوسائل لتدجين الإنسان و شلّ قدرته على إدراك الواقع بل و تعمد على محو شخصيته بتبئيسها و إرجاعها إلى مرحلة الغرائزية الحيوانية. الفكرة بسيطة جدا تتلخص في ادخال مجموعة من المومسات إلى الثكنات العسكرية لمعالجة ظاهرة اغتصاب نساء القرى المتاخمة لهذه الثكنات من طرف الجنود. اعتمد فيها يوسا على تقنية جديدة في الحوار تتطلب تركيزا شديدا من القارئ لتتبع خيط الأحداث المتشابكة. فتراه في لحظة سردية واحدة يعرض ثلاث حوارات و أكثر تختلط فيها الأزمنة من ماضي و حاضر.
هل تعيدين حساباتك بناء على ما جرى وما يجري الآن في الساحات العربية ليكون لك طرح مع أو ضد أم أن الأمر عادي بالنسبة لك ؟ 
أكيد أن الأمر ليس عاديا بالنسبة لي. فما يجري الآن ليس فقط في العالم العربي بل و أيضا في دول العالم كإنجلترا و الولايات المتحدة الأمريكية جدير بالاهتمام و المتابعة. لماذا هذه الحركية الآن بالضبط؟ من وراءها؟ و ما الغاية منها؟ أسئلة و غيرها تطرح نفسها بإلحاح. 
أرى أن حصيلة سياسة الحكومات المتعاقبة في الدول العربية من المحيط إلى الخليج منذ استقلالها هي حصيلة سلبية لم تنتج سوى الإحباط و الغليان الشعبي المتزايد. و أكيد أيضا أن بعض الدول المعادية للعرب و الطامعة في ثرواتهم تتدخل بشكل سافر كما فعل الناتو في ليبيا أو بشكل مستتر من خلال قنواتها التجسسية لتغيير مجرى الأحداث لصالحها. ما وقع في تونس و ما يقع الآن في مصر خير دليل على ذلك. كانت هذه القوى المعادية و لا تزال تملي شروطها على الشعوب العربية التواقة للحرية. هل ستكون الجماهير العربية في مستوى إحباط مخططاتها؟ هذا هو السؤال المطروح الآن؟ هل المثقف العربي قادر على مواكبة الأحداث بإبداع يضع أصبعه على هذه الأمراض التي تنخر الدول العربية؟ هذا سؤال آخر جدير بالإهتمام. 
هل تطمحين لتحقيق أسلوب جديد ؟
سؤال مؤرق كيف أستطيع أن أكتب بشكل أفضل؟ 
مثل كل كاتب يحترم إبداعه و يحترم القارئ المحتمل لما يكتب لا بدّ أن أجيب بنعم على هذا السؤال. 
ما رأيك بمستوى الرواية بعد نجيب محفوظ ؟
نجيب محفوظ كاتب دخل التاريخ من بابه الواسع. أسّس أول لبنات نص عربي بميزة عالمية. تندرج أعماله في الاتجاه الواقعي و قد نجح في ذلك إلى حدّ بعيد لكن هذا لا ينفي وجود روائيين كبار لم يأخذوا حقهم من الاهتمام و الاعتراف أذكر على سبيل المثال لا الحصر جبرا إبراهيم جبرا، عبد الرحمان منيف، حنان الشيخ، حميدة نعناع، سحر خليفة، ليلى بعلبكي، حيدر حيدر، هذا بالنسبة للكتاب باللغة العربية و آخرون اختاروا أو فرضت عليهم لغة إبداع أجنبية مثل الخالد كاتب ياسين، رشيد بوجدرة، محمد خير الدين، عبد اللطيف اللعبي الذي عرف كشاعر أكثر منه روائي رغم أنه كتب روايات مهمة باللغة الفرنسية و آخرون كثيرون لا يسع المجال لذكرهم جميعا. كثير من هؤلاء الكتاب اختار الغوص في التجريبية و الخروج عن قيود الخطاب الروائي التقليدي بتحطيم السرد الرتيب المتكئ على رتابة الأحداث و الحبكة المصنوعة المعدة سلفا. 
كل يتلمس الحداثة في الرواية من زاويته من تكوينه ولكل كاتب مفهومه للحداثة فما هي رؤيتك للحداثة في الرواية ؟ 
الحداثة بالنسبة لي ليست موضة على الكاتب استهلاكها في غير موضعها و لا شعارا فضفاضا بل هذه النقطة بالضبط التي تكلمت عنها آنفا الخيال أكثر أهمية من المعرفة قال إينشطاين و الخيال الحداثي في نظري هو الذي يتحقق له استمرارية البحث عن أشكال عديدة و مختلفة للتعبير فيتخصّب النص لديه إلى كتابة تشابكية و تأملية.
إلى أي حد تحضر الايدولوجيا في نصك وما رأيك بالايدولوجيا فنيا ؟ 
أدرك أن لي هوية و شخصية خاصة بي و مختلفة عن الآخرين و أرى أن ذلك يعطيني بعض الحق في أن تكون لي آراء شخصية و أن أعبّر عنها بطريقتي من خلال مساءلة الواقع المأزوم و أومن أن مهمة الرواية هي بالذات طرح أسئلة و ليست محاكاة مرآوية للواقع الذي يتغيّر باستمرار و بوتيرة متسارعة لكنه في نفس الوقت واقف مكانه.
شخصيات خالدة
من أين تخلق الشخصية الروائية عندك ؟ 
من صراع الأنا و الآخر. ليس بالضرورة أن يكون الآخر هو الإنسان المختلف عني بل أيضا المحيط بكل مكوناته. أتوق إلى خلق شخصية ممزقة هاربة من كل تصنيف و ليس شخصية يتماهى معها القارئ و من خلالها يحقق تخلّصه و لو لحين من مكبوتاته و أرقه أو ما كان اليونان يسمونه في المسرح كاترسيس.
شخصية تكون متأرجحة بين البنى الفوقية العقلية الجامدة و أخرى تحتية متغيّرة أو على الأقل تمور تحتها حمم البراكين. أظن أن هذا الوعي بأبعاد السرد هو الذي يخلق الوحدة الوجودية للشخصية ككائن متشظي في عزلته الوجودية أمام جبروت المجتمع أو القبيلة.
ما الذي يحقق الخلود للشخصية الروائية ؟ 
أظن أنه هو هذا التمزق و في نفس الآن التحقق الوجودي، التموقع داخل و خارج العالم. شخصية دون كيخوت مثلا أو زوربا أو زرادشت هي شخصيات أصبحت خالدة لأنها حققت هذه المعادلة الصعبة.
ما أهمية طرح شعرية السرد كلغة بديلة عن السرد العادي ؟ 
بالنسبة للرواية كجنس أدبي، قال ساراماغو أنها تحتوي العالم. بمعنى أنها تسع كل الأجناس الأدبية الأخرى و تحتويها. 
جمالية اللغة من حيث أنها عين ثالثة هو ما يتحقّق لها كونها في نفس الوقت تبليغ مباشر و غير مباشر. ثنائية التعبير الشعري و النثري الذي يوازي انسجام ماهو ذاتي و بما هو موضوعي، الخاص بالعام هو ما يمنحها ما يسمى التعبير الفاعل. على اللغة الحداثية أن تنحى عن أحادية الدلالة فتتحقق لها الشعرية حين تتواتر دلالاتها المتعددة بتعدد مفاتيح النص التأويلية مجاز، تكثيف، لغة واصفة، ألوان، بياض و فراغات.
الشعرية في نظري هي تلك الوساطة بين الممكن و المستحيل بين السهل و الممتنع.
إذا ما فكرت يوما في كتابة سيرتك الذاتية هل ستكتبين كل شئ عنك المحرج والصعب والحساس و و الخ أم انك ستقدمين شئ وتستنين أشياء ..؟ 
حاول كثير من الدارسين لفن السيرة الذاتية تأطيرها في قالب نظري يحتويها كجنس إبداعي و يمنع تشظيها و تداخلها مع أجناس أخرى و على رأسهم الكاتب الفرنسي جون جينيت لكن مع ذلك تلتبس الرؤية على قراء هذا الجنس الأدبي لتأرجحه ما بين السيرة الذاتية و التخييل الذاتي. هل فعلا من يطمح لكتابة سيرته الذاتية ينجح في ذلك؟ بمعنى هل يستطيع استرجاع كل أحداث حياته بأمانة كما وقعت بالفعل؟ الإنسان بطبعه كائن راوي إن صح هذا التعبير أي أننا طوال اليوم لا نفعل سوى سرد قصص وقعت لنا أو لغيرنا. و حين نحاول أن نسرد ما مضى و لو كان هذا الماضي قريبا جدا مناّ زمنيا ووجدانيا، فإننا حتما نضيف عليه من خيالنا أشياء. إلى أي حدّ إذن يمكن أن تكون السيرة الذاتية أمينة لماضينا حتى و لو افترضنا نيّة الأمانة الأدبية؟
أعتقد شخصيا أن كل ما كتب من سير ذاتية كان فيه شيء من التخييل و لهذا أعتقد أن مصطلح التخييل الذاتي يليق أكثر بهذا النوع من النصوص.
من هو القارئ المفترض بالنسبة إليك ؟ إذا ما سلمنا بوجود قارئ مفترض لدى الكاتب ؟ 
أعتقد أن عميلة الإبداع تمرّ بمرحلتين أساسيتين. يكتب المبدع أولا نصه كرسالة إلهية لا يأتيها الباطل من أمامها و لا من خلفها. كل ما كانت نابعة من أعماقه ومن وعيه بوجوده ككائن يرتبط وجوده بوجود الآخرين كلما كان نصه أصدق. ثم المرحلة الثانية التي بالضرورة تستدعي وجود قارئ محتمل لأننا لا نكتب لأنفسنا و لو أن في هذه الفكرة شيء من الحقيقة. أنا شخصيا أستمتع جدا حين أكتب. بل لحظات الكتابة هي من أجمل اللحظات و ألذها، لكن ونحن نكتب يمكن أن أقول أننا نستشعر وجود الآخر جنبنا يسترق النظر إلى ما نكتب. قد يسميها البعض رقابة ذاتية و هي إلى حدّ ما كذلك. لكن استحضار هذا القارئ المسترق السمع لما نقول نابع من إحساس بالمسؤولية تجاهه و تجاه عملية الكتابة في حدّ ذاتها. 
حاجة المبدع للكمال
وإلى أي حد تفكرين بهذا القارئ عند شروعك بالكتابة ؟
من هذا المنطلق أي الوعي بالكتابة كمسؤولية و كطريقة حضارية للتخاطب لا بدّ و أن تكون مرآة صادقة للشخص الكاتب أو المبدع. لذلك كثيرا ما يتبادر إلى ذهني هذا السؤال هل نشبه كتاباتنا؟ أم عليّ أن أقول هل تشبهنا كتاباتنا؟
أنا شخصيا كبرت و نشأت في عالم الكتب. منذ سنّ العاشرة من عمري لم أتخلّ يوما عن الكتاب. أنا قارئة نهمة باللغة العربية و الفرنسية. فالساعات الطويلة التي أقضيها بين الكتب أورثتني عادة لا أدري إن كانت سيئة أم حسنة و لا يهمني أن أعرف هو أن أثق بكل ما أقرأه. أدخل عالم الكاتب هذا العالم الإفتراضي الذي يتجلّى لي عبر صفحات الكتاب فأحبه أو لا أحبّه و ترسّخت لي قناعة أن كل كاتب لا يكتب إلا ما يحتويه بين جوانحه. لكن حين كبرت و أصبحت ألتقي بكثير من الكتاب الذين قرأت رواياتهم، اتضح لي أني كنت قارئة ساذجة و أن كثيرا من هؤلاء الكتّاب لا يشبهون كتاباتهم. لذلك أصبح هذا السؤال يؤرقني. لا أضعه على نفسي لأني مقتنعة بحكم سذاجتي أيضا أني أكتب كما أعيش و أعيش كما أكتب.
ألا ترين إن الرواية تحولت إلى موضة فصار الكل يسعى لكتابة رواية _ الشاعر يكتب رواية والقاص يكتب رواية والناقد يكتب رواية والمفكر كذلك ؟ 
لا أظن أنها مسألة موضة بل هي حاجة المبدع للكمال. المبدع إنسان غير عادي. هو عموما إنسان ربّى وعيا شقيا بمحيطه و حساسية مفرطة تجاه كل أنواع القبح كما أنه هش و قابل للإنكسار بسرعة لذلك هو دائم البحث عن الوسيلة التي يظن و يتمنى أن تنقذه من فراغ الهاوية تحت قدميه. قد يجد بعض السكينة في شكل من الأشكال الإبداعية فيتبناه لكن في كثير من الحالات هو ضائع بين أشكال تعبيرية مختلفة. هذه الأشكال هي الأجنحة التي يتمنى لو كانت على ظهره كي العالم من فوق. 
انتشار موديلات العري في الساحات الثقافية العربية المختلفة على غرار نانسي عجرم وهيفاء وهبي في ساحة الغناء والاستعراض ما رأيك بهذا الأمر ؟ 
انطلاقا من إيماني بالحرية الشخصية في التعبير لا يمكن لي أن أصادر حق أي شخص في التعبير عن نفسه بالشكل الذي يرتضيه لنفسه. الأذواق تختلف و كل شيء نسبي. ما أراه قبيحا قد يستسيغه آخر و العكس صحيح. 
لكن الملاحظ في الساحة الفنية العربية على الخصوص هو وضع المرأة في دور الإثارة الجنسية و التركيز أساسا على جسدها كمادة استهلاكية إشهارية و استعراضية. هل سترقى المرأة إلى الوعي بخطورة هذا الدور و ترفضه كي تسمو إلى رسم صورتها كإنسان؟ أتمنى أن يجيب القادم من الأيام على هذا السؤال.
لكن يجب الاعتراف أيضا أنه بمقابل هذه الأمثلة التي سقتها في سؤالك هناك أيضا أمثلة لصورة المرأة الإنسان التي تمنح فنا راقيا نظيفا السيدة فيروز، السيدة ماجدة الرومي، الفنانة أميمة الخليل، الفنانة اللبنانية جوليا بطرس و المتميّزة المغربية سميرة القادري و غيرهن كثير.
الحياة مليئة بالمتناقضات لذا علينا أن ننظر أيضا إلى جانبها الإيجابي.
_________
*(الزمان) العراقية

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *