الرئيسية / إضاءات / ريلكه بين مهرجي بيكاسو ومسرحية الوجود

ريلكه بين مهرجي بيكاسو ومسرحية الوجود


*لطفية الدليمي

بعد تحولات ريلكه من الصوفية الغامضة والقصيدة الذاتية يتجه نحو استلهام اللوحات والأعمال الفنية لمعاصريه فيجسد القصيدة كبديل متجاوز للعمل الفني المرئي وكأنه يعمل على تشكيل منظومة ابداعية معشقة من الشعر والفن التشكيلي تجمع بين عناصرها متطلبات الروح والمادة والرؤيا، لينسج من هذا كله مفهوما يبسط لنا موقفه من موضوعة الوحي الشعري، فهو يرى ان ابسط الاشياء وأتفه الحوادث العابرة يمكن ان تكون شرارة لعمل فني كبير كأن تكون نظرة طفل أو رفرفة جناح يمامة أو ضجة بشر،عصف الريح،فتاة تركض، كلمات عابرة في الطريق، يتلقفها الشاعر ويأخذها معه الى مصهره الابداعي ليضعها على طريق الأبدية..

يؤمن الفنان بالبعيد والمجهول و اللامرئي، الآخرون لايثقون بغير المرئي والملموس ولا تستقبل حواسهم وأفئدتهم تلك الاشارات المبهمة التي قد تصيبهم بالضجر لأنها لا تنتمي إلى معاييرهم الأرضية و الزمنية المحددة بالعدد والقياس والقيمة.
يؤمن ريلكه وهو يكتب المرثية الخامسة من (مراثي دوينو) عن لوحة بيكاسو (عائلة المهرجين)أن غاية الفن هي التغلب على وطأة الزمن والإمساك بنفحة من المطلق فعائلة المهرجين تقدم عروضها لتشيع المرح بنسيان الزمن مدركة أن مهمة الفن إنقاذ الناس من الملل وركود الحياة في زمنهم بطيء الإيقاع، وبالألعاب البهلوانية الخطيرة والقفز تستبدل ايقاع أيامهم البليد بإيقاع سريع يجرفهم نحو خلاص مؤقت عندما يرتقي بهم الفنان الى حيز لا أرضي ولا زَمني، يصف ريلكه لعبة المهرجين وسعيهم الحثيث لإيقاظ الموتى – المتفرجين بفردوس الألاعيب البهلوانية:
اؤلئك المتفرجون الموتى،الذين لا عدد لهم 
هل سيرمي هؤلاء الموتى درهم سعادتهم الأخير الذي ادخروه
وأخفوه عنا ليحتفظ بقيمته حتى الابد
يرمونه أمام عاشقين يبتسمان حقيقة 
على البساط الهادئ أخيرا؟
يعمد ريلكه الى التأكيد على ابتسامة رسمها (بيكاسو) على وجه المهرج الذي يغالب أحزانه ويواصل مع فريقه حركاتهم البهلوانية ليغيروا ايقاع اللحظات والإحساس بها وتتفاوت استجابة المتفرجين فهم يبتهجون لبرهة قصيرة فيبدون أشبه بزهرة تتفتح بسرعة تحت الضوء ثم سرعان ما تذوي، أراد ريلكه الإشارة إلى أن السأم البشري متمكن وطاعن في الروح الانسانية وكلما سعينا للإفلات منه كلما صرنا أسرى سطوته الطاغية ولا خلاص للإنسان إلا بالفن الجميل، فبدون الفن وتجلياته تبقى الحياة رهينة البطء القاتل والضجر فالفنون التشكيلية والموسيقى والرقص والغناء وحتى السيرك تعمل جميعها لتنتزعنا من الزمن العادي وتقسيماته التي أوجدناها – لتقذف بنا بعيدا في اللامكان واللازمان وتسعدنا بملامسة حرير الحلم.
يعلم الشاعر ان مسرحية العروض الفنية ماهي إلا برهات أو فواصل جميلة في المسرحية الكبرى للحياة التي ستؤول حتما إلى زوال فلا نجد منها أخيرا سوى اليباب الموحش، لكن ريلكه يؤمن بأن هناك حتى في هذا الفراغ الموحش ما يستحق الإحتفاء فلحظات الإشراقات العظمى التي نكتشف خلالها أبعادا باهرة غير ما ألفناه من الحياة اليومية جديرة باحتفائنا حتى وان لم نحصل منها إلا على اليسير من ممكنات الوجود 
في مرثيته السادسة، يعلمنا ريلكه معنى الازدهار:
نتباهى بأننا نزهر، وبلا نضج 
ندخل في لباب ثمرتنا 
نادرون من يكون تيار الفعل لديهم قويا
فإذا ما لامست غواية الإزهرار
أفواههم الفتية وجفونهم كنسائم الليل النضرة 
كانوا من قبل ناهضين ملتهبة قلوبهم..”
يخبرنا أخيرا: النشوات التي تدركها حواسنا تحول المرئي الى كنز روحي!
________
* روائية وأديبة من العراق(المدى)

شاهد أيضاً

النهضة.. لا خيار إلا الإبداع

*محمد الأسعد حين اختلطت الاتجاهات أمام أنظار إنسان هذا الوطن العربي، وهي مختلطة منذ خمسة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *