الرئيسية / نصوص / أيقونة الصمود

أيقونة الصمود


موسى إبراهيم أبو رياش*

( ثقافات )



يضرب جوزيف المكتب بقبضة يده بعنف… يكرر الضرب… يعصر رأسه بين كفيه… يعاود الضرب… ينفث دخان سجائره دون توقف. يقول بغضب: يا رب الأرباب… ماذا أفعل يا ناحيم. لقد عجزت؟
يرد ناحيم باستكانة: لا أدري يا سيدي… فأنا أشد حيرة وعجزاً منك.
جوزيف: إن ما يحدث خيال لا يمكن أن يحدث إلا في أفلام هوليود.. ولكنه واقع يقض مضاجعنا… ما الحل؟!
ناحيم: إنها أسطورة تتجسد … لا أكاد أصدقها على الرغم من أنني أشاهدها كل يوم.
جوزيف: من أي طينة جبل ماهر هذا… وأي قوة جبارة تحركه وتمده من مخزونها الذي يبدو أنه لا ينضب؟
ناحيم: إنه بشر مثلنا يا سيدي ولكن… .
وقف جوزيف غاضباً: لا … لا … من المستحيل أن يكون مثلنا… إننا نعجز أن نصمد أسبوعاً واحداً… ولكنه صمد وتحدانا شهور طويلة … وهو يواصل إضرابه عن الطعام كمارد لا يلين.
ناحيم: عجيب أمره… كيف يصبر على ذلك؟ ومن أجل ماذا؟ وأي شيء يستحق أن تخسر حياتك من أجله؟!
يجلس جوزيف: هنا يكمن السر… هنا يكمن السر!
ناحيم: لقد حاولت أن أكسر إرادته بكل الطرق والوسائل التي لا تخطر على الشياطين والأبالسة، ولكنه هزمني.
جوزيف: هزمنا جميعاً… أشعر أنني أنا السجين وهو السجان على الرغم من أنه يقبع خلف القضبان لا يخرج منها…. إنه يهزأ بنا جميعاً.
ناحيم: لقد قرأت كل كتب علم النفس، وكتب الحرب النفسية دون جدوى.. إنه حالة خاصة لم تسبق.
جوزيف: ما أصعب أن تشعر بالهزيمة من سجين ضعيف بين يديك!
ناحيم: ضعيف الجسد… ولكنه قوي النظرات… بصراحة… لا أقوى على النظر في عينيه…. أشعر بالدونية.
جوزيف: يتكلم بوهن ولكن بثقة المنتصر الذي لا يهزم.
ناحيم: وما رأي قيادتنا السياسية؟
جوزيف: تباً لقيادتنا السياسية… إنها تكلمني كل يوم لأنهي الموضوع بأقل الخسائر … فقصة ماهر أصبحت قضية رأي عام تضغط عليها بشدة، وخاصة في الغرب.
ناحيم: إذاً لا بد من صفقة؟
جوزيف: بالتأكيد، ولكن بأي شروط؟ ماهر يصر على إطلاق سراحه وعودته إلى القدس، ونحن نرفض أن يعود إلى القدس، حفاظاً على هيبة الدولة.
ناحيم: ليكن اتفاقاً سرياً.
جوزيف: إنه يرفض بشدة… يريدنا أن نخضع لشروطه وكأنه دولة يفاوضنا نداً بند.
ناحيم: أليس نداً قوياً لنا؟
جوزيف: أصدقك القول… لو كان يهودياً لاستحق أن يكون رئيس حكومتنا، فمثله لا يُهزم.
ناحيم: صعقني قبل أيام طفله الذي لم يتجاوز عشرة أعوام يقول له في أثناء الزيارة: أصمد يا بابا فأنت في أعيننا وعيون كل الناس هنا بطل عظيم فلا تخذلنا… 
جوزيف: وأنا الذي لم أسمح له بالزيارة إلا لأنني كنت أحسب أنه سيتعطفه ليتوقف… أو يرق ويشفق عندما يراه.
ناحيم: دعه يموت.
جوزيف (غاضباً): يموت؟! …. أتريد خراب بيتي؟! … لا نريد فضائح ومشاكل مع العالم الذي يدعمنا ويقف إلى جانبنا. إن موت ماهر قد يكلفنا الكثير الكثير…
ناحيم: وما العمل إذاً؟!
جوزيف: لا أدري… اتركني أرجوك … يكفيني ماهر وصداعه الذي يشل دماغي.
*******
وبعد إضراب عن الطعام هو الأطول من نوعه استمر سبعة أشهر، أفرجت قوات الاحتلال عن الأسير ماهر، وإعادته إلى القدس كما اشترط، وذلك بقرار من أعلى سلطة سياسية وعسكرية وأمنية؛ خشية لعواقب لا يمكن التنبؤ بحجمها. وبعد يوم واحد بحثت عنه لإبعاده عن القدس بالقوة دون جدوى. كانت تبيت خداعاً كعهدها دائماً، ولكن ماهر كان يتوقع أمراً مثل ذلك فتوارى عن الأنظار.
وضعت قوات الاحتلال العيون والمخبرين وكاميرات المراقبة فلم تتوصل إلى مكانه. فقد انشقت الأرض وابتلعته. وبعد أيام ظهر ماهر على إحدى الفضائيات يؤكد أنه في القدس، وأنه قد خرج من سجنه بعد أن فرض شروطه على العدو، موجهاً رسالة إلى كل الأسرى في سجون الاحتلال أن لا يخضعوا له أو تهن عزائمهم، فإن النصر مع الصبر، وأن العدو يتخبط، ولا يستطيع التغلب عليهم في معركة هم من فرضوها عليه، وبيدهم وحدهم كل أسلحتها، وحذرهم من الالتفات إلى دعوات ونصائح بعض (الأصدقاء من جلدتنا) الذين يحاولون أن يغروهم بالمال والمناصب لفك إضرابهم، وما هم إلا طابور خامس للعدو. فجن جنون قوات الاحتلال، وقلبت الأرض بحثاً عنه، فعادت قواتها خاسئة تجر أذيال الخيبة والفشل، وأصبح العدو يتشكك في أجهزته الأمنية، وقدرتها على أداء واجباتها كما يجب.
قاد ماهر معركة الأمعاء الخاوية في سجون الاحتلال، يوجه الأسرى، ويقوي عزائمهم، حتى خضع العدو ووافق مرغماً خانعاً على صفقة ضخمة كانت هزيمة منكرة له. وبعد أيام من تنفيذ الصفقة، خرجت جنازة مهيبة من المسجد الأقصى المبارك تضم جثمان الشهيد البطل ماهر الذي توفي قرير العين إثر الأمراض التي تراكمت عليه في أثناء الأسر، ولم يستطع علاجها لاضطراره للتخفي بعيداً عن العيون. وتطورت الجنازة إلى مسيرة حاشدة من العزة والفخار والشموخ، أرعبت جنود العدو الذي صعقتهم المفاجأة، فألجمتهم، وجاءتهم الأوامر بالتزام الهدوء وضبط النفس. وتحول ماهر إلى أيقونة للكفاح والنضال والصمود البطولي، فكان في موته أكبر مما كان في حياته شوكة في حلوق العدو، تقض مضاجعهم، وتفضح ضعفهم وعجزهم، وتكشف عري (الأصدقاء) وخستهم ونذالتهم.


* قاص وناقد من الأردن

شاهد أيضاً

القضية..فلسطين / إلى..عهد التميمي

خاص- ثقافات *محمد الزهراوي دجَّنوهاǃ؟ ألا ترَوْن؟.. بيْضاءُ هذِه الفْرَسُ فِي الرّيحِ وأنا الشّاعِرُ.. مهْمومٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *