الرئيسية / فنون / «تقليب الصفحات» لنحات الكتب جاستن رو

«تقليب الصفحات» لنحات الكتب جاستن رو




*عبير مشخص

في وجه الكتاب الإلكتروني والإنترنت يجد الكتاب التقليدي نفسه في منافسة غير عادلة في معظم الوقت، إذ انتشرت أجهزة القراءة الإلكترونية وبدت المكتبات التقليدية تحاول التشبث بالقارئ المخلص. ولعل هذا ما ألهم نحات الورق جاستن رو ليختار تخصصا نادرا لفنه فهو يخلق من صفحات الكتب القديمة أشخاصا ومجسمات رقيقة تحمل عبق صفحات الكتاب وتحول الكلمات إلى مشاهد حية. رو يقيم معرضا بعنوان «تقليب الصفحات» في مقر الأكاديمية البريطانية بلندن ليتزامن مع أسبوع الثقافة الذي أطلقته لتحتفل به بكل أشكال الكتب والأعمال المستوحاة منها، فهناك عروض مسرحية ومحاضرات وأمسيات أدبية ولكن ما أثار الاهتمام وتصدر الجرائد البريطانية كان معرض رو. المعرض صغير جدا ولكن لا بد من القول: إن الإحساس الأول الذي يثيره لدى الزائر هو الدهشة والانبهار. في منتصف القاعة هناك كتاب مفتوح انتصبت فوقه أشجار صنعت من أوراق نفس الكتاب، وكأننا أمام مشهد مسرحي مصغر، نرى أوراق الشجر متناثرة على الأرضية وفوق الأشجار نلمح طيورا ورقية صغيرة. المنحوتة الدقيقة تثير الإعجاب لأول وهلة وأيضا التعجب من قدرة الفنان وصبره على إخراج تلك التفاصيل الدقيقة.

حولنا توجد بعض المنحوتات الورقية في خزانات زجاجية ولكن أغلب الأعمال المعروضة هي صور فوتوغرافية مكبرة لمنحوتات رو. التقينا الفنان خلال الزيارة ودار الحديث معه حول أعماله والمواضيع التي يستلهمها وأيضا طريقة عمله. السؤال الأول له كان إذا ما كانت كل الأعمال مستوحاة من كتب الأطفال إذ نرى حولنا شخصيات من ورق ترسم مشاهد من قصص شهيرة مثل «ليلى والذئب» أو «جزيرة الكنز». يقول: «ليست كل الأعمال مستوحاة من كتب الأطفال» ويشير إلى أن الصور والمنحوتات والمشاهد المجسمة التي يبدعها قد لا ترتبط أيضا بالكتاب الذي صنعت منه، كما يشير إلى مجموعة من الصور التي تصور مشاهد من أغنيات وحكايات شهيرة ارتبطت بفترة أعياد الميلاد «12 يوما من الكريسماس»، «صنعت هذه لأجل عرض لنافذة المكتبة التي أعمل بها وبعدها قمنا ببيعها في مزاد خيري لصالح بعض الجمعيات الخيرية». رو يقوم ببيع أعماله التي يصنعها من الكتب ويصنع أيضا بطاقات المعايدة.
ولكن ما الذي دفعه لهذا التخصص النادر؟ يقول: إن حبه للكتب هو الأساس، فهو قارئ نهم، ولم تكن صدفة أن يجد عملا في مكتبة جامعة كمبردج حيث يمارس هوايته أيضا: «عملي في نحت الكتب غير تقليدي، بدأت أعمل بشكل كبير في النحت بعد أن أعددت عرضا لنافذة المكتبة منذ أربعة أعوام وكان رد الفعل مدهشا وغير متوقع، فوجئنا باحتشاد المارة أمام النافذة طوال اليوم ومنذ ذلك الوقت لم أتوقف عن نحت الكتب، وبدأت في تلقي الطلبات الخاصة وها أنا بعد أربعة أعوام أعرض عملي هنا في الأكاديمية البريطانية، هذا شيء لم أتوقعه على الإطلاق».
أقول له إن أعماله تثير لدى الزائر ذكريات الطفولة، وإحساس الطفل عندما يقرأ قصة خيالية: «هذا ما أهدف إليه بالضبط!» يجيب بحماسة مرحة «أحاول دائما تصور ما الذي يفكر فيه الطفل وهو يقرأ كتابا وما يدور في ذهنه وقتها».
أدوات عمل رو بسيطة جدا، يخرج من حقيبته آلة معدنية طويلة تشبه القلم تحمل شفرة حادة صغيرة في آخرها ويقول: «هذا كل ما أستخدمه إلى جانب الصمغ، قد أستخدم بعض الورق المذهب ونادرا ما أحتاج لاستخدام الألوان».
رو يستخدم فقط الكتب القديمة لخلق الإحساس بجو الأساطير والحكايات الخيالية: «أشتري الكتب التي أستخدمها من محلات بيع الكتب المستعملة، وكلما كان الكتاب قديما ومهترئا كان أفضل بالنسبة لي، أحب أن تكون الكتب مستخدمة وأن أعيد إليها الحياة عبر عملي». عندما يصنع مشاهد مستوحاة من إحدى القصص هل يستخدم نفس الكتاب كأرضية لمنحوتته؟ يقول: «إذا كانت قصة محددة أحاول أن أحصل على نسخة من الكتاب الأصلي»، ويشير كمثال إلى صورة مكبرة لعمله المستوحى من قصة «جزيرة الكنز»، حيث كون مشهدا لقارب وعلى متنه شخص واستخدم أوراق الكتاب ليحولها إلى شرائط رفيعة خلق منها أمواج البحر الهائج: «استخدمت هنا بعض الرسومات الأصلية الموجودة داخل الكتاب، قمت بقصها ونصبها لتكون مشهدا حيا يخرج من داخل الكتاب، ثم قمت باستخدام أوراق الكتاب الأخرى لتكوين أمواج البحر».
الوقت الذي قد يستغرقه مثل هذا العمل الدقيق يختلف من عمل لآخر كما يشير لنا «(جزيرة الكنز) استغرق مني ثلاثة أيام ولكن بالنسبة للأعمال الأخرى بعضها قد يستغرق ثلاثة أو أربعة أسابيع».
وبسؤاله عما إذا كان تحدث إلى أي من زوار المعرض قال: «رأيت بعضهم وكانوا متحمسين جدا للأعمال المعروضة، ولكني لم أر أطفالا للأسف». يقول ذلك ويعقب بأن أطفاله لا يهتمون بشكل كبير بأعماله رغم ما لها من إيحاءات متعلقة بعالم الطفولة والحكايات «أطفالي ينظرون لما أعمل وينصرفون عنه قائلين هذا ما يعمله والدنا، لا يهتمون كثيرا فهم يعايشون عملي هذا طوال الوقت». غير أنه يرى الأمر من زاوية أخرى أيضا «في بعض الأحيان أتساءل عما إذا كان الكبار يتذكرون سنوات الطفولة أكثر ويستمتعون بمثل هذا الأعمال أكثر من الأطفال أنفسهم».
ما الذي يلهم رو؟ هل هي القصص أم هي أفكار ترد له؟ يقول: «هناك عمل هنا لم أستوحه من قصة إنما هو إعادة تكوين للوحة أحبها لفنانة أميركية. لا أحضر لأعمالي في العادة، فالأفكار تطرأ لي وأقوم بتنفيذها، وقد يقترح علي أحد الأشخاص فكرة أجدني متحمسا لها».
__________
*(الشرق الأوسط)

شاهد أيضاً

«كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي يحصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان

*نسرين سيد أحمد لعلَّ أول سؤال يتبادر إلى الأذهان عند معرفة اسم فيلم «كفرناحوم» للمخرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *