الرئيسية / إضاءات / الأبنودي: مصر تعود إلى زمن المماليك

الأبنودي: مصر تعود إلى زمن المماليك


*هانم الشربيني

“حَذَارِى مِ الموت باقولْها لكمْ بِعِلْو الصوت

اليأس دَبَل الورود . . ولعبة الخايب

أمّا الأمل فَدَه مِن لحْم القلوب مَنْحوت

لا توقفُه سجّانين . . ولا بياعِين الدين”

بهذه الكلمات يظهر علينا الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، في إطلالته الجديدة عبر شكل المربعات للتواصل اليومي مع الجمهور، ولم لا؟ وهو الشاعر الذي يسمع أنين الفقراء، وينحاز لقضايا الوطن أينما كانت، ولم يخن أبداً الشاعر الذي بداخله، وفي بيته تشعر أنك محاصر بصوره مع محمود درويش ونجيب محفوظ وزويل وغيرهم، في حواره مع الخليج يكشف الأبنودي أن غياب الشعر عن شاعره يحوله إلى مخلوق شرس، وأنه تعرض لتجربة غياب الشعر عنه لمدة خمس سنوات، وأن المربعات الشعرية بالنسبة له درع يلبسه المجاهد .

لجأت إلى كتابة المربعات للجمهور في الفترة الأخيرة، ولماذا اخترت هذا الشكل الشعري بالتحديد؟

– المربعات أولاً فكرة أدين بها للأستاذ إبراهيم عيسى، ولم يكن في ذهني أوفي ذهنه كتابة المربعات، لكنه دعاني للكتابة في جريدة “التحرير”، وكنت قد جربت الكتابة النثرية من قبل في صحف “الأهرام” و”الوفد” و”الأخبار” و”الأسبوع”، لكني أحسست بعد فترة من الكتابة النثرية أنها تؤثر في الشعر بشكل كامل وأنها تلغيه وتغيبه، فالشعر هو فن الوجدان والإحساس، ولكن النثر فن العقل والتفكير، فبدلاً من أن كنت أفتح مشاعري لاستقبال كل الأشياء الجميلة والمحزنة في الواقع بصورة وجدانية، صرت أمشي وأنا أتخيل المقالات، فأصبح عقلي يشتغل على حساب وجداني، فغاب الشعر عني خمس سنوات، وأنا أصلاً شاعر، وجئت هذه الحياة لأكون شاعراً، وعاشقاً للشعر، فمن هنا توقفت عن كتابة النثر، واستعضت عن المقالات بالحوارات الصحفية، فأن يغيب عن الشاعر شعره فهذه كارثة، وأنت ترين أن هناك شعراء غاب الشعر عنهم لمدة تزيد على ربع قرن، فتحولوا إلى مخلوقات شرسة تسب وتلعن، وأنا أعلم أن كل هذا هو أزمة القصيدة الغائبة، فالشاعر إذا لم يجد في يده قصيدة، فإنه يهاجم الآخرين أو يشوه صورتهم، ولكني كنت أعلم أن الشعر سوف يجيء لأني لم أخنه خيانة من هجرهم الشعر، فالشعر لا يقبل المساومة، وبالذات عند الشعراء الذين ليسوا نظامين ولا تجار كلام، ولذلك قررت الانقطاع عن كتابة النثر، وحينما طلب مني إبراهيم عيسى الذي أحبه وأقدر نضاله، قلت له سأبحث عن شكل للتواجد، وكتبت أول مربع عن مرسي وشبهته بمبارك “بس بذقن”، ووجدت أن المربع من الممكن أن يكون شكلاً ملائماً جداً للحديث اليومي مع الناس، خاصة أنني عايشت المربع لمدة نصف قرن في السيرة الهلالية، والمربع هو بيتان من الشعر من أربع شطرات تتفق في قافيتي الشطر الأول والثالث والثاني والرابع، ومن ارتطام القوافي تتولد الحكمة ويستعمله الشاعر لأنه لا يأخذ حيزاً كبيراً في الصياغة، وهو قادر على التعبير عما يريده الشاعر من إيصال موقف أو معلومة، ولذلك قررت كتابة مربعات عصرية تحكي عن حياتنا، والمربعات ليست كالرباعيات متوحدة القوافي ما عدا الشطر الثالث .

وماذا تقرأ هذه الأيام؟

– أقرأ في تاريخ المماليك والدولة العثمانية، لأنني أعتقد أننا عدنا إلى تلك الفترة المتخلفة، فنحن عشنا في أزمنة ما بعد الرئيس عبد الناصر التي سمحت باستلاب وعي الجماهير، ودائماً الجماهير من الممكن خداعها في حراسة الإرهاب، والشعب المصري شعب حضارة، وقد غاب الشعب المصري في تلك الأزمنة، ونحن أيضا المثقفين الثوريين غبنا تماماً، فعندنا عيب شديد في النخبة، حيث يلعبون لعبة الطليعة والجماهير معاً، فنحن جنرالات بلا جنود، نعشق منتصف المدينة ونعتقد أن القاهرة هي مصر وليس منا من حمل حقيبته وذهب إلى الجماهير، دائما يقولون النزول للجماهير وهي مقولة خطأ فالجماهير نصعد إليها، ووعي الجماهير ليس بهذه السذاجة التي يعتقدها مثقفو القاهرة، وفي فترة شبابي لم أكن أبيت في بيتي يومين كاملين، ففي أثناء بناء السد العالي ذهبت للإقامة في أسوان، وبنيت بعد ذلك بيتاً طينياً على شط قناة السويس تحت الضرب والموت خلال حرب الاستنزاف، وأينما تكون مصر أكون، ولما كان المثقفون كلهم في السجن كان لابد أن أبقى معهم، فمصر كانت في مواقع معينة خلال نضالها الطويل ودائما كنت هناك، وحاليا يمنعني مرضي حتى من رؤية ميدان التحرير، لكن قلبي هناك، وتواجدت في الثورة من مكاني البعيد بالكتابة عن الثورة، وأنا أذكر أنني ذهبت إلى وزارة السد العالي لكي يساعدوني على الرحيل إلى هناك فلم أجد ترحيباً، فذهبت بقروشي القليلة، وكذلك رحلتي على مدى 30 سنة في جمع السيرة الهلالية، ودائماً أقول لو أن هناك شيئاً أفخر به فهو إعادة الروح إلى السيرة الهلالية التي جمعتها من الجحور والجبال والوديان والأماكن البعيدة، ومن الطفولة كنت أحلم بمعرفة السيرة الهلالية، وجمعتها من البدو والفلاحين ومن حدود السودان ومن تونس وليبيا، وكان جابر أبو حسين يلقبني بحضرة الناظر، وعندي نص جمعته من على حدود تشاد ونيجيريا، المهم أينما كان ثقل مصر الحضاري أكون وراءها بجنيهاتي الفقيرة، ففي رحلة البحث والجمع المنظرة لا تفيد، لابد أن أكون وسط الناس .

الخوف، ألا يتسرب لنفسك كمبدع ويؤثر في عدم نشر بعض آرائك؟

– إلا الشعر، هذه هي الخيانة التي أتكلم عنها، أنا كمواطن من الممكن أن أخاف، أما كوني شاعراً فلا يمكن أن أعبث في ما يقول .

ما معنى المثقف الثوري في رأيك؟

– الأفكار الثورية انحصرت في وسط المثقفين المحترفين، المثقف الثوري معناه ليس المثقف الذي يأكل من عمله الأدبي أو الثقافي، هذا المثقف المحترف ربنا يكفينا شره لأنه مرة يكون مع الجماهير ومرتين مع السلطة، أما المثقف الثوري، فهو الذي اكتشف عالمه ومن الممكن أن يكون طبيباً أو مهندساً، وهؤلاء من لعبوا أدواراً رئيسة في ثورة 25 يناير .

وكيف تنظر للهجوم المتكرر على الإبداع؟

– منابع الثقافة لن يسدها جهل الجاهلين، فأين عقل من يطالبون بهدم أبو الهول والهرم، وتغطية التماثيل، معركتنا معركة ثقافية وليست سياسية، ولاشك في أن الدماء ستسيل دفاعاً عن التراث الثقافي المصري، وهؤلاء دمويون، ولديهم استباحة للدماء وهم جبناء في مواجهة أعداء الأمة والإنجاز الوحيد للإخوان هو صلح حماس مع إسرائيل، الإنجاز هو العمالة، وماذا فعل مرسي هل رخص لقمة العيش للناس؟

وكيف يدير المثقفون هذه المعركة؟

– المثقفون ليسوا في حاجة لتوجيه، ولا رسم خريطة طريق، لكل مثقف إبداعه ووعيه، وأنا أرى أن النشر في الصحف المستقلة والحزبية داعم كبير لمفهوم الحوار، وهم متربصون بهذا وسوف يحاولون إغلاق هذه المنابر من صحف وفضائيات .

وكيف تنظر لمواد الدستور كمبدع؟
– غير دستوري، هذا الدستور ضدي شخصياً كمبدع وكمواطن وابن فلاحين فقراء وضدي لأني أحب مصر كبيرة في مواجهة العالم وهم يحاولون أن يقزموها، ولم أجد مادة واحدة تتعامل معي باحترام، والإخوان لن يستطيعوا أن يطفئوا شمعة الفرعون، لسنا باكستان ولا أفغانستان، ولن يغلبوا الشعب المصري .

رغم كتابتك بالعامية لديك حضور قوي في العالم العربي، فما تعليقك؟

– لا أتحدث بالفصحى ولا أحب لغة المثقفين، الجماهير البسيطة لا تعرف كلمة أجندة، وأنا أكثر شاعر توجه له دعوات لحضور أمسيات في العالم العربي، وقبل مرضي كنت كل أسبوع في بلد .

لماذا لم تكمل روايتك التي نصحك نجيب محفوظ بنشرها؟
– لم تكتمل بعد، كتبت فيها فصلاً، وأنا أشعر بأنها تناديني لكتابتها هذه الأيام، أنا أحب الكتابة في الصيف، نظراً لكوني من مواليد الصعيد الحار .

لماذا لم تنضم لأحد الأحزاب؟

– تجربة السجن تجعل الإنسان يعرف قيمة نفسه، وبعد السجن البعض يواصل السياسة والبعض ينصرف، ولم أنضم لأحد الأحزاب بعد السجن، لأنني أعتبر نفسي أؤدي دور حزب كامل، والأحزاب لا تؤدي إلى شيء في المجتمع، وأنا أخاطب كل الأمة في شعري .

قصيدتك “فينك يا عبدالحليم” هل كتبتها لافتقادك له؟
– كل شعري يقرأ المستقبل، وهذا يعبّر عن الروح الصافية، كتبت هذه القصيدة لافتقاد الغناء الوطني القصائد الوجدانية والصادقة، وقد منعت هذه الأغنيات من الإذاعة وهذا سيفلت سوق الكاسيت، فعبدالحليم ونجاة وأم كلثوم هم من صنعوا جسوراً للتواصل مع العالم العربي، وحينما صدر هذا القرار بمنع الأغاني العاطفية، قلت “النهارده بس مات عبدالحليم ومات زمن عظيم”، والإخوان لا يحبون عبدالحليم لأنه غنى لعبد الناصر الذي سجنهم، والذي فهم ما لم نفهمه عنهم، نحن ذهبنا للديمقراطية، وهم بالديمقراطية يجلدوننا .

ما رأيك في الأغاني التي عبرت عن الثورة؟
– أنا فخور بكل تجارب الغناء التي خرجت من ميدان التحرير، ومازلت أذكر أغنية “صوت الحرية” وأغنية “فلان الفلاني”، وأنا لم أتمن في حياتي أن أكتب أغنية أحد غيري، لكنى تمنيت أن أكون كاتب أغنية “فلان الفلاني”، واختفت هذه الأغنيات بضغط من الإعلام الرسمي .

هل ترى أن مخطط أخونة الدولة والثقافة سينجح؟
– ما يهم الإخوان هو أن يملكوا مناطق التأثير في كل شيء، ولكن الثقافة ستظل عصية، فالثقافة تسقط إذا سارت في ظل حاكم ويسقط المثقف، والثقافة عنصر المقاومة الأخير في أي أمة .

ماذا عن علاقتك بالشاعر الكبير محمود درويش؟
محمود درويش يمثل قمة الشعر الحديث في العالم العربي، فقد استطاع تطويع الحداثة لمنهجه الفكري وقضيته الخاصة العامة وهي فلسطين، وحولها لسلاح وكان دائم التجدد ودائم الإضافة، وحين قرر أن يأتي إلى مصر في الستينات سأل عبدالملك خليل مراسل “الأهرام” في موسكو: “هل تعرف بيت عبدالرحمن الأبنودي؟”، وكانت الدولة قد قررت استضافته، وكان أول تليفون لي عندما زار مصر وبعدها صرنا أصدقاء وصار بيتي هو بيته .

لماذا لم تكتب مذكراتك الشخصية؟
– كتبت مشاهد في كتابي “أيامي الحلوة” وبالنسبة للمذكرات، بلادنا تحب تشوفك في الصورة التي ترسمها، وإذا خالفت توقعهم سيهجرون شعري، العالم العربي يجبرك على الكذب، لذلك امتنعت عن كتابة مذكراتي .

ما الذي شكل وجدان عبدالرحمن الأبنودي الشاعر؟
الفلاح المصري وأمي “فاطمة قنديل” وجدتي “ست أبوها”، وتأتي بعد ذلك حياتي، وحياتي الفقيرة الأولى التي عملت فيها في جني القطن ورعي الغنم، والتي كنت أتأمل فيها الحياة من حولي، وكانت تفيض بالغناء والحياة الصافية الهادئة .
_________
*ملحق (الخليج) الثقافي

شاهد أيضاً

كتابات نسوية من كازاخستان

خاص- ثقافات *شيلي فيروثر- فيجا و زاوري باتاييفا/ ترجمة: إبراهيم عبدالله العلو تعتبر كازاخستان ثاني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *