الرئيسية / نصوص / حِكمة الجنون

حِكمة الجنون


* فتحي العكرمي

(ثقافات) 

بعينين تجمّعان الحزن وبوجنتين خطّ عليهما الزّمان وشم الصّبر كانت تخفي تفاصيل فجيعتها. تتدثّر بألم حفر جروحا في روحها وتلفّ جسدها بثياب قديمة مرقّعة، قدماها حافيتان وعلى كتفيها ينساب شَعر رماديّ مجعّد. تقضّي وقتها على تخوم الحياة غارقة في الصّمت ترجّها الوحدة. هي الحزينة وسط اليتامى والشّريدة على حافّة كل القبائل. تسير مسرعة كأنّها مُطاردة تمتدّ خطواتها تبحث عن مكان يقيها من غربة تلاحقها. نشأت في عائلة فقيرة . زوّجوها من شيخ قبل أن تُكمل فرحها الطفوليّ . يوقظها باكرا فتقضّي يومها تلبّي طلباته المتناقضة. لم تعرف كيف حوّلوها من مرح بريء إلى خادمة لسيّد قتل فيها ما تبقّى لها من سعادة. أبِق الفرح من قلبها .أضحت روحها مُشرّعة على حزن يرجّها أينما ولّت يأسها.
ذات تمرّد جفّ ماء صبرها فصوّبت تبحث عن مكان يقيها من عبوديّة جعلت جسدها إناء رغبة وحوّلت روحها إلى هشيم. سارت إلى جبل على تخوم القرية . نامت تحته لترتاح من أيّام لم تعرف فيها طعم الحياة تسامر رفضها لواقع لم تلمح فيه سوى فُتات بقاء كان ينثرها زوجها ليبقيها صالحة لنزواته. كرهت تسلّطه ورأت كيف تحيا القبيلة دون معنى يغرق اهلها في ثرثرة يوميّة جاهلين لوجودهم وعاجزين عن تغيير الرّتابة التي يغوصون فيها . 
حين تشتدّ عزلتها يأتي نواحها مفاجئا مثل مطر على حافّة غيمة شريدة فتذهب الى القرية تحمل معها عصا ترافقها أينما حلّت .وجدت رجالا جالسين تحت حائط. تفرّسوا في هيئتها ضاحكين دنت منهم ورفعت عصاها قائلة: سيروا في الأرض وباشروا فعلا تتركون به أثرا. تسيل أيّامكم دون معنى وبلا مقصد تغرقون في ثرثرة قاتلة . تحرّروا من حياة القطيع.
قال أحدهم: خذوا الحِكم من المجانين وتعلّموا من المشرّدين. نظرت إليهم متفحّصة وجوههم الشّاحبة. 
تبعها الأطفال مصفّقين . وجدت نسوة يغزلن الصّوف امام كوخ . نظرن إليها مندهشات . خطّت على التّراب دائرة بالعصا قائلة : أنتنّ سجينات من المهد إلى اللّحد يحملوكنّ إلى أزواجكنّ صاغرات وتعشن حقيرات وتمتن غريبات .
تعالى صياح النّسوة وهنّ يرمُقنها بنظرات التعجّب. قالت عجوز: هذه المجنونة تريد أن تصبح رجلا بعد أن عجزت عن تحمّل أنوثتها.
نظرت إليهنّ ضاحكة: قدَركنّ أن تعشن كآلات للإنجاب ووسائل للرّغبة وسجينات الجسد والرّوح.
أعادت رسم دائرة في الهواء ثمّ رحلت يندفع جسدها إلى الجبل.
_______
* قاص من تونس

شاهد أيضاً

قصَّتان

خاص- ثقافات *سوسن علي الشَّبح لم أكُنْ أتمالكُ نفسي عند الإجابة عن الأسئلة الموجهة لي.. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *