الرئيسية / مقالات / أين نحن من ثقافة الفرح؟!

أين نحن من ثقافة الفرح؟!


د. رندة زريق- صباغ *

لا تستعجلوا أيها الاباء….
لا تستعجلن أيتها الأمهات…
فعاجلا وليس اّجلا سيكبر أولادكم، سيصبحون شبابا وصبايا، سيفقدون البراءة وستضمحل لديهم قسمات الفرح.
لا تستعجلوا أن تخبو الضحكة من عيونهم والفرحة من قلوبهم…
فإن الحياة ستتكفل بذلك دون مساعدتكم ودون إقحام رؤياكم السوداوية على أرواحهم.
سيصبح إبنكم شابا وإبنتكم صبية، فهذه هي الحياة وطبيعتها ستتحقق حتما…فلا تستعجلوا ولا تحاولوا التّسابق مع الزّمن والزّمان…
إمنحوا أولادكم/ن حنان الكلمة والتّصرف وليس فقط حنان المشاعر المخزونة…
واعلموا أن مشاعر حبّكم لهم ليست مفهومة ضمناً لدى أولادكم…فإن لم تعبّروا لهم عنها بلمسة، ضحكة، كلمة تشجيع ودعم معنوي سيعتقدون أنكم تستخفّون بهم، بقدراتهم وبكل ما نجحوا بتعلّمه حتى الان وسوف يفقدون الثقة بأنفسهم معتقدين أنّ كلّ ما حفظوه وتعلّموه ليس ذا قيمة بنظركم، سيظلّون يحاولون الحصول على نظرة رضا في عيونكم وبسمة تقدير وافتخار في نفوسكم ولن يجدوها يوما لأنكم تطالبونهم كل يوم من جديد بأكثر مما ينبغي وتلبسونهم لباساً أكبر من أجسادهم الصّغيرة.
إن وعدتموهم فلا بد من الوفاء بالوعد مهما كان الأمر بسيطا أو صغيرا برأيكم الكبير، فإنه مهم جدا برأيهم الصغير…إفسحوا لهم/ن المجال لإختيار ما يناسبهم من ملابس، أحذية، ألعاب وحتى أثاث غرفتهم، شجّعوا إختياراتهم وأثنوا على مقولاتهم ومشاركاتهم في الحديث خاصة أمام الاّخرين، فإن بدا لكم ما يقولونه ساذجاً وبسيطاً فإنّه ليس كذلك بالنسبة لهم/ن، فلا تنسوا أن عشرين عاماً على الأقل تفصل بينكم كوالدين وبينهم كأولاد، فذلك يساعدهم/ن لبناء شخصيتهم المستقلة والواثقة إضافة لمدّهم/ن بالرّاحة النفسيّة جرّاء شعورهم بالقبول والتّقبّل من قبلكم، مما يزيد ثقة أطفالكم بكم/ن
إياّكم وضياع ثقة أبنائكم بمقدرتكم على دعمهم، حمايتهم والدفاع عنهم….فمما يلحظونه لديكم يقلّدون ويتعلّمون فتكبر نفوسُهم وأرواحُهم قبل أجسادهم.

إن رأيتم الولد لا يضحك كالصّغار والبنت لا تبتسم كالصّغيرات…
إن رأيتوهم غير قادرين على التعبير عن مشاعرهم وأفكارهم-السلبية والإيجابية على حد سواء-فاعلموا أن في الأمر إنتقاص لن يكتمل دون دعمكم/ن وتشجيعكم لهم/ن.
كلمة دعم وتشجيع أمام الأصدقاء،الأهل والمعارف،إنما هي تغذية لقدرات الولد…ضمة وقبلة كل صباح وبعد عودة الأب والأم من العمل إنما هي غذاء لروح البنت،ومثل هذا النهج غير مربوط بعمر أو جيل أبدا،ومن ظنت ذلك إنما هي مخطئة ومن ظنَّ ذلك إنّما هو يحاول تغيير سنّة الكون سدىً
قابلوهم/ن بإبتسامة ليتأكدوا كلّ لحظة من جديد أنّهم سبب فرحتكم…لا تقابلوهم بالعبوس فيظنّون ولو لوهلة أنّهم غير قادرين على إسعادكم فيقمعهم الشّعور بالذّنب المستديم،
وإن زاركم الفرح أيها الوالدان فرحّبوا به وأفسحوا له مكاناً في قلوبكم ونفوس أطفالكم
لا بد أن يدرك الأولاد من خلالكما أنّ مجيئهم للدّنيا هو أفضل ما حدث معكما كوالدين، تماماً كما ينجح الأجداد والجدّات بمدّ الأحفاد بهذا الشّعور العظيم، وأنّ ذكرى ميلاد كلّ منهم أهم ذكرى وأحلى عيد يستحق إحتفالا خاصا كل عام، وأن هذا الإحتفال من خلال الكعكة، الشموع،الغناء مع العائلة والأصدقاء غير مربوط بعمر الأولاد الذين تزيد غلاوتهم مع كل عام ومع كل ذكرى ميلاد لأحدهم…إنها ذكرى تستحق الفرح، التميز والإحتفال، فإن كان الكبار يفرحون إن احتفلت العائلة بذكرى ميلادهم، فكم بالحري الأطفال والأولاد—
قد أثبتت الدّراسات كما أثبتت الحياة أنّ الفرح وبشائره قابل للتمدّد والتّقلّص تماماً كأي شعور أو تصرّف اّخر، وأن التّعبير عنه إنّما هو مادّة قابلة للتّعليم والتّعلّم من خلال التّصرّفات، والأولاد إنعكاس لأهاليهم ونهج حياتهم، فالتفاحة لن تسقط أبداً بعيداً عن الشّجرة.
إحذروا إن خبت كل هذه الإشارات لدى أولاكم، فإنها دلائل على نفسيّة غير مستريحة وتحتاج لتغذية من نوع لم تنجحوا بمدهم بها على ما يبدو،إنه ضوء أحمر يشير لكم بفحص الذات والأولويات في أساليب تربيتكم.
إن رأيتم إبنكم لا يفرح ولا يحزن بالأمور الصّغيرة كما يفعل زملاؤه وأترابه، فلا تفرحوا ظنّاً منكم أنّه أكبر من جيله…إن رأيتم إبنتكم لا تهتم بالألعاب ولا تعبّر عن دهشة إزاء منظر جميل فلا تفخروا ظنّا أنها أكثر وعيا من صديقاتها. فإنّ ضياع الفرح الصّغير عند الأولاد والبنات إنّما هو مؤشّر حزين.
إضحكوا، إلعبوا،ابتسموا، عبّروا عن الفرح أيّها الاّباء والأمّهات ليتعلّم أولادكم/ن ذلك ويكبرون بنفسيّة سويّة خالية من تأنيب الضّمير.
تعلّموا وعلّموا أطفالكم/ن وأولادكم/ن ثقافة الفرح الصّغير في الصّغر كي ينجحوا بإستقبال الفرح الكبير على مدى العمر، فالفرح والضّحك ليس عيباً والإبتسامة ليست دليل نقص أو ضعف، بل على العكس تماماً
وإن كان في بيتكم مراهق/ة فمسئوليتكن/م كأمهات واّباؤ مركّبة أكثر وتحوي العديد من التّحدّيات الجميلة التي سأقف عندها في مقالة قادمة

لا تستعجلوا أيها الآباء….
لا تستعجلن أيتها الأمهات…
سيكبر أولادكم وبناتكم أسرع ممّا تتوقعّون وسوف تحرمهم الحياة دهشة الفرح الصّغير….وفرحة الدّهشة إن لم تمدّوا لهم/ن يد العون باكراً
فإياّكم/ن أن تقتلوهم/ن مرّتين

* إعلامية وكاتبة من فلسطين 48

شاهد أيضاً

درويش ناقدا

*خيري منصور يقول الشاعر ت. س. أليوت إن الشاعر هو الناقد في تجلياته التطبيقية، لهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *