الرئيسية / إضاءات / مؤتمر أبوظبي الدولي الثاني للترجمة: ما له وما عليه

مؤتمر أبوظبي الدولي الثاني للترجمة: ما له وما عليه


جهاد هديب


على مدى أربعة أيام، بدءا من الخامس والعشرين من هذا الشهر وحتى الثامن والعشرين منه، أقام مشروع «كلمة»، في إطار معرض أبوظبي الدولي للكتاب بدورته الثالثة والعشرين، مؤتمر أبوظبي الدولي الثاني للترجمة بمشاركة مترجمين عرب مخضرمين وأكاديميين ومترجمين ممارِسين وآخرين غير محترفين وطلبة من كليات الآداب واللغات من جامعات مختلفة من الامارات كانوا في أغلبهم من الطالبات. اشتمل المؤتمر على أربع ورشات عمل استمر كلٌ منها طيلة يومين متتاليين، في حين جرى تخصيص اليوم الاخير لثلاث جلسات تضمنها حفل الختام كان من بينها واحدة للخروج بتوصيات.

كانت العادة قد جرت بأن يكون الطابع الغالب على المؤتمرات التي تنتمي إلى هذا النوع من الملتقيات والمنتديات هو غلبة الجانب النظري على ما عداه من جوانب أخرى. اعتدنا أن تكون مكررة في محاورها والاشكاليات التي تتناولها بل وتتشابه في التوصيات التي تخرج بها مثلما تتشابه في الأسماء التي تشارك فيها في هذا البلد العربي ثم في ذاك. 

القاعدة والمأزق
مؤتمرات غالبا ما تنطوي على اجتهادات مسبوقة غير مقرونة بخبرات كافية للخروج بأفكار جديدة. مؤتمرات غالبا ما تعمد إلى إقامتها اقسام الترجمة واللغات الحديثة والأجنبية في كليات الآداب أو العلوم الانسانية في الجامعات العربية، ربما من باب رفع العتب لا أكثر ومن باب الدعاية الاعلامية او لفت الانتباه او لأمر ما آخر، في حين يبقى الابداع والخلق على هذا الصعيد ـ أي النقل من وإلى العربية – هو الغائب الاكبر. 

في الوقت نفسه لا يستطيع أحد الادعاء بأن مؤتمر أبوظبي الدولي للترجمة ومنذ دورته الثانية قد استطاع كسر هذه القاعدة تماما، وأن يخرج بمأزق الترجمة في الثقافة العربية الراهنة بضربة ساحر. المشوار طويل ومليء بالعقبات، وربما العثرات في مجتمعات عربية لا تحتاج فقط إلى فعل الترجمة وحدها، بل إلى ما يعزز الوعي بالضرورة الحضارية لهذا الفعل المركب وشديد التعقيد، وكذلك إعادة إنتاج العلاقة اليومية بالكتاب والقراءة، الأمر الذي لا مجال لذكره في هذا السياق. 

غير أن ما كان لافتا، في هذا المؤتمر هو الذهاب باتجاه الجانب التطبيقي والعملي مباشرة ودون مواربة إلى حدّ أن العنوان الرئيسي للمؤتمر جاء على النحو التالي: «تمكين المترجمين» أي تطوير قدرات ومهارات المترجم الممارِس من خلال الاحتكاك المباشر بمترجمين محترفين ومشهود لهم وكذلك السعي إلى استقطاب مترجمين من الطلبة دارسي اللغات الأجنبية في الجامعات الاماراتية.

أيضا، ترافق ذلك بالضرورة، وبسبب قِصَر الوقت، مع عصف ذهني حاول كل مشرف على ورشة من ورشات العمل الترجمية أن يثيره مع المشاركين عبر تناول قضايا إشكالية في الترجمة من العربية وإليها. وبالنسبة للطلبة كانت ورشة العمل أشبه بمساحة حرّة من الوقت للتفكير جديّا بالترجمة بعيدا عن غرفة الدرس وعن الطابع الكاديمي للتلقي والتعلّم واكتساب المهارات، والانفتاح على أفق آخر يسمح بحرية تفكير أعلى واجتهاد وتقديم اقتراحات بصوت غير خفيض او خجول، بل كان دافع الفضول المعرفي اكيدا وراء قدوم عدد من الطالبات من جامعة الامارات في العين حيث قطعن يوميا مسافة المائة واربعين كيلو مترا ذهابا ومثلها إيابا من أجل المشاركة في ورشة عمل هنا في أبوظبي، فلنا أن نتخيل كيف ستكون عليه الحال لو ان الورشة مثلا وتبعا لما أقيمت عليه في المعرض قد أقيمت هناك في الجامعة حيث تُترك حرية الخيار في المشاركة في الندوة للطالب أو للطالبة ذاتها وبملئ إرادتها. وربما هنا من الضروري الإشارة إلى أن بناء جيل من المترجمين بدءا من سنّ مبكّرة هي السن الجامعية أمر جدير بالتأمل مثلما أنه جدير بالتفكير ببرنامج من ورشات العمل بحيث يمتد طيلة العام على نحو متفاوت ومتدرج صعودا بهدف اكتساب مهارات أخرى من خارج المنهاج الدراسي وبحيث يتم تتويج هذه الورشات بورشة أخيرة تقام خلال مؤتمر أبوظبي الدولي للترجمة، في الوقت الذي يبدأ فيه العمل المنهجي والعلمي مع فئة لاحقة من مترجمين واعدين سيكونون هم أساس الترجمة من وإلى العربية مستقبلا. 

أيضا، لعل اقتصار ورشات العمل على الترجمة الأدبية في الاتجاهين أمر قد يقلل من الخيارت أمام الطلبة، حيث من الأفضل أن تنفتح هذه الورشات على أنواع أخرى من أصناف الترجمة كالفورية والقانونية وسواها من الترجمات التي يحتاج إليها سوق العمل ومتطلبات الحياة اليومية في بلد مثل الامارات يستضيف أكثر من مائتي جنسية. أما الترجمة الأدبية، فغالبا ما تجيء بوصفها خيارا فرديا، أي انها ترجمة متطلبة وتحتاج إلى أشخاص من نوع خاص أو أفراد يتم إعدادهم ضمن برنامج لا يقتصر فقط على إتقان اللغتين: الأم والمنقول منها أو إليها، فضلا عن أن الترجمة الأدبية هي فعل تراكمي يحتاج ظهور الموهبة الأصيلة فيه كحقل إبداعي قائم بذاته إلى وقت وجهد يخص الفرد مثلما يخصّ المؤسسة التي عليها متابعة هؤلاء الأفراد في مستويات متتابعة من اكتسابهم الحقيقي لمهارات الترجمة الأدبية.

المخضرم والممارس

قالت إحدى أبرز المشاركين من الطلبة وغير الطلبة لكاتب هذه السطور (فاطمة البلوشي طالبة السنة الرابعة في كلية العلوم الانسانية ـ قسم دراسات الترجمة في جامعة العين) أنها لا تطمح في استكمال المشوار مع الترجمة من العربية إلى الانجليزية بل تود ان تستكمل دراستها العليا في مجال الترجمة القانونية، غير أن القارئ بين سطور إجابتها التي حملت منطقا خاصا وفرديا ما أنها تشعر بوجود تحديات في الترجمة الأدبية بسبب أن الفترة التي استغرقتها الورشة لم تكن كافية تماما لممارسة تطبيقية تمنحها تجربة الخوض أكثر من مرة للبحث عن تأويلات وقراءات واقتراحات أخرى لهذا النص أو ذاك عند نقله من العربية إلى الانجليزية أو سواها. بهذا المعنى فإنه إذا كانت هناك رغبة حقيقية في خلق جيل من المترجمين فينبغي تأمّل هذه التجربة الفريدة في التعامل مع الطلبة بوصفهم مترجمين واعدين. الأرجح ان هذا هو التحدي الأصعب أمام (مشروع كلمة) في مسعاه لخلق جيل جديد من المترجمين الذين من غير الممكن ان يكون له مستقبل من دونهم، هل من الممكن تخيّل مشروع كلمة بلا مترجم؟

أيضا، ومع الأخذ بعين الاعتبار بأن المصطلحين او المفهومين: مترجم مخضرم، ومترجم ممارِس هما مصطلحان اعتباطيان ولا يتقصد منهما أبعد من الاشارة إلى تراكم الخبرات في حقل الترجمة الأدبية، فإنه للمفارقة، كان هناك مترجمون ممارِسون أكثر تقدما وحداثة من مترجمين مخضرمين لجهة انفتاح مخيلاتهم على التأويل وتعدد قراءات النص الواحد، خاصة وأن العديد من بينهم كانوا من الكتّاب او الروائيين او الشعراء، وهذا الأمر بدا لافتا منذ الجلسة الأولى للمؤتمر التي تلت الافتتاح مباشرة.

في أية حال، فإن الاحتكاك المباشر بين المخضرمين والممارسين وإثارة القضايا المتعلقة بالترجمة والتي يتردد تجاه خلق حلول لها المترجم الممارس أثناء عمله واشتغاله على إيجاد حلول لها بالتأكيد، تمنح الجرأة لهذا المترجم حتى لو اقترنت بالمغامرة او عدم اليقين تجاه هذه الحلول خاصة في ترجمة من هذا النوع. وهذا بالتحديد ما أشارت إليه المترجمة سارة عناني التي قالت إنها لا تستطيع القول بانها قد استفادت من ورشة عمل استمرت ليومين بهذا القَدْر أو ذاك، بل تمثل الأمر بالنسبة إليها بالالتقاء بمترجم محترف طرحت عليه من خلال الورشة بعض أو كل الاشكاليات التي تواجهها أثناء الترجمة، وقد تكون استفادت على هذا النحو او ذاك بحسب ما أملت عليها خبراتها وحدوسها. وهذه الحال تنطبق على الكثير من المترجمين الممارسين الذين شاركوا في ورشات المؤتمر.

كذلك استطاع المؤتمر استقطاب نوع آخر من الساعين بمحض رغبتهم وإرادتهم إلى الترجمة الأدبية، وإن كانت هذه الفئة هي الأكثر ندرة، وهي فئة أولئك المجتهدين في ان يمارسوا الترجمة الأدبية والذين ما زالوا غير جسورين على مكاشفة محيطهم بما لديهم من اجتهادات واقتراحات، حيث تعززت لديهم ثقتهم بأنفسهم ودفعهم على تجربة ترجمة المزيد وملاحقة خيط التجربة إلى آخره كي يتوصل كل منهم إلى ما يخصه ويدلّ عليه عبر موهبته وطبيعة خياراته وجرأته على التأويل وإعادة تأليف النص في لغة أخرى مختلف سياقها التاريخي واللغوي والاجتماعي عما هو لدينا هنا. ومثال هذه الفئة من المجتهدين هو الشاب محمد المجنوني الذي جاء من السعودية ليكون واحدا من المشاركين.

ينبغي الإشارة أيضا إلى أمر آخر، وهو أن من طبيعة ورشات عمل من هذا النوع أنّ تذوب الفائدة منها وتذهب إلى طيّ النسيان ما لم يكن هناك ممارسة من قبل الطلاب ومن المتحمسين لفعل الترجمة، فالطالب سوف يأخذه التعدد في المنهاج ومتطلباته إلى تفاصيل أخرى أخرى يومية وغير يومية والمتحمسون سوف تأخذهم دوامة الحياة والعمل ولن تكون الممارسة ممكنة إلا في أوقات الفراغ، لذلك لا بدّ من اقتراح ما للتواصل بين المشاركين أنفسهم وكذلك بين المشاركين والمشرفين على الورشة بما يحقق التشجيع الدائم على الاستمرار في اقتحام الترجمة وبما يمكن كل منهم من إنجاز ما يمكن ان يشير إلى انه يمثل بدايات كل واحد منهم في هذا النوع من الممارسة الجريئة. 

يبقى أخيرا القول بأن مشروع كلمة قد اختار أن يضيء شمعة، في الطريق الأصعب الذي يجعل من فعل هو مؤشر و(باروميتر) يدل على مستوى تقدم الأمم وإطلالتها على المعرفة ومكانتها تحت الشمس، أمرا ممكنا، ومحاولة جديرة بالاحترام. 

ورشات ولغات

ورشات العمل الأربع جاءت على النحو التالي: 

◆ من العربية إلى الانجليزية أشرف عليها الناقد فخري صالح من الأردن. 

◆ من الانجليزية إلى العربية أشرف عليها الدكتور محمد عصفور من الأردن. 

◆ من الفرنسية إلى العربية أشرف عليها الشاعر والمترجم الدكتور كاظم جهاد من العراق – فرنسا. 

◆ من الألمانية إلى العربية أشرف عليها الدكتور مصطفى السليمان من الأردن- ألمانيا.


– الاتحاد

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *