الرئيسية / مقالات / يوميات – نادي سيارات علاء الأسواني

يوميات – نادي سيارات علاء الأسواني


محمد علي فرحات
الأحد 28/4/2013:

 لوحة

يسكن الهواء وتصمت الكائنات ليبقى المشهد ملك عيوننا، مشهد التلال والجبل العالي والغيوم الموزعة على أزرق السماء.

تتناثر بقع الأخضر والقرميدي مع الأبيض الذي يرافق الطرق المتعرجة.

ما نرى هو الطبيعة، أو أنه لوحة على جدار الزمن ولا ندري.

> الاثنين 29/4/2013: العيش السوري

صديقي السوري صار هادئاً وهادئاً جداً. خفتت حماسته وضعف شوقه إلى ما كان وطنه وصار ميدان قتال الأهل والجيران ومن يرغب من أصحاب العقائد المسلحة.

أصبح الصديق واقعياً تغمره سعادة الاعتراف بالأشياء كما هي، اعتراف بفوضى الانتقال من أسلوب حياة إلى آخر، وبأن سورية ربما لم تكن وطناً حقاً بل جغرافيا يسكنها مذعنون وصامتون تظنهم مذعنين، يقبلون جميعاً على الحياة بلا حماسة.

كانت سورية شبه وطن فصارت بلا معالم، وهي سائرة إلى فوضى يمكن التعامل معها إذا اكتسبنا خبرة التنقل بين المناطق المتصارعة والتحدث بلغاتها، وربما نحمل بطاقات حزبية متعددة، ولكل حاجز بطاقته التي تفتح الطريق.

السوري في وطنه/ الفوضى مدعو إلى تقليد صحافي لبناني عرض أمامي خلال حرب لبنان 17 بطاقة حزبية يحملها كلها ويتحسس البطاقة المناسبة عند كل حاجز.

أبرياء كثر قتلوا على حواجز الميليشيات اللبنانية وبقى الصحافي حياً يحتفظ إلى الآن ببطاقات الأحزاب السبعة عشر.

كان الصحافي عضواً اسمياً في 17 ميليشيا لبنانية، والسوري السائر على خطاه سينجو مثله، أما الوطنيون المعلنون على اختلاف انتماءاتهم فمعرضون للقتل.

لقد اتقن اللبنانيون فن العيش في بلاد تتشظى، والسوريون مدعوون إلى إتقان مماثل.

بين القذيفة والقذيفة يزرعون شجرة لوز، وكلما قصفت زيتونة يزرعون مثلها، ويكثرون من غرس التين القصير العمر حتى يملأ ثمره السلال.

بين القذيفة والقذيفة يعمرون ما تهدم ويؤوون في بيوتهم مواطنين تهدمت بيوتهم، ويهدون الظلال لمن فقدوا شجرهم والشمس للمرتجفين من البرد.

> الثلثاء 30/4/2013: «نادي السيارات»

لم يحتفل النقاد البارزون برواية علاء الأسواني الأولى «عمارة يعقوبيان» ورأوا فيها تقليداً لروايات سابقة أجنبية وعربية، من بينها «بناية ماتيلد» للّبناني حسن داود.

لكن رواية الأسواني حظيت بإقبال مفاجئ من القراء المصريين والعرب قبل أن تترجم إلى لغات عالمية وتتحول إلى فيلم سينمائي وإلى مسلسل تلفزيوني. لم يقف الأسواني طويلاً أمام كلام النقاد واستعاد الواقعية الاجتماعية التي تجاوزها نجيب محفوظ، انما بأسلوب خاص خاطف.

هذا الكاتب الآتي من مهنة الطب كان الأقرب إلى عقول الغربيين وقلوبهم في ندوات عقدها في لندن ومدن أخرى أوروبية وأميركية، وهو جعل السرد القصصي هيكلاً أساسياً لمقالاته الأسبوعية المعارضة لحكم الإخوان المسلمين في مصر والداعية إلى استكمال الثورة.

وفق الأسواني لا تستوحي الثورة مثال التاريخ القريب، الناصرية، ولا مثال التاريخ البعيد، حكم الخلفاء الراشدين، إنما تؤسس دولة مدنية تختار من شخصيتها الثقافية الغنية ما يناسب حكمها الديموقراطي المعني بالكرامة والعدل، فلا تأسر نفسها في مظهر واحد من مظاهر ثقافتها.

نذكر الأسواني لمناسبة صدور روايته الرابعة «نادي السيارات» عن دار الشروق في القاهرة، رواية تبدأ من صناعة السيارة الأولى بيد الألماني كارل بنز، واستيراد مصر المبكر لهذه الآلة التي لا يستغني عنها أي إنسان.

«نادي السيارات» (650 صفحة) تركز على المجتمع المديني ما قبل ثورة 1952 العسكرية، وتصور شخصيات كثيرة بحيث لا يمكن التركيز على بطل أو بطلة من الشخصيات التي ينهي الروائي حكاياتها جماعياً لئلا يضيع القارئ في تتبع خيوطها المتشابكة.

سيكتب النقاد عن الرواية بشيء من عدم الاهتمام، كي لا نقول الازدراء، وربما يرونها طويلة أكثر مما يجب أو مما يلزم، لكنها مرشحة، على الأرجح، لانتشار يشابه انتشار «عمارة يعقوبيان» وربما تنقل مثلها إلى السينما والتلفزيون.

علاء الأسواني الروائي السهل الممتنع، صياد الأماكن الموحية في قلب القاهرة حيث عيادته. وهو اصطاد هذه المرة نادي السيارات في ميدان طلعت حرب، وأذكر أنني دعيت إلى العشاء فيه مرتين، الأولى مع أميل سمعان آخر الرعيل المؤسس لـ «دار الهلال» وهو حفيد جرجي زيدان من ابنته، وعلمت من سمعان آنذاك أن والده سوري متمصر وليس لبنانياً، كما علمت من آخرين أن مضيفي الأرستقراطي كان يلعب الكوتشينة مع صديقه الملك فاروق في نادي السيارات مكان عشائنا. أما العشاء الثاني فكان مع «أرستقراطي» النقد الأدبي المصري لويس عوض. لاحظت أنه يأكل كثيراً مثل سعيد عقل ونزار قباني، وقد سألني عن لبنان وحربه الأهلية وذكر أنه سمع أولى طلقاتها من غرفته في لوكندة فينيسيا، يقصد فندق فينيسيا في بيروت.

وبقي في ذاكرتي أسف لويس عوض على لبنان وقلقه من إمكان تعميم الحال اللبنانية على دول عربية أخرى.

> الأربعاء 1/5/2013: التسامح

التسامح هو الفريضة الغائبة عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

والأصل في التسامح أن تكون قادراً عليه.

وتأتي قدرتك من الثقة بالنفس ومن الاكتفاء المادي والروحي، فمعظم غير المتسامحين هم قليلو الإيمان، ونفوسهم مشروخة بالحرمان المادي أو المعنوي.

يُرجع علي أومليل في مجلة «المستقبل العربي» نشأة مفهوم التسامح إلى «الانشقاق المسيحي في أوروبا مع حركة الاحتجاج الإصلاحية (البروتستانتية) التي أشعلت حروباً دينية استمرت عقوداً. وقد بدأ مفهوم التسامح بحثاً عن حل صراع داخل المسيحية، ولكنه توسع ليشمل ديانتين أخريين هما اليهودية والإسلام».

لم يولد التسامح كاملاً منجزاً وإنما تدرج استجابة لحاجات مجتمعات آخذة في التعدد والتنوع، وهو احتاج تمريناً لمبادرات وردعاً من سلطات ليتلاءم مع قوانين تساوي ما بين المواطنين في الدولة الواحدة.

ولا يستطيع الفرد عيشاً في معزل عن الجماعة، كما لا تستطيع الجماعة الدينية أو العرقية أو الحزبية العيش في مجتمعها الخاص بها والذي تعتبره نقياً. الاختلاط حتمية الاجتماع الإنساني والتسامح ضرورة أكثر مما هو فعل أخلاقي.

وغياب التسامح علامة انحطاط، وهذا ما نعيشه في بلادنا.

– الحياة اللندنية

شاهد أيضاً

درويش ناقدا

*خيري منصور يقول الشاعر ت. س. أليوت إن الشاعر هو الناقد في تجلياته التطبيقية، لهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *