الرئيسية / مقالات / كيف تستدعي الموت والحياة بمزمار؟

كيف تستدعي الموت والحياة بمزمار؟


* عبد العزيز جاسم

تروي حكاية “المِزْمار السحري”، التي أوردها لويس أونتر ماير في كتابه “كبرى الحكايات العالمية”، التي تحولت إلى أسطورة بعد ذلك: بأن جيوشاً جرارةً من الجرذان المسعورة والشرسة، قد هاجمت مدينة “هاملن” الألمانية، وأخذت تعيث فساداً في كل شيء . لدرجة أنها كانت، كما وصفها الشاعر الإنجليزي، روبرت براوننغ (1812 – 1889)، في قصيدته: “تعض الأطفال في المهود، وتشق أغطية براميل السمك المملّح، وتبني لها أوكاراً في قبعات يوم الأحد للرجال” .

وبما أن جميع المحاولات لمكافحة هذا الطاعون الكاسح باءت بالفشل؛ إلاّ أن شخصاً غريباً وغامضاً وفَدَ على المدينة المنكوبة، وتقدم من العمدة مباشرةً طالباً منه ألف “جلدر”(وحدة نقدية)، مقابل تخليصهم من هذه الحرب الوبائية المرعبة . وذلك بواسطة مزمار سحري، كان يحمله معه أينما ذهب . وحين وافق العمدة، بعد تردّد، على هذه الصفقة السريالية، مضى الزمّار من فوره إلى الشارع وأخذ ينفخ بمزماره عالياً بلحن خاص به . فهرعت جميع الجرذان وراءه وهو يزمّر لها من دون توقف، حتى قادها إلى نهر (الويزر) وخاضه؛ وحين تبعته غرقت جميعها في ذلك النهر .
هكذا إذاً أوفى الزمّار بوعده، وخلص المدينة من الخطر المحدق بها . إلا أن العمدة، لم يحترم هذه الصفقة وأخلف بوعده المقرر عليه، ولم يدفع “جلدراً” واحداً للزمّار . عندها، وعندها فقط، نزل الزمّار إلى الشارع من جديد، وأخذ يزمّر بصوت مرتفع . ولكن بنغمة مختلفة وشجية هذه المرة . فتبعه مئة وثلاثون طفلاً، سار بهم إلى خارج المدينة، وحين وصلوا إلى سفح جبل مطل انفرج كالباب الواسع والكبير أمامهم، ودلفوا منه جميعاً ولم يخرجوا منه أبداً .
إن أول ما لفت نظري في هذه الحكاية الرمزية، هو تلك القُدرة العجيبة والمؤثرة للموسيقا، المتمثلة في الزمّار ومزماره، التي بإمكانها أن تفعل العجائب وتميت، وتخطف، وتطهر المدن من الأمراض والأوبئة أيضاً . فهي ليست موسيقا رقص وانتشاء وغناء؛ وإنما هي موسيقا استشفاء ووجود وعدم . لذا، فهي أولاً، لديها القدرة على توليد نمط معين من السّحر، الذي لا يقاوم والذي يصعب تفسيره وإدراك مكمنه . أي أنها موسيقا، محملة بطاقة سحرية هائلة . وهي ثانياً، لديها القدرة على الهيمنة والسيطرة التلباثية والاستحواذ واللّعب بالمصائر، في قيادة أحقر الكائنات وأكرمها في نفس الوقت: الجرذان والأطفال معاً .
فالجرذان، هذه المخلوقات الكريهة والقبيحة، وبمجرد ما أن سمعت ذاك اللّحن المخصص لها، حتّى هبت من أماكنها وتدافعت إلى الشوارع متتبعة مصدر النغمات . هكذا، وباستسلام تام يشبه الآسر الطوعي . وكذا الأمر أيضاً بالنسبة للأطفال، الذين تبعوا الزمّار من دون تردّد، بمجرد سماعهم ذلك اللّحن الشجيّ الذي قادهم إلى حتفهم . وفي الحالتين يمكن القول: إن اللّحن الأول، هو لحن مخصص لقيادة الحيوانات، أي أنه لحن حيوانيّ بامتياز؛ لأنها هي وحدها مَن تفهمه وتستجيب له . بينما الثاني، فهو مخصص لقيادة الأطفال تحديداً، وليس أي فئة أخرى؛ إذ لم يقع تحت سطوته سوى هذه الفئة العمرية وحدها .
ولكن السؤال هنا يظل ماثلاً: إذْ لماذا تم تحديد (130) طفلاً فقط، وليس أكثر من ذلك؟ هل هم مَن يشكلون عدد الأطفال جميعهم، في مدينة “هاملن” مثلاً ؟ ثم أيمكن أن يكون هذا العدد، مجرد رقم تقديري أو رمزي غير دقيق من قِبَل الراوي، لإظهار فداحة الفعل الانتقامي الذي قام به الزمّار، لقاء ما أخلف به العمدة الجشع من وعد؟ ولكن في المقابل، إذا كان في تلك المدينة أكثر من هذا العدد المحدد من الأطفال؛ فإن هذا يعني محدودية الرقعة التي يستطيع المزمار السّحري التأثير بها وفيها . أي أن تأثيره، ليس على مطلق كل طفل يصله ذلك اللّحن، بل على عدد محدود فحسب .
على العموم، سيظل هذا السؤال أشبه باللّغز الذي يصعب تفسيره؛ بخاصة أن الحكاية لا تخبرنا عن أي معلومة حول هذه الجزئية بالتحديد . إلاّ أن الملاحظة الجديرة بالاهتمام حقاً، هي في معرفة طبيعة تلك الألحان العجيبة وما ظلت تتركه من أثر كوارثي . فأول ما نتلمّسه هنا، هو أن هذه الألحان إغوائية، تخلق حالة من فقدان المناعة والمقاومة، بحيث تعطل الاستجابة لأي رفض أو امتناع محتمل . فهي ليست ألحاناً للتطريب والميلان وهز الوسط، كما أسلفنا؛ وإنما هي وجدت لكي تشيع إحساساً بالتنويم، والطاعة التامة، والانصياع لأوامر من يعزفها .
إن المزمار هنا، يظهر بشكل لافت كما لو أنه قرين شبكة الصيد: إنه فخ صوتي منغّم، يعمل من فوره على أضعاف أي مقاومة كانت . فلا الجبن، ولا الحساء، ولا السمك المملح، باعتبارها مواد مغرية والتذاذية بالنسبة لحيوانات قارضة مثل هذه؛ لم يكن بإمكانها أن تمنع حالة الانسحار النغميّ والجذب، التي أحاط الزّمار بها الجرذان والأطفال معاً . أضف، إلى أن المزمار هنا برز كمغناطيس فائق الجذب والحساسية؛ كما أنه في مقدوره التحكم عن بعد في مَن يقصده ويستهدفه . لذا فإن ثمن الإنصات إلى نغماته، كان يعني الاستسلام الكامل له والتخدير؛ بحيث يأخذ الإنصات معنى التجرد من كل شيء وملاحقة أبعاد الصوت حتى منتهاه .
إلا أن هذا التنويم المغناطيسي الذي أشاعه الزمّار بمزماره، سواء بما فعله بالجرذان أو بالأطفال، لا يلبث أن يتكشّف عن دعوة مضمرة للاندفاع في طريق الهلاك، طريق الموت . إنها في تصوري، أفضل طريقة للقتل أو الخطف، من دون ترك بصمات أو أدلة تذكر . جريمة قيدت ضدّ مجهول . ولكن في كلتا الحالتين، تبدو هذه الدوافع التي قام بها الزّمار مختلفة . ففي حالة الجرذان، كان قتلها والتخلص منها ضرورياً لقاء ثمن معلوم، وذلك لكي لا يموت سكّان المدينة بسببها . لقد قام الزّمار بفعل بطولي ومخلص، في هذه الحالة الأولى . أمّا في عملية خطف الأطفال، وربما قتلهم، فقد كان إجراء انتقامياً لجأ إليه الزّمار، بعد أن نكث عمدة المدينة بعهده، ولم ينقده المال المتفق عليه . لقد انتقم الزمّار، ليس من العمدة وحده، بل من المدينة كلها؛ لأنها خانت الاتفاق ولم تفِ بوعدها له .
إن سبب هذه المقتلة الكارثية، هو العمدة الجشع الماكر والمخادع، الذي وعد وعداً يعرف مسبقاً في قرارة نفسه، بأنه لن يفي به أبداً . لقد استهان العمدة بقدرات الزّمار وقواه السّحرية، ونظر إليه من باب الازدراء والتهكم الضمني ولم يصدقه مطلقاً، بالرغم من إنجازه العمل المطلوب منه فعلاً . بل الأكثر من هذا، هو أن العمدة جلب أذية مأساوية لسكّان مدينته، أكبر من هجوم الجرذان نفسها .
الخائن والقاتل الحقيقي إذاً، هو العمدة وليس الزمّار الذي أراد القصاص على طريقته، وإن كانت بشعة أيضاً . فالعمدة، هو الذي سمح للوافد الغريب بالدخول إلى مدينته مع سحره، وهو الذي عقد معه ذاك الاتفاق الملزم أمام الجميع، وهو مَن نكث وعده له . لقد تلاعب العمدة بمصير الأطفال، بل بمصير الأهالي كلهم، وضحّى بهم، ولم يحافظ عليهم ويحميهم، وفضّل مصلحته الشخصية على مصلحتهم وحياتهم؛ وذلك من أجل حفنة (جلدرات) لم تكن لتكلفه شيئاً يذكر . وعليه، فإن هذا العمدة، الذي فعل كل هذه الجرائم والآثام، وخان الأمانة وفرط في أمن المدينة واستقرارها، هو مجرم مدان بقتل (130) طفلاً ألمانياً، دفعة واحدة، ووجب القصاص منه .
إن كل ما فعله الزمّار الغريب إذاً، هو أنه استطاع بمزماره الصغير ذاك رسم أحلام بيضاء ساحرة، وذلك لكي يقود ضحاياه إلى الهلاك المنشود . فلو انقطع صوته، أو أُخرس بالقوة، أو لم يتم الاتفاق معه من أصله، فإن شيئاً من هذا لن يحدث أبداً، بل إن الحكاية كانت ستأخذ لها مسارا آخر غير هذا .
إن الزمّار، باختصار، في هذه الحكاية، يظهر كرمز للشيطان المتمثل في هيئة إنسان غريب، يغوي الناس والكائنات ويقدم لهم الأعاجيب، ويتلاعب بقواه السحرية بمصائرهم، ويستحوذ عليهم، ويهيمن عليهم ويجعلهم رهائن له، ويقودهم متى شاء ذلك – إلى الهلاك المحتوم . إن سيكولوجيّة الشيطان، معروفة منذ بدء الخليقة، ولا حاجة لأن نزيد أو نعيد في الكلام عنها . غير أن الجديد في الأمر، وهو ما أظهرته هذه الحكاية، هو أن العمدة الذي يمثل الحاكم الجشع والأناني والمستهتر بحياة الناس ومصائرهم، والذي لا تهمه سوى مصلحته فقط، حتّى ولو ضحّى بمصالح وحياة شعبه؛ قد أراد خداع الشيطّان ذاته، فعاقبه الشيطّان بعقاب أشد . لقد خدع الزمّار/ الشيطّان العمدة، حين أوهمه بأنه يستطيع خداع شيطان حقيقي مثله والتغلب عليه . ولقد صدق العمدة ذلك، وأصبح مجرماً ومطلوباً للعدالة .
هكذا، تحيلنا هذه الحكاية الألمانية، في غورها وجوهرها، إلى شيطانية كلاسيكية وإلى استبداد مخفف، يبدو شبيهاً باستبداد الإقطاعيين في شكله ومعناه . غير أن عالمنا العربي اليوم، في تصوري، قد تجاوز هذه الشيطانية الزمّارية والسحرية الطيبة وركنها على الرف، لدرجة أن الشياطين الحقيقية قد أصبحت تلاميذ في مدارس اللاإنسانية، القامعة والخادعة والمتسلطة والوحشية والمحتشدة بآلات القتل والتجبر والاستذئاب . بينما العمدة الجشع والخائن ذاك، قد أصبح إلهاً دكتاتورياً يشبه الزومبيات مصاصة الدّماء، يجلس على عرشه المطرز بالجماجم، ويأمر وحوشه بإبادة شعبه من دون أن يرف له جفن . ولم لا، إذا كانوا بالنسبة إليه، مجرد “جرذان” و”حشرات” و”قرود” و”كلاب” . .إلخ؟
لقد توقفت إذاً نايات الشياطين عن العزف نهائياً، وبدأت ماسورات المدافع والبنادق والقذائف والصواريخ، تعزف لحنها الجنائزي المميت . لحن “خراب المكان كله، والزّجاج المتناثر والأبنية المتداعية واللّهب الأخير للزمن الذي عاشه الإنسان”، كما يعبر بدقة جيمس جويس .
________
*(الخليج الثقافي)

شاهد أيضاً

درويش ناقدا

*خيري منصور يقول الشاعر ت. س. أليوت إن الشاعر هو الناقد في تجلياته التطبيقية، لهذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *