الرئيسية / إضاءات / باولو كويللو يكشف أسرار فلسفته

باولو كويللو يكشف أسرار فلسفته


*مرفت عمارة

حين تبحث داخل أعماق شخصية باولو كويللو تكتشف له شخصية مغايرة للموجودة في خيال القارئ لكتاباته، بداية من العزل في ملجأ ألحقه به والديه بادعاء إصابته بالجنون بسبب تشبثه بحلمه أن يصبح كاتبا مرموقا، وتركه الدراسة الجامعية للانخراط في الحياة البوهيمية لجماعات الهيبيز، ثم دخوله السجن عدة مرات وتعذيبه علي يد ميلشيات البرازيل بادعاء لاعتباره من الناشطين السياسيين، إلى تأليفه الأغاني والأناشيد الحماسية للمنشقين، وأخيراً زواجه الثاني الذي حول شخصيته إلى باولو كويلو الذي قد نظن أننا نعرفه ولكن هذا الحوار الذي أجراه معه ستيوارت جيفريز ونشره في جريدة بالجارديان الانجليزية يثبت عكس ذلك.

جيفريز جلس مع باولو في غرفة المعيشة بشقته في جنيف – تتصدر المشهد لوحة بورتريه ضخمة رسمها له أحد المعجبين بطريقة لافته للنظر مستخدما فيها حبوب القهوة ممهورة بإمضاء جورج كلوني، بينما تبدو فيها عيني كويللو خاليتان من الكافايين.
-قال كويللو: تلك ليست أغرب الهدايا التي تلقيتها، فبينما كنت في شقتي الواقعة في ريو سنة2000 سمعت جرس الباب، ووجدت إمرأة جميلة فارعة الطول، غاية في الجاذبية رمادية العينين، تحمل شجرة صغيرة، سألتها: ما هذه؟ أجابت: جئت من سلوفانيا لأزرع تلك الشجرة هنا، وأنجب صبيا منك.
إنها قصة قصيرة طويلة، فقد وضعها كويللي في أول طائرة عائدة إلى بلدها، ثم رآها بعد ذلك مرة واحدة فقط وكانت برفقة صديقها بسلوفينيا سألته وماذا عن الشجرة؟
– أجاب ضاحكا، ذلك ليس هاماً الآن ولساعة ونصف بعدها ظل يضحك كثيرا، المرح واللطف حل محل الروائي الواعظ الرصين، ذلك التجسيد ربما لايكون هو ما صنع البرازيلي ذي الخمسة وستين عاما، والمؤلف الأكثر مبيعا، (8ر9 مليون من مشجعيه علي الفيس بوك و3ر6 مليون علي تويتر)، إضافة إلى القاعدة الجماهيرية العريضة من القراء في جمهورية إيران الإسلامية، وشعبيته الإشتراكية في كوبا، بدا كمتحدث وجها لوجه أكثر جاذبية من كويللو الأديب.
القوس والرماية
باغتني بسؤال: -هل تحب أن ترى قوسي؟
كويللو رام ماهر، شهد بألعاب الجو ويمكنه تأكيد أن رماية جينيفر لورانس أصيلة ، ثم تابع قائلا: الشيء الوحيد الذي يشعرني بالارتياح هو الرماية، لذا حرصت أن يكون مسكني ملحقا به حديقة،
نشاطه المفضل الآخر هو التجول عبر أنحاء جنيف يقول: أسير يوميا متأملا الجبال والحقول ومدينة صغيرة وأحدث نفسي..: ياإلهي يالها من نعمة، عندها تدرك أهمية إدراج ذلك في سياق خارج تلك المرأة وذلك الرجل، وتلك المدينة،وذلك البلد، هذا الكون، إنه أبعد من كل شيء، يصل إلى جوهر الوجود، ماذا لو لم يكن هناك سبب للوجود،لاتوجد طريقة سهلة لصياغة ذلك.
وأسأله هل مجرد تمشية لطيفة عبر أنحاء جنيف تصل بك إلي نفس المتعه؟ يقول وكأنه يحدث نفسه
– إنهالاتزال متعة، وعود حميد.
أعود إلى بورتريه القهوة – بالنسبة إلى كويللو يوضح إحدى الفضائل التي مجدها في كتابه الجديد املخطوطه تم العثور عليها في أكراب وهي الأناقة، لماذا الأناقة شيء هام بالنسبة لك؟ يحلق في قضاء الغرفة ويهمس:
ــ لا أعرف ماذا كتبت، إلا أن الأناقة من الأساسيات مشيرا إلي البورتريه. ذلك غاية في الأناقة لأنك إذا نظرت إلى حبة الإكسبريسو منفردة فذلك قد لا يعني شيئاً، لكن مع ثلاثة أو اربعة يمكن إبتكار أي شيء، تلك هي الأناقة.
الفضائل المتميزة
الفضائل الأخرى الواردة في الكتاب هي الجرأة والحب والصداقة، ربما في مكان آخر كتب كويللو أن الصداقة شكل من أشكال الحب لذا لاينبغي إعتباره فضيلة متميزة كذلك الشجاعة عوضا عن الجرأة هي الفضيلة التي تحتاجها إذا رغبت في تحقيق رسالة، يعبر في روايته الصادرة سنة 1988الكيميائي:” حيثما يكون قلبك تجد الكنز”، لكن لا أحد سوى كويللو المح إلي تناقضات وعشوائية الكتاب الذي باع145 مليون نسخة عبر أنحاء العالم، ترجمت إلى 74 لغة، ويخلو من التناقضات.
ــ إذا كان لي أن الخص هذا الكتاب في جملة واحدة – وهو شيء غاية في الصعوبة – سوف تكون: اقبل تناقضاتك، وتعلم كيفية التعايش معها، لأنها ليست نقمة بل نعمة، كان يسوع في الأناجيل متماثل التناقضات: عاش يسوع حياة مفعمة بالبهجة والتناقضات والصراعات، مضيفا – بينما تلمع عيناه العسليتان – إذا كان عليهم رسم صورة للمسيح دون تناقضات فإن الأناجيل كلها تصبح مزيفة، فالتناقضات علامة على أصالتها، لذا يقول يسوع:أدر خدك الآخر، ثم أمكنه تلقي لطمة! نفس هذا الرجل قال: احترم أبيك وأمك، وقال من هي أمي؟ لذا أحببته فهو رجل لكل العصور.
هو لا يعبر عن عقيدة متماسكة يمكن تطبيقها على الحياة كمخطط أو برنامج عمل؟ لذلك يقوله
-“ليس في وسعك التخطيط للحياة تلك هي المعضلة، إذا كنت متدينا في الوقت الحالي، أحيانا يعيش الناس في زهد واعتزال بإسم الإيمان وذلك هو الإيمان القاتل ثم يبتسم – يعجبني هذا التعبير- إيمان قاتل”.
الحياة والمرح
أقول له أنت تقترح إيمانا مستندا على الفرح.
-كلما كنت في وئام مع نفسك أصبحت أكثر بهجة، وكلما ازددت إيمانا فلن يقطع إيمانك صلتك بالواقع بل يربطك به إنهم حين يتمثلون المسيح نموذجا للتضحية يتذكرون ثلاثة أيام في حياة المسيح التي كان خلالها مصلوبا، وينسون أن المسيح كان منذ البداية وحتىالنهاية، دائماً كان مبتهجا، عاش تنشئة إجتماعية طوال حياته، أول معجزاته لم تكن إعادة البصر لشخص أعمى فقير، بل تحويل الماء إلى خمر و ليس الخمر إلى ماء.
يبدو أن باولو كويللو مصراً على جلب المرح و التمسك بالحياة، كان يمكن أن يصبح خلاف ذلك بكل سهولة حين ولد في ريودي جانيرو سنة1947، كان يتوق منذ نعومة أظافره أن يصبح كاتبا، ذلك الطموح الذي أتعس والديه كثيرا، ودفعهم لإرساله في عمر السابعة عشرة إلى ملجأ. عن ذلك يقول:
“-والداي كانا يعتقدان أنني مجنون، مثلما أنا الآن، أقرأ كثيرا، ولا أحب الاختلاط، وكانا يريدان مساعدتي”.
في نهاية المطاف تم إطلاق سراحه سنة 1967 والتحق بكلية الحقوق، وفي إحدى محاولاته أن يصبح كما يقول بازدراء طبيعي. ترك الكلية فيما بعد وانضم إلى جماعات الهيبيز، وحقق ثروة من كتابة الأغاني لنجم الروك البرازيلي راؤوول سيكسس حيث تبنت ميليشيات البرازيل أغانيه، ونتيجة لذلك قبض عليه عدة مرات بتهمة التخريب وتعرض للتعذيب بالصدمات الكهربائية، تلك التجارب كان لها دور في إزدراء فكرة أن ديكتاتور شيلي أوجستو بينوشيه تظهر له صورة واقفا بجوار كتب باولو كويللو الموجودة على أرفف مكتبته، ربما تعلم شيئا من أفكار البرازيلي:
ــ أعتقد أنه لم يقرأ ابداً كتبي، إنه من عمل العلاقات العامة، و أتساءل إن كان يعرف حكاية ذلك الأديب الذي كان عليه أن يفخر بوجود كتبه على أرفف مكتبته، لقد كنت جزءا من تلك السنوات المروعة في أمريكا الجنوبية.
التنازل
وأستعلم عنه ماذا بالنظر إلى تاريخه لم يختر طريق التنازل؟ يجيب بعد فترة صمت
-لكنني فعلت، بعد الملجأ والتعذيب همست لنفسي: لقد تعبت بما فيه الكفاية، فلأتصرف كأي مواطن عادي، وأصبح الشخص الذي أراده والدي، أو المجتمع، أو أيا كان.. لنعد إلى سنة1975، تزوجت إحداهن في الكنيسة، وحصلت على وظيفة، وأصبحت شخصا طبيعيا لسبع سنوات ولكن لم أستطع الصمود، طلقت زوجتي وتزوجت بأخرى هي الآن زوجتي- الفنانة كريستينا أوتيسيا- قلت لها دعينا نسافر بحثا عن معنى للحياة، كان لدي المال لأنني كنت شاعر ومؤلف أغاني ناجح، وأمتلك خمس شقق في البرازيل، بعت كل شيء و بدأت الارتحال.
هزيمة لا فشل
بحلول عيد الغطاس سنة 1986 كان قد قطع خمسمائة ميل سيرا على الأقدام، متوجها لزيارة اجاليسيان« وهو موقع للحج يقع في سنتياجو واصفا صحوته الروحية تلك في روايته الحج«.
– موضحاً عندها قلت إما الآن أو لن يحدث ذلك إلى الأبد، توقفت عن كل شيء وقلت الآن أنا ذاهب لتحقيق حلمي، لقد هُزِمْت إلا أنني لم أفشل«.
ذلك التمييز بين الهزائم و الفشل هو المحور الذي تدور حوله احداث كتاب كويللو الجديد، كل ما سبق كان شيئا عارضا، جروح التأديب ثم المخاطرة بها عن طريق من يسمعون بقلوبهم، وما فعله أخيرا من تنسك لمدى الحياة وتحمل مسئولية إتباع حلمك، أو كما كتب راوي المخطوطة التي تم العثور عليها في أكرا:
اشعر بفخر بندوبك، الخوف أوسمة توشم فوق سطح الجلد تخيف بها أعداءك لإنها دليل إثبات خبرة قلم طويلة خلال المعركة.
لذلك كان السؤال الضرورة النصيحة هل ولدت من تجارب وخبرة حياتك؟
– دون تفكير قال “بالقطع أنا فخور بندوبي فقد علمتني أن أعيش أفضل وألا أخاف الحياة” ثم نظر لي بحدة قائلا:لقد علموني أيضا أن أقتل بدم بارد!
استميحك عذراً
– يوضح أكثر حين أرى أناس يحاولون خداعي، أقتل، دون ذرة ندم، أو كراهية، فقط رد فعل عملي، وأشار بيده بعلامة قطع العنق أو الذبح.
إنه ليس أرنب رقيق، ربما كتاباته فقط هي التي تشير إلى ذلك. اسمع لقوله:
ــ هه، لا أستطيع أن أكون غاية في القسوة، إذا اعتقد الناس فيك السذاجة، سوف يكتشفون في اللحظة التالية أنهم أصبحوا بلا رؤوس، لذا أحبوا أعداءكم، بشرط الحرص على تحديث قائمتكم السوداء باستمرار.
قراء كويللو يسيطرون على تفكيره بشدة، كذلك مشجعيه على الإنترنت، في واقع الأمر فإن روايته الأخيرة يرجع الفضل فيها إليهم، مشاركة الحكمة مع تلاميذه على الإنترنت، ومشاركة مخاوفك أيضا، يرسل كويللو تغريداته عبر تويتر، يحرص من خلالها أن تبعث الأمل وراحة البال، والكتاب محصلة لذلك كله، يحتوي تأملات كويللو حول موضوعات مثل الشجاعة و العزلة و الولاء والقلق، والضياع، حتي الجنس، وروح التضحية التي اقترحها عليه محبيه، تلك الرواية ربما قامت بمهمة جراب الحكيم لأفكاره الرئيسية، السرد المتماسك لتلك الروايات مثل الكيميائي وا1 دقيقة تم رفعه وما بقي هو الكليشيهات، في الحقيقة هو يكتب أشياء مثل: من الأفضل أن تكون محبوبا ثم تفقد هذا الحب عن ألا تكون محبوبا على الإطلاق ولا تستسلم، تذكر أن هناك دائما آخر مفتاح في الحلقة لفتح الباب.
كويللو استطاع بخفة صنع قصة أدبية إستنادا على أمثلة مفترضة، من الغرور أن نقرأ مخطوطا مفقوداً منذ سبعمائة عام، إستنادا إلى باحث غامض يدعي أن الأقباط منحوا مواطني القدس عشية غزوها من الصليبيين الفرنسيين أعظم حكمة في الحياة، بينما يقول الأقباط قرب نهاية الكتاب هل ذلك معناه استطاعتنا السيطرة على أشياء تحاول إستعبادنا؟
كيف يحدث ذلك؟
عن طريق تحمل المسئولية، الناس في الوقت الحالي لا يتحلون بشجاعة تحمل المسئولية، من السهل الإنصياع والطاعة لأنك تصبح في تلك الحالة قادرا على لوم صاحب القرار الخاطئ الذي أجبرك على أن تفعل هذا أولا تفعل ذاك، ومنذ لحظة قبولك أن تصبح سيد قدرك عليك قبول تحمل مسئولية جميع أفعالك، إذن لماذا تكلف نفسك عناء إتباع أحلامي؟ عندها يمكنني تجنب التعرض للفشل، وهو غير حقيقي بالطبع: فأنت فاشل منذ اللحظة الأولى لعدم سماحك لنفسك التعرض للهزيمة.
وكويللو على النقيض استطاع انتزاع النصر من فك هزائمه العديدة!
-هل أنا فاحش الثراء؟ نعم، هل أرغب في إثبات ذلك؟ لا، عد إلى أصلك، لاتقم بتلك اللعبة الإستهلاكية، إنه هراء،في نهاية اليوم، اليوم الذي تموت فيه، في آخر دقيقة، عليك الإجابة عن تلك الأسئلة: هل استمتعت حقا بحياتي؟
كيف تجيب عن هذا السؤال؟
-في 30 نوفمبر 2011 فعل ما يدعو للحيرة، في ذلك الشهر تم دفعه من وكيلته الأدبية مونيكا انتونز لعمل فحوصات طبية، بعد وفاة والدها إثر نوبة قلبية مباشرة: كانت غاية في القلق لأنني ووالدها كنا مدخنان، قلت مستحيل، أنا أمشي يوميا، وأتمتع بصحة جيدة جدا، ولا أدخن كثيرا، فقط ستة سجائر يوميا لكن في اليوم التالي لبلوغ زوجته سن الستين زارا عيادة طبيب القلب الذي قال له:سوف تموت قلت لا أصدقك، رد: سوف تموت في غضون ثلاثين يوما، هناك جزء من قلبك لا يستجيب للنبضات الكهربائية وربما يحدث به إنسداد، لقد صدمت بالطبع، إلا أن لدي الوقت لأجيب عن سؤالك الذي وجهته لي للتو، أتذكر حين كنت مستلقيا في حجرة نومي وقلت: إذا مت غدا، سوف أموت سعيدا، أولا، فعلت كل ما أردته في الحياة- الجنس، المخدرات، الروك آند رول، قل ما شئت تجدني فعلته، العربدة؟ ضاحكا بملء فمه نعم، ثم تابع ثانيا: حصلت على نصيبي من الخسارة إلا أنني لم أنسحب، ثالثا: تابعت طريقي، نعيمي وجنتي، ورحلة حياتي الخاصة، واخترت أن أصبح كاتبا ونجحت، وهو الأكثر صعوبة كما تعلم، رابعا تزوجت منذ 33 سنة من حب حياتي، فماذا يمكن أن أطلب بعد ذلك؟ سوف أموت وعلى وجهي إبتسامة كبيرة، دون خوف، فأنا مؤمن بالله، لذا ما المشكلة في أن أموت غداً؟
الريشة البيضاء
باولو، لقد اشرت، أنك لم تمت كما قال الطبيب.
-لقد صليت أن أكون يوم أموت في كامل حالتي الذهنية التي كنت عليها في 30 نوفمبر 2011
وكيف تقنع أتباعك بالموت؟
-لا أستطيع قول سوى أن أهم منحة هي الشجاعة، كن شجاعا- ثم أشعل سيجارة كأنما يتحدى الموت الذي أطلق عليه أنه زائر غير مرغوب فيه.
في شهر يناير من كل عام منذ سنة 1988 يبحث جاهدا للعثور على ريشة بيضاء ليؤلف كتابا من أجل بعض منتقديه، وعثر على واحدة في وقت سابق هذا العام لكنه خطط لكتاب آخر، لن يستغرق في كتابته كثيرا.
أؤلف كتابا خلال 15 يوم، ثم أعود إلى المواقع الإجتماعية، إذا كنت تتواصل مع الناس عليك تعلم الإختصار والتلخيص، اعتدت فعل ذلك حين كنت أكتب الأغاني، لقد كانت دائما ميولي الحياتية أن اصبح واضحا دون سطحية.
_____________
* (أخبار الأدب)

شاهد أيضاً

الموت يغيِّب حنا مينة

توفي اليوم الأديب والروائي السوري حنا مينه عن عمر ناهز 94 عاما، تاركا عشرات الروايات والقصص القصيرة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *