الرئيسية / فنون / معرض للأكواريل: حداثة التراب

معرض للأكواريل: حداثة التراب


*صفوان حيدر

يعتبر الرسم بالمائيات (الأكواريل) من أصعب أنواع الرسم، لأن أي غلطة تلوينية وتخطيطية ينكشف أمرها. فالإتقان والمهارة، مع الموهبة التصويرية والإبداعية والتخيلية ـ الإيحائية، ضرورية لجودة الرسم بالمائيات. وفي صالة جمعية الفنانين ـ اللبنانيين (بيروت) أقيم معرض للرسم بالمائيات ضم أعمالاً لجاكلين أوهانيان وراشد بحصلي وعاطف طعمة وعلي شمس وأنطوان مطر وفؤاد جوهر وميشال روحانا. ولقد أغلق المعرض أبوابه أمس في 18ـ28 نيسان لينتقل هذا المعرض إلى مركز الصفدي ـ الثقافي في طرابلس وليفتح أبوابه في 2 ـ 5 ـ أيار 2013.
تكشف لوحات المائيات، بمجملها المهارات الإبداعية لهؤلاء الفنانين. وعلى سبيل المثال لا الحصر، يتمتع ميشال روحانا بمقدرة تلوينية إضائية كبيرة في لوحاته، حيث حقول الزيتون وشقائق النعمان. لوحاته تصور الضيعة اللبنانية الجالسة بمودة وحنان على رأس التل. مدخلها أرصفة زهور وبجوارها ورد وزهور تضحك لمن يأتي إليها. وتصور التينة والزيتونة والأرزة والعريشة. واقعيته تعبيرية ذاتية، مع دقة في التقاط المشهد اللبناني وقدرة على التوصيف بما يطمئن المشاهد ويبث في عينيه الارتياح الإضائي ـ النفساني والشعور بالسعادة الغامضة المكبوتة. لوحات روحانا مؤمنة، متفائلة تريد أن تغلب الشر بالخير. هو يقدم الفرح الديني بالطبيعة والحب الديني لها. وفي زوايا للرؤية جمعها ميشال روحانا بمقاييس هندسية تخدع البصر وتشده إلى هذا الفرح المنير.
أما جاكلين أوهانيان، فتحمل في مائياتها تراث الرسم المائي اللبناني: عمر أنسي، مصطفى فروخ، والدويهي وآخرون. في حورياتها أناقة تعبيرية مضمرة وشاعرية. وفي لمساتها الرشيقة طرب وإصغاء في التشكيل، ضمن الرؤية البصرية. هي ترسم الأرزة باعتبارها أم تاريخ الشعب اللبناني. حورياتها يتماوجن بعلاقة صوفية مضمرة وسحرية بالأرض.
عند عاطف طعمة تدهشك لوحة «قهوة القزاز» وسواها. لوحاته عامرة بالألوان الحية النابضة بالتباينات اللونية الجذابة والمنسجمة مع دقة تشكيلية في استحضار التفاصيل التراثية والمعالم المتداخلة بين الحداثة والأصالة بأمانة تخييلية وإيحائية مدهشة.
أما راشد بحصلي فيرسم الرموز والشخصيات والأدوات والألعاب الحداثوية في فترة ما بعد الحداثة في علاقاتها بالموجودات التراثية مع دقة تلوينية وانعكاسية في ملاحقة العلاقات المسرحية المفارقة بين هذه الموجودات. ويبقى الكلام عن فؤاد جوهر. إنه يتمتع بقدرة مميزة ومدهشة في الرسم الاستنباطي ـ التخيلي للواقع. مزجه للأصباغ مدهش وليس عادياً. يستعملها بأساليب حداثوية فاقعة الإضاءة التلوينية، بالتعانق تارة وبالتعارض تارة أخرى. يركز جوهر في هذا المعرض على شجر الزيتون، الرمز في الربيع. إنه الربيع عند جوهر الصارم والهندسي. ألوان جوهر تأخذ المشاهد إلى تأملات جديدة وإيحاءات غير متوقعة.
يطول الحديث عن لوحات هذا المعرض الجميل. فاللوحات، جميعها، تمتاز بلمسات خاصة تتمايل فيها الكائنات والموجودات والأدوات التراثية والطبيعية. لمسات بعيدة عن الالتقاط الفوتوغرافي المباشر. لكن تهيمن على جميع اللوحات المواضيع التراثية والشعبوية مع تركيز تصويري على الأدوات التراثية في الحياة اليومية للريف اللبناني. بينما بيروت والمدن اللبنانية الساحلية أصبحت تزدحم فيها عناصر ومقتنيات زمن ما بعد الحداثة بكل تقنياتها الوافدة، والتي تحتاج إلى جهود الرسامين المائيين لمواكبتها والتعبير عن مفارقاتها.
______
*(السفير)

شاهد أيضاً

«كفرناحوم» للبنانية نادين لبكي يحصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان

*نسرين سيد أحمد لعلَّ أول سؤال يتبادر إلى الأذهان عند معرفة اسم فيلم «كفرناحوم» للمخرجة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *