الرئيسية / قراءات / المهابهاراتا.. معارك الأرض وأغنيات السماء

المهابهاراتا.. معارك الأرض وأغنيات السماء



محمد بابا


كضربة بسيف في رحم الأرض ولدت كل الملاحم الإنسانية الخالدة، ينبت معها المعتقد والأسطورة والمرويات. ولا يمكن أن تسأل كيف، لكن بإمكانك الجزم بقداسة النصل والضربة.

في التاريخ الهندي لايمكن قراءة هذا التاريخ وفهمه دون التمعن في دروس ملحمة المهابهاراتا، التي لايزال سيفها ناصعا، ومعاركها حاضرة، وأغنياتها الأزلية تتردد كتراتيل مقدسة من قلب الصوامع والدور إلى البيوت والمساكن، صاعدة في روحانياتها كأغنيات إلى السماء، ناقشة برموزها ودلالتها في عمق الذاكرة والمتخيل الجمعي، ومحددة مسارات الحياة.

روافد تاريخية

تاريخ الهند، ضارب في القدم، غني الموروث، جذوره متعددة الروافد، لذلك لاغرابة في لمس كل ذلك الثراء في الثقافة الهندية، وكل ذلك التنوع الميثولوجي والإثني والعقدي، وحتى البيئي في رقعة شاسعة تعرف بما يسمى شبه القارة الهندية، تاريخها الحفري يعود إلى آلاف السنين، ويضم أقدم آثار عرفتها البشرية.

من أهم هذا التراث المكتوب والمحكي الخالد هذه الملحمة، التي تعود الى مجموعة من الطقوس في الهند القديمة، تكاد تكون تعاليمها شاملة حول الحياة والموت والانسان والمصير. وهي واحدة من ضمن ملحمتين مأثورتين شهيرتين، مكتوبتين بالسنسكريتية، لهما تأُثيراتهما العميقة في تاريخ الهند الديني والاجتماعي.

وتعد من أطول الملاحم الإنسانية المكتوبة، حيث تتجاوز 74 ألف بيت شعري ومليون و800 كلمة من أصل نص أصغر يصل إلى 24 ألف بيت شعري، حيث تم التعديل في القصيدة على مر العصور، إذ يعود تاريخ نصوصها الأولى إلى المرحلة الفيدية في القرن الثامن قبل الميلاد، فيما أخذت شكلها النهائي في العصر الغوبتي في القرن الرابع الميلادي.

وتدور الأحداث في النص الأدبي والإنساني والمرجع العقدي في التعاليم الهندوسية حول صراع مرير ومعارك دامية بين فرعين من نسل بهارتا الملك الهندي العظيم، هما الكاورافاس والباندافاس، حيث تولى الحكم دريتاراشترا، الأب الأول لفرع الكاورافاس.

لكنه أصيب في فترة من حياته بالعمى ليتنازل عن العرش لأخيه بادو، الذي جاء من نسله جماعة الباندافاس، لكنه سيصبح لاحقا راهبا زاهدا ليعود الحكم لأخيه، ليحتد الصراع بين أبنائهما حول من يخلف في الحكم، فينتهي الأمر بنفي أبناء بادو الأخوين من المملكة، فيلجآن إلى مملكة مجاورة.

نداء الواجب

وتواصل الملحمة وصف كل تلك الصراعات بين الأسرتين، وحياة الشقيقين المنفيين، ومغامراتهما ولهوهما، قبل التفكير في نداء الواجب، بعد لقائهها بكريشنا الناصح والمرشد، الذي تجسد كمعبود لهما ومعين لهم في المعارك، التي توالت بين خسارات وانتصارات في كلا الطرفين، يخلدها النص الأدبي في وصف مليء بالتفاصيل، يوثق علاقة الإخوة ومحددا نداء الواجب والسلوك، متوغلاً في القيم الإنسانية التي يجب على المرء التحلي بها في حالات الحرب والسلم .

وفي الحياة بشكل عام، حيث تحدد الملحمة علاقة الملك بالرعية والجند، والإنسان بالعالم، في مربع أزلي يحاول فهم الذات والطبيعة والوجود يتحدد وفق مرتكزات الواجب والغرض والمتعة والتحرر، ويقدم تصورات لفهم النفس الإنسانية في هالة من القداسة أضفاها تصنيف النص الملحمي ضمن أهم النصوص الهندوسية المأثورة.

تراتبيات طبقية

ومن المسوغات التي تقدمها الملحمة في حيثيات الصراع الطويل يمكن أيضا فهم مجتمع متعدد الطبقات كالمجتمع الهندي، يصعب القفز فيه على السلم الاجتماعي وتراتبياته، فالأميرة الجميلة دراوبادي زوجة الشقيقين سترهن في إحدى المقامرات الخاسرة لهما، مع ابن عمهما دوريودانا، ويستمر الصراع حتى تقع المعركة الشهيرة كوروكيشيترا (850 650 ق م).

والتي تروي الحكايات أنها جرت قرب مدينة دلهي، حيث سحق فيها كل أمراء الكوارافاس، وبدأ ملك الباندارفاس بالتألق تحت تاج الملك يودهاشترا، الذي استمر في الحكم، حتى جاءه إلهام بإتمام مهمته في الحياة وعلى الأرض بعد معركه الدامية مع أبناء عمومته التي انتصر فيها، ليصعد إلى السماء

وتحمل دلالات صعودهم مغازي القصة الأسطورية، حيث بدأت شخصياتها في أخذ طابع القدسية، ورغم تعدد جذورها في الحكايات الشعبية الهندية، حيث تتشعب إلى عدد من الحكايات الأخرى فإنها تتوحد في موضوعها العام مع اختلاف في سياقاته، لكن تتحد الرويات في أن فياسا هو من كتب هذه الملحمة، وهو عالم وشاعر هندي قديم.

فيما يرى آخرون أنه جمعها فقط. ويقال إن غانيشا كتب النص، الذي أملاه فياسا بناء على طلب الأخير ويقال إن غانيشا وافق على الكتابة بشرط ألا يتوقف فياسا عن التذكر. لكن في كل الأحوال من المؤكد أن الملحمة كتبت في أزمنة وعصور مختلفة، كما جرى التعديل عليها على مر الزمن، حيث يوجد اليوم أكثر من 300 مسودة للمهابهاراتا، كما تطورت في مراحلها من الأسطورة إلى المعتقد ومن الحكاية العادية إلى نص مقدس.

طابع اسطوري

إن رحلة صعود أبطال الملحمة إلى السماء، كانت المدخل لإضفاء الصبغة المقدسة على الرواية، وبداية تشكل رموز في المعتقد الهندوسي، حيث تحول كريشنا الصديق والناصح لسلالة الباندافاس إلى مخلص، ورمز عقدي، بإلهام من الإله فيشنو، الذي أقنعه أن حربه عادلة. حيث كان أرجونا الأمير الثالث للباندافاس مترددا في محاربة أبناء عمومته، خلافا لأسلافه.

ويعود ذلك في نصوص يعود تاريخها إلى 200 ق. م، حيث قدمت إشارات ورموز مقدسة في معمعة الصراع بين العائلتين المتنازعتين، مرتبطة بعلاقة الأرض بالإنسان، والدم بالمكان، كما أخذ النزاع الدنيوي طابعه السماوي في حرب تنتصر للقيم والعدالة والفضيلة والعاطفة والتضحية.

وقد صبغت الملحمة، التي تعد إضافة إلى ملحمة “الرمايانا” واحدة من أهم روافد الأدب الهندي، بظلالها الشعرية ترانيم الموسيقى الهندية وكذلك الرقص في تمازج فريد بين الشعائر والفن والعبادة والأدب والدين والثقافة. كما أخذ المسرح في حواراته الارتجالية من حوارات الملحمة وتصاعدها الدرامي.

كما تركت صدى واسعا، على المستوى الثقافي والإنساني العالمي، وأجريت عليها دراسات عدة، ومن أبرز ما قيل فيها ماقاله المفكر إدوارد سعيد “إن المهابهاراتا لم يفهمها أحد أكثر من المسرحي البريطاني بيتر بروك، الذي اقتحم غابة النص بحجمها الكثيف، كاشفاً متاهات مسالكها”.

في السينما

1971 استوحت السينما الهندية من مآثر الماهابهاراتا، الكثير من الأفلام من ضمن ذلك فيلم “شري كريشنا ليلا”، من إنتاج عام 1971، وإخراج هومي آديا، وبطولة بريتام آرغون.

1977 فيلم “شري رام فانفاس”، وهو من إخراج كامشاوارا كامالكارا، ويستعيد صراعات الملحمة.

1989 ظهر فيلم روائي طويل تحت اسم “ماهابهاراتا” من بطولة روبرت لويد انجتون وبروس مايرس

2000 في السنوات القليلة الماضية لم تهمل بوليوود هذه القصة، ففي عام 2000 ظهر فيلم الرسوم المتحركة “باندافاس” الروائي الطويل والثلاثي الأبعاد ليعيد رسم الأسطورة التاريخية.

في المسرح

1970 مسرحية “مهابهاراتا” من أهم المسرحيات الحديثة، حيث شغف المسرحي والمخرج البريطاني بيتر بروك بالميثولوجيا الهندية وقد اشتغل على النص الملحمي في تعاون مع الكاتب الفرنسي جان كلود كاريير.

في التلفزيون

1985 استكمل بيتر بروك العرض المسرحي بسلسة تلفزيونية عن الملحمة وكانت السلسلة من إخراجه.

في الدراسات العربية

1996 من الدراسات العربية التي صدرت عن الملحمة ترجمة تحت عنوان “المهابهاراتا: عن الملحمة الهندية القديمة”، لجان كلود كاريير وبيتر بروك، عام 1996عن وزارة الثقافة السورية، وجاء الكتاب في 230 صفحة.

2002 ضمن البحوث العربية أيضاً كتاب “المهابهارتا: ملحمة الهند الكبرى”، من ترجمة وتحقيق عبد الإله الملاح، عن دار ورد للنشر، وظهرت هذه الطبعة في 380 صفحة من الحجم المتوسط.

( البيان )

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *