الرئيسية / نصوص / سبع إطلالات على شرفة شهرزاد

سبع إطلالات على شرفة شهرزاد


محمد سيف الرحبي *

إطلالة أولى

.. وإذ ارتدى الليل سترته الثقيلة، وأخذ النعاس من السمّار مأخذه..
قالت له: «انْضُ ثوبي عني.
ثقيلة هذه الحكاية يا مولاي الملك السعيد، مولاي الزوج اقتربْ لأسعدك أكثر.
على السرير ثمة حكاية.. إروِها لجسدي.
مَن يعيد تشكيل الليالي إذا لم نطعمها حكاياتنا الخاصة، لا حكايات الآخرين؟!».
تثاءب شهريار، تثاءبت الحكايات..
.. أما الديك فامتنع عن الصياح، منصتاً لكلام مباح. تلفّتت شهرزاد، وأغمضت أعين الحلم.
«بلغني أيها الملك السعيد ما لم يبلغك..
وبلغك ما لم يبلغني.
هذه سانحتي لأتلو عليك ما تيسر من خوفي، أداري سوءته بخيوط الحكاية تلو الحكاية، بعضي يلتحف بعضي مخافةَ أن تشقّ عليّ أخيلتي فتضنّ بما قد بلغني».

إطلالة ثانية


«يا ليل الصَّب»..
يا ليل الحكاية، والليالي المتناسلة..
خذْ إليك شهريار الصبابات، النساء المتعلقات كحبّات مسبحة بين أصابعه، دمهن المسفوك على مذبح ذكورته المفجوعة.
غَنّ، أوتارُك بين أصابعك، حرّك النغم جليّاً على شفاه الريح حولك:
لا تنضُ الثوب عن الجسد الغريب.. عيناك في شفاه الأنثى، لتروي، وجسدها لا يستحق الرواية.
الشفاه المتداعية بالكلمات تسكبها أرديةٌ تؤخر زحف السيف على الأعناق، لم تُخلَق للقُبَل..
مولاي الملك، على الشفاه جمرٌ، في الصدر نار..
وفي المآقي بكاءٌ ودم.
طِلّ من فوق شرفة أجفاني لتراني، كما أنا: ناري وبكائي ودمي، اندسّ في عيني لتبصرني، ببصرك وبصيرتك.

إطلالة ثالثة

تثاءب السيّاف، فالأعناق كفّت عن الانقسام، بعضها مع رأس متدحرج، بعضها مع جسد متهاوٍ.
ينهض من غفوته، يترقب أمر مولاه الملك، يلتفت إلى شهرزاد، يتضاعف حنقه عليها..
عنقها مغْرٍ، للسيف أو للشفاه كبرياؤك واستطالتك؟!
حرّك السيّاف جفنه، تعب من الانتظار، ودّ لو يقطع عنق الحكاية، وراء قطعها أعناق نساء تتكشف ليجري حدّ السيف عليها، علّمته الأعناق شهوة الاختلاف، الأنثى أجمل من دون رأس، والشفاه لها ألقٌ شبقي إذ تتدحرج مع رأس وحيد يترك جسده، أيهما يكون الجسد، أيهما الأنثى، الجزءان المفارقان لتماسكهما، حيث لا حياة لأحدهما دون الآخر.
يتحسس السياف عنق امرأته، يطوف على أكثر من عنق في بيته، مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينه القابضة على جمر السيف، لا يتذكر شيئا من ليالي القصر، يعود بائسا ووحيدا، يضاجع ما تيسر، وينام كطفل، ويستيقظ الصباحَ التالي كفحل.

إطلالة رابعة

صرخت شهرزاد فما غادر الصوت قعر روحها، في ليالي الحكايات نضت الأثواب عن أجساد جميلات، أميرات، ساحرات، لكنها ما استطاعت ليلةً أن تنضوَ عن جسدها الثوب، كأنه محبوك بخيوط الحكاية..
وشهريار لا يرى سوى جسد الحكاية إذ ترفع يديها مستسلمةً لإغواء البوح.
في عزلتها النهارية تأتيها أخيلة، تتلظى بجمر التمنّي، لو أنها تقف أمام شهريار، تحكي له حكايتها: جئت يا مولاي الملك السعيد إلى دنياي وفي فمي حكاية حنّكتني بها أمي، قالت لي أمي: اتقي نار جسدكِ حتى لا يكون حكاية، لا تثقي بالغريب مهما بدت حكاياته مغوية عن أمسه وغده.. يوم أن كبرتُ قليلا قالت لي ضاربةُ الودع إن جسدي سيكون لِمَلك، لم تكمل لي بقية الإشارة، ربما لسيفٍ يأمر به.
للّيل مواعيد الغرام، وجمر التلظي، لكنك مولاي تعطي الليل، وحتى مطلع الفجر، للحكاية وحدها.. جسدي حكاية نارية ستنسيك نار انتقامك.. لن تحتاج إلى صياح الديك لتكفّ جمراته عن الاصطلاء، ولا القمر الساهر في العلية يترقب طلوع الصباح ليتلاشى ضوؤه.. لجسدي ضوء قُدّ من عشق، فأطِلْ مكوثك، ودَعْ لساني يستريح دون فرط الحكاية، خذه إليك تشعل به داخلك إذ يلتقي اللسانان فيحكيان كيفما أرادا.
فتّش في زفيري عن شهيق..
واصعَد مع شهيقي نحو زفيرك.

إطلالة خامسة


أيها السياف..
والعينان تنظران بفزعٍ إليك.
على حدّ سيفك حكاياتُ خوف ودم..
ونساء يربطن سرّة الليل علّ الليل يتنازل عن صخبه..
ليس لك إلا الانتظار..
سيفك غارس للموت حيث يأمر مولاك.
ليس لك حق الاشتهاء..
والأجساد تضيء درب النهايات.
.. وشهريار لا ينضي ثوب أنثاه الأخيرة، يترقب نضوب الحكايات من العنق الصاعد بقصصه، تسيل على لسان شهرزاد عسلا مصفّى، كلما شرب منه أكثر زاد إحساسه بالعطش، والحكايات ألقت بقانونها، لا تكون إلا مع عتمة الليل، تذوب إذ يصعد الصباح مع شمس النهار..
يذهب كلّ منهم إلى مضجعه..
شهريار مبلل بالحكاية يرتجي ليلا تاليا..
شهرزاد تتحسس عنقها ترصف درب الحكايات تحاذر إيماءة الملك للسيّاف، عنق آخر يطير تتبعه أعناق نساء.
والسيّاف يكاد ينسى لعبة الموت..
وهناك، في المسافات، قريبها وبعيدها، رائحة خيانة، تَفجّر جسد أنثى ليهب جمره دفئا لعبدٍ من عبيد القصر، والملوك قد تخون، لكنها لا تخان.
والقصور عبيد أو جَوارٍ.
حيث الملك السعيد يترقب ما بلغ شهرزاده من أحاديث الشرق والغرب: جوارٍ وغلمان، وسحرة ومردة..
لا يسأل شهريار الراويةَ عمّن أبلغها كل ذلك!

إطلالة سادسة

تفيض الليالي عن ألفها.. لتكتب النهاية في ليلة فائضة..
في الليلة الألف هدأ بركان الدم في قلب شهريار، ألف ليلة يا مولاي الملك السعيد، لكن الديك غافلَ الجميع، والحكاية لم تنته.. صاح ليأتي بالصباح.
نسي الملك لعبة الأعناق، في ليلته الفائضة سمع تكملة الحكاية الأخيرة..
وأخيرا، نضى الثوب.. حتى اعتاد.
في حضرة النسيان يتصاعد ضوءُ الجسد، لا شيء قادر على إخفائه..
الحكايات إبَرٌ للذاكرة، الجسد مقصلة، ومنجاة، الجسد كالحكاية، الحكاية لها جسد أيضا.. ولكل جسدٍ حكايته.

إطلالة سابعة
يا سيدي،
سيد روحي..
يا سيد جسدي
من قال لك إني تحررت
واني انتصرت
وإني.. وإني.. وإني؟
اقتربْ على سرير الحكاية
قاربني.. أكن قاربك.
نهرك تعبره دون ظمأ.
على ضفتيه لن ترى إلاي..
أنا الشجرة الوحيدة على الضفتين.. الطائر الوحيد يرفرف في سرب من الطيور كلها تبدو لك أنا، الورود، الأعشاب، جميعها واحدة..
أنا وردتك، عشبتك، ضفّتك، شجرتك، طائرك…
أنا.. أناك.
يا ملكي الوحيد، أنا مملكتك الوحيدة، سأتكرر أمامك كلما شاغبك جوع الملوك لأكثر من مملكة، كل الأجساد سأصير لك، إنك لا تبتغي سوى أجساد الممالك، أرواحها لن تستبيحها، إنك يا مولاي الملك السعيد قد تمشي على أرض هي ليست لك، لكنك لن تحملها أينما ولّيت.
سأغسل من فمك طعم الخيانة، النساء لا يتشابهن.. وأنا لا أشبه إلا.. شهرزاد.
في الليلة الثانية بعد الألف: انتهت كل الحكايات، لتبدأ حكايتنا؛ شهرزاد وشهريار.

* قاص من عمان
( الرأي الثقافي )

* مما صدر له في القصة: «بوابات المدينة»، «ما قالته الريح» و «أغشية الرمل».

شاهد أيضاً

“ريف” العائدة

خاص-ثقافات *ميمون حرش أمسكت “ريف “بالمقود بثقة، أدلقت رأسها من سيارتها، وقد ارتسمت على محياها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *