الرئيسية / قراءات / ويليام هوتكنز: “الديزل” نمط أدبي مغاير

ويليام هوتكنز: “الديزل” نمط أدبي مغاير


*ترجمة وإعداد: عثمان حسن

في عام 2012 قام ويليام هوتكنز بترجمة رواية “الديزل” لثاني السويدي التي صدرت طبعتها الأولى في بيروت في عام 1994 . وفي مقدمة ترجمته للرواية يلقي هوتكنز ضوءاً على خلفية الرواية ومضمونها كما يؤشر على بطلها الرئيسي “الديزل” ويرصد تفاعلات القراء مع هذا العمل الروائي اللافت في الإمارات ومنطقة الخليج العربي، كما يورد مقتطفات مما جاء على لسان مؤلف الرواية نفسه في لقاء أجرته معه محطة “الجزيرة” الإخبارية وبعض ما ورد بشأن هذا العمل في الصحف والدوريات .

يشير وليام هوتكنز إلى أن رواية “الديزل” هي نمط أدبي مغاير يحمل سمات القصة المعاصرة، مكتوبة بلغة شعرية قريبة من قصيدة النثر، وهي قريبة من السرد الفني المباشر، كما أنه يسلط الضوء على بطل الرواية “الديزل” – الرمز (ثنائي الجنس) حيث يقول عن نفسه “أنا إنسان احتضن مشاعر أنثوية في جسد رجل” والعمل بحسب هوتكنز يطرح مسألة الهوية الجنسية، في مسعى لتغيير الواقع من خلال شخصية الديزل نفسه، وهو رواي العمل الذي يتعرف إليه القارئ في الجزء الأخير من الكتاب، وفي وقت متأخر نسبياً من تسلسل العمل الروائي .
هي بكل تأكيد رواية عن الهوية والعثور على هذه الهوية، وفيها يرثي الراوي نفسه بالقول “آه لو أنك عرفت يا صديقي من أنا” فالوضوح واليقين هو أمر بعيد المنال في توظيف رمزي لفكرة التحول في البيئة التي تغيرت على نحو سريع ما بين كونها بيئة صحراوية وبحرية لعبت فيها الأسطورة دوراً بارزاً، وهي أسطورة وظفها السويدي من خلال كثير من العبارات التي ألمحت إلى نبذه لكثير من المفاهيم التي كانت سائدة كما ألمحت إلى غنى هذه البيئة في صيغة علاقات وشخوص ونساء وذكور يحملون قيماً لا حصر لها كما يرد على لسان الراوي الذي يرفض تصديق فكرة موت والدته فيعيش مع أخته التي تكبره بسبع سنين، وهي التي تقول مرة وهي بجانب البحر “أنا لست مثل النساء العاديات أنا أستطيع أن ألد حتى من دون أصبح حاملاً” . . ومن خلال صياد سمك وأب مستبد، ومثل هذا المحمول الرمزي . . البعيد الدلالة في الرواية يدين على نحو ما ذلك التغير السريع في المنطقة بعد تدفق النفط وتحول المجتمع والعلاقات وهو يفلسف فكرة الذكورة والأنوثة من خلال شخصية الديزل الفنان الشعبي والراقص بعيداً عن دلالاتها الجنسية أو الإيروتيكية كما حملت العديد من الروايات العربية المعاصرة، حيث يقوم مترجم الرواية بمقاربة موضوعها بعدد لا حصر له من الروايات المشابهة التي لعبت على فكرة متحولي الجنس أو ما يطلق عليهم العامة لفظ “المخنثين” كما هو حال شخصية رضون في “سكرية” نجيب محفوظ، هذه الشخصية الشاذة جنسياً، وكما هو حال الأولاد في “مدينة المتعة” لعزت القمحاوي، وأيضاً كما هو حال خليل في رواية “حجارة الضحك” لهدى بركات التي كتبت بعد الحرب الأهلية اللبنانية .
وتأكيداً على هذا الموضوع الواقعي والرمزي في آن يسهب مترجم الرواية في تقديم أمثلة أدبية كثيرة، فيسوق مثلاً الشاعر العباسي المعروف (أبو نواس) الذي كتب أشعاراً في عشاقه من الذكور والإناث وهكذا . بل إن المترجم يذهب أبعد من ذلك حين يناقش شخصية الديزل باستدعاء نموذج استقرار المدينة في دمشق وبغداد حين أصبح الشذوذ الجنسي شائعاً أكثر من كونه يمثل فئة متغيري الجنس من النساء والرجال . ونموذج متحول الجنس المغني كما هو حال الديزل ينقل القارئ مباشرة إلى عمق الصحراء في المدينة في القرن السابع، وهنا يؤكد هوتكنز على أن الديزل يشبه الشخصية “وانتاهيت” المعروفة في التراث المنقول عن فولكلور الطوارق، أو (سيد الأنثى) في نموذج الرواية الصحراوية التي كتبها الروائي الليبي المعروف ابراهيم الكوني .
في مقابلة معه على قناة الجزيرة في عام 2004 اعترف ثاني السويدي بأن الديزل قد صدمت القراء لجرأتها في تصوير بعض السلوكات في منطقة الجزيرة العربية، لكنه قال إن ثيمة الرواية كانت تدور حول أثر تنامي النفط على المجتمعات الصغيرة الموزعة بين ثقافتين .، وفيما كان تأثير الثقافة الجديدة ينحصر في نطاق ضيق ممن تشربوا قيمها، فإن الرواية هنا، تعنى بالثقافة الثانية التي انعكست في السلوك البوهيمي اليومي للأفراد حيث يأمل مؤلف الرواية أن يتبين القارئ تأثير هذه الثقافة في المجتمع الذي لم يتهيأ لها بعد والتي اعتنقها حتى الصميم، ولايزال يتلقى ضرباتها واحدة بعد الأخرى . وفي العمل الروائي يصرح ثاني السويدي أن بطلها يرفض التقاليد الاجتماعية المقيدة ويجاهد ليجد لنفسه موطئ قدم من خلال اختبار هذه الثقافة الجديدة والتعايش معها .
يصرح السويدي “إن هذه الرواية تستند إلى الثقافةِ الشفهيةِ التي وَجدتْ في المنطقةِ، ونحن لا نستطيع أن ندعي أنها نوع من الأدب الجديد، بل نقول بدلاً من ذلك إنها شكلت ثورة في رواية القِصص الشعبيةِ، وبعبارة أخرى يمكن القول إنها قدمت شكلاً جديداً في رواية القصص التقليدية أكثر من كونها رواية ترتكز على الفولكلور الشعبي أو التقليدي” .
والسويدي يعترف بأن ديزل لا تشير فقط إلى رفض القيم الأبوية، ولكن أيضاً للثقافة العامة التي كانت سائدة، ولجرعة الخرافات والسحر، وكل أشكال هذه الثقافة التي لاتزال مسيطرة .
ثمة تصوير شعري يقاربه مترجم الرواية بلوحة “أولومبيا” وهي المحظية العارية من رسومات الفنان مونيه التي كانت تفتن المشاهدين بسحر التعري وتجعلهم جزءاً من ذلك المشهد، والرواية بكل تأكيد تنشط سلسلة من الخيالات اللاشعورية التي يعكسها عالم البطل من خلال الأفراد والمجتمع بوجه عام .
لم تحظ رواية إماراتية بهذا الحشد من الناقدين كما لم تحظ واحدة من قبل بردود الأفعال والنقاشات والتحليل كما حظيت رواية “الديزل” لثاني السويدي، حتى إنها أثارت الكثير من الخلافات، ولاتزال حتى اليوم تلقي بظلالها على الكثيرين .
وقد اعتبرت منذ تلك اللحظة واحدة من الأعمال التي امتلكت فضاءات كافية من السرد الواعي في تاريخ الأدب المكتوب على مستوى منطقة الخليج، وأهمية الرواية لا تنطلق من اسمها ومضمونها فقط، ولكن أيضاً من مهارتها الفنية وجمال أسلوبها وسرديتها الممتعة وإقبال القراء على اقتنائها .
يشير “ويليام هوتكنز” إلى الفصل الأول من الرواية و”تلك الكلمات والجمل حيث عطر وأريج ذلك الرجل بلباسه التقليدي وهويته وعاداته في ذلك المكان الذي يعكس الدفء والسحر عبر ساحاته الفسيحة، وهو المكان الذي يصور مجتمع تلك البيئة قبل أن تتحول هذه البيئة بفعل التطور وتصبح أمكنة للقاءات كثيرة وحرة وعفوية من الوافدين الجدد .
ثمة إشارة إلى مكان الحدث الروائي وهو المسجد الذي يعكس جمالية خاصة بمعناها الروحي في الوعي الجمعي، وما هو مهم بالنسبة لهوتكنز هو ذلك المتخفي وراء القصة المسرودة، لقد تعمد المؤلف أن يفكك بنية عمله الروائي ويقدم أثر التجربة العربية التي استحوذت على صورة الماضي في أشكال من نمط الأستهلاك الجديد .
وهناك إشارة لما كتبته الناقدة فاطمة خليفة “يجاهد بطل الرواية الذي هو عبارة عن نمط فريد من نوعه والذي يحمل في داخله مجموعة من المتناقضات لكي ينبذ قيود المجتمع كما يسعى في الوقت نفسه لكسر التقاليد ويكرس نفسه لأهل قريته وإسعادهم من خلال صوته العذب ورقصه الجميل” .
ثمة ما هو مهم ويشبه الاعتراف الأنيق الذي يدل على ثقافة واسعة ومرنة بشأن ترجمة الرواية، خصوصاً في جزئها المتعلق بالمقدمة حيث يقول ويليام هوتكنز “إن المقدمة في ترجمة العمل الأدبي تشبه التعريف بغريب في حفلة إلى ضيف آخر بتقديم خلفية مجتزأة عن هذا الضيف لاقتراح نقاط تشكل أرضية لنوع من الاهتمام المتبادل” .
________
*(الخليج الاماراتية)

شاهد أيضاً

«نزهة فلسفية في غابة الأدب» في ترجمة عربية

بغداد- عن دار «المدى» ببغداد، صدر كتاب «نزهة فلسفية في غابة الأدب»، وهو من ترجمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *