الرئيسية / نصوص / كأن العراق أبي …!

كأن العراق أبي …!


نور الدين العلوي*

(  ثقافات )


مررت تحت غيمة حمراء في بلاد العراق..وكان التراب يصب في عين البشر الصامتين… بشر تحت غيم مخيم كالصمت على جبل أجرد لا تحط عليه الطيور. كأن رجال العراق جبال فقدت صوتها وبقي في غلطة انوفها شموخ قديم. شموخ يمر في الجينات فيخلد غلطة في الانوف وفي اتساع العيون…و صبرا لا يتكلم إلا قليلا ليقول لك…اخي مرحبا ..نورت العراق…رأيت في بعض العراق ابي …او وجدت من ابي في العراق غموض شامخ مستبد يخفي قلبه الحريري اللطيف ويخفي دموعه في الصمت الغريب. كأن ابي من عراق العرب.
نورت العراق يا عابرا لا يقيم وكيف يقيم في العراق من لا يحتمل عبوس الغيوم في سماء فقدت لونها . غيوم كأنها تتجمع فيه لتنطلق في كل اتجاه .غيوم كثيرة في سماء العراق تحيط مطاراته بغيمة شهباء كأنها غلاف على روحه الصامتة …وجدت في حزن العراق أبي وقد هده السكري…فنسي ان يضحك لعودتي و ظل يكتفي بالسلام الحنون..
أخي مرحبا في العراق …
في العراق ترى الجنود في كل مكان …لدى كل الجنود سلاح ولدي بعض الجنود كلاب وآلات لكشف المعادن والبارود والموت المموه في مناسف .. وقد يكون لدى العراق جنود لكشف النوايا لم يكشفوا اني أحب العراق كأني ولدت هناك وكأني فطمت هناك وكأني ذاهب لأموت هناك ربما اخفوا انهم عرفوني فما كل جنود بالعراق غزاة .
في غموض العراق يمكنك أن تختلي بالعراق وتقبل في حديقة النزل بعض تراب العراق. هو أمر يشبه فعل صلاة لا يهمك أن يوثنها بعض كتاب التقارير والسلفية. انزل على ركبتيك فوق تراب العراق الاسمر لا ترفع التراب اليك بكفيك اللذين ضخخت به عطور الصباح القوية ..انزل جبينك في تراب العراق وقبل ترابه تلك صلاة صديقة للعراق.
مرحبا بك في العراق . كان العراق أب صامت من ألم
سر في بغداد المكابرة ستحس أن العراق كهل قديم كسرت ضلعه في معركة انقاذ بناته من عصابة في الطريق عاد بهن حزانى وعاد بضلعه مكسورا يخز ضلعه رئتيه ويصمت … نزيف الى الداخل العراق كهل صامت في شموخ ويمس جرحه ويضغط أن لا ينزف الى الخارج كي لا يرى ضعفه مكابر هذا العراق الغريب مكابر كأنه يمنح ربوبية من عنده للمكان.
هل صدفة أن أبا الانبياء عراقي … “كان ابراهيم أمة” ولعله كان أمة من عراق فترك العراق أمة في الشعوب. كأن العراق ابراهيم الخليل كأن العراق إله كأن العراق أبي ولا أشرك بربي أبا وإن جاءني من العراق لكن العظيم عظيم. لكنه موحد صامت في صمته تقرأ الشهادتين وتسمع نشيج جريح كسير مكابر ويخفي عن بنيه دموعه كي لا يرى ضعفه وكي يستمر في دفع الغيوم عن سماء العراق.
ذهبت الى العراق بالصدفة خائفا اتوجس ..فلم أجد منه إلا هلا بيك هلا بالحبيب اخوي اش لونش اش لون اهلش والعيال ..بيش العراق نور وزاد …هلا بيش يا الغالي …نورت العراق
فرأيت تراب العراق يكشف سمرتي فقلت بصوت خفيض من خجل الادعاء أنا من تراب العراق سمرتي من هناك عيني وانفي و حيرتي وعيني من أم عراقية. أم عراقية من بني عرب العراق القدامى عيناها بحجم خطوة غزال شريد وأنفها عال كسيدة ولدت من تراب العراق وأبي اسحم كريش الغراب وله عين صقر طائر للصيد انا عراقي من تونس العرب الصغار ولدت هنا لأكون هناك عراقي الهوى والمقام
العراق عجيب كأن العراق غيمة غاضبة بلون القهوة السادة ملفوف في أول القرن بغموض غريب يبتسم ويرحب لكنه لا يتبسط في الحديث ولا يثرثر..يشعرك بكرم المائدة ولا يغنيك من كرم الحديث… يملا حقيبتك بالكتب لكنه يقل الحديث عما به من جروح…مكابرة أو توجس لقد مر لصوص العالم من تراب العراق ويحق له ان يتحفظ في الحديث عن همومه للعابرين.
العراق حالة فخر .. العراق يضعك في الحالة العاطفية التي تريد مغرورا مستبدا او متصوفا ربانيا ..يكفي أن تسير في الطرقات الوسيعة أو أن تدخل مقام الشيخ عبد القادر أو أن ترنو الى مقام الكاظم أو تلتقط صورا في الاعظمية. العراق رب العقل الدنيوي حيث كتبت اكثر الكتب حصافة يمكنك أن تدعو اليك الفرابي أو تزيد اليه علوم اللغات لكنك تنتهي الى ابي نواس يلبي لبيك اللهم لبيك. فتدخل في العراق حالة وجد … تفتح على فرح صاخب أو دموع غزيرة …لا وسط في العراق جحيم مقيم أو جنة وارفة أما الكرسي بين الحالتين فليس حالة عراقية.
من انتم ؟
لم انتم طيبون جدا ولا تضحكون كثيرا أو تضحكون بلا قهقهة ؟ كأن الضحك عندكم بحساب ؟ هل يثقل التاريخ اكتفاكم أم أن اللحظة كدرة كلون تراب العراق هل انعكس لون التراب على اكثر من سمرة الوجه العراقي ؟
التاريخ يثقل خطو العراق في المقام الحزين …فكان الغناء يسير الى الخلف ايقاع يرد السامع الى حزن البدايات حيث نزف العود روحه في الحواري التي دمرها المغول مرتين.. تسلمك الموسيقى الى عراق حزين كأنه فقد الولد أو هو يخفي فرحه في مكان لا يراه العابرون. أي قوم يحتملون كل هذا التاريخ العجيب …حيث ما التفت وجدت اثر امبراطورية تتنفس وتماثيل وثيران تطير ؟ وقصائد على كل البحور ؟ من انتم ؟ هل عرب انتم أم كرد أم تركمان أم انتم كل العراق وقد تجمع في متحف واحد يتنفس ؟
أعجزني عبور العراق الى كنهه…هذا العراق غامض وصبور كرجل كبير صامت من قهر قديم قهر يميت صاحبه أو يفجر المنطقة كلها ..فتنير سماء العراق الشماريخ ويبتسم ذلك الغموض في وجه رجال العراق و تخرج ماجداته للطريق …اذ لم أر بالعراق نساء.


* روائي وأكاديمي من تونس

شاهد أيضاً

شرفات التنهيدة

خاص- ثقافات *عبد القادر صيد لما شرعت نسمات السلو في الهبوب من على شرفات النفس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *