الرئيسية / قراءات / ليلى العثمان والردّ بالرواية أو.. لماذا لم أرسل إليها رسالة اعتذار؟

ليلى العثمان والردّ بالرواية أو.. لماذا لم أرسل إليها رسالة اعتذار؟


* عقيل عبد الحسين

(ثقافات) 

يتحدث سعيد يقطين (الرواية والتراث السردي، 185) عن الحياد القائم على التوتر الذي يميز كتابة ابن اياس (صاحب كتاب بدائع الزهور في وقائع الدهور) وكما شخص ذلك الغيطاني، فيقول: إنه، أي الغيطاني، تشرب هذه الطريقة ومارسها في كتابته.
وسأعلق على هذا التشخيص مقالتي هذه بخصوص سرد “المحاكمة” (دار الآداب، طبعة 2009) لليلى العثمان فهو يقوم على التوتر المستمر:
على مستوى علاقة الراوي بالعالم الخارجي الذي يرفضها كلّياً بوصفها على حد رأيهم داعية فسق وفجور. وتقريباً العالم الخارجي لا حدود له فهو يبدأ من نواب في الحكومة الكويتية ويصل إلى بيتها ممثلاً بابنها الإسلامي النزوع، 
وعلى مستوى علاقة الراوي بالذات التي تعني الخوف والترقب والقلق المستمر يقظة ونوما. 
فالتوتر كما يبدو حيلة سردية مُتقنة الغرض منها: 
جذب القارئ الى موقف الكاتب من العالم. للإنتصار لموقفها العام ولجهتها ضد خصمها مُمثلا بالمتخلفين ودعاة الظلام وكبت الحرية. 
التعبير عن الذات وسبر أغوارها العميقة بجرأة لا تتوفر إلّا لكتّاب كبار يعرفون ما يفعلون ويؤمنون بدورهم كلّ الإيمان، فليلى الشخصية في “المحاكمة” تتحدث عن أحلامها الممنوعة في الحب والجنس وتتحدث عن دورة الرغبة.
يولد التوتر العظيم المُصرح به، في هذه الحالة حياداً مهماً للكاتب الذي يحاول أن يبرهن للقارئ على أنه لا يتبنى موقفاً خاصاً ولا يريد الدفاع عن نفسه ولا يسعى إلى إيجاد حلّ لمشكلة فردية بقدر ما يعبر عن موقف ثقافيّ وإنسانيّ، ويُحذر من تراجع خطير في القيم الثقافيّة سيكون له أثره السيء على المجتمع عامة، وليس الأنثى فقط، أو تلك التي تعي حقوقها وتطالب بحريتها على وجه التحديد.
وعلينا ان نفهم التوتر في رواية المحاكمة على أنه المسافة الكبيرة الواسعة بين قطبين مختلفين جدّاً، ولا يمكن أن يلتقيا أبداً إلّا افتراضياً (حلمياً) أو حكائياً (عاطفياً حيث تُولد الأولى الأثر العاطفيّ نفسه على الشخصية رغم اختلافهما).
فقه الإهانة:
ينشأ التوتر أصلاً عند إحساس الشخصيّة بالإهانة من مجتمعها، أو نظامها المدنيّ والقانونيّ، أو متلقيها وبسبب إساءة الفهم منهم لقصصها بوصفها قصصاً ورويات لها مقتضياتها التعبيرية الخاصة، ولها مراميها الإصلاحية والإنسانية البعيدة والقريبة، ليتم الخلط بين الراوي في القصة والروائي أو الكاتب، مع أنهما لا يتشابهان ولا يلتقيان، وليتم التعامل مع ما تقوله الشخصيات القصصية على أنه تصريح صريح من الكاتب بارائه ومعتقداته ومحاكمته على أساس مجافاتها للقيم أو المعتقدات التي يعتنقها المجتمع. ليتم ازدراء الشخص والإعتداء عليه ومهاجمته وتحقيره وصولاً إلى محاكمته واحتمال معاقبته بالسجن كما في حالة ليلي العثمان في عرف وقانون يقول: إن من يخالف بالتفكير والكتابة ما يعتقد الأكثرية أنه مقدس يستحق العقاب.
ستحس الذات حينذاك أنها هدف للتنكيل والبطش من معظم الغرباء ومن الآخرين الماديين والمعنويين، أي من الأشخاص والقانون وممثليه ومن التقاليد والدين، وستكون عند ذلك قلقة ومتوترة وغير قادرة على الإنسجام مع العالم المحيط بها وعندها (منطقياً) لا تستطيع أن تكون حيادية في أفعالها ومواقفها من المحيط وفي سردها. ولكن في حالة ليلي العثمان فإنها في الغالب كانت تقيم سردها على توسيع وتعميق التوتر والإستفادة منه في أقامة دلالة حيادية تصلح درساً لكل قرائها، المحليين وغيرهم.
الدين والحُلُم:
ينطلق محركو الدعوة ضد العثمان من تعارض ما تكتبه في قصصها وروايتها مع الدين الإسلاميّ. وهم إسلاميون متشددون. فالفجوة إذن في الإدعاء المقام ضدها بالأساس تتكون من مفارقتها فيما تكتب للنص الديني. وهذا يعني أنها مُتهمة بالكفر. وهو ما يتطلب من الرواية أن تردمه بالسرد لتدحض الإدعاء أوّلاً ولتحول التوتر إلى حياد مريح نفسياً للراوي. ومن الناحية الدلالية مُنتِج لدلالةعامة تقول: إن العلاقة مع الدين ورموزه إنّما هي علاقة فردية، وفي الغالب موجودة لدى أغلب المسلمين. ولكي تحقق هذه الأمور لا بدّ من اللجوء إلى الحُلم بوصفه خطاباً الآهياً أو خارجياً لا يدّ للراوي فيه، وإنّما هو يستلمه كما هو ويرويه، مؤكداً على أنه راه، ولم يختلقه لكي يقنع الآخرين ببراءته وصدق نيته. فليلى تحلم بشخص يزورها في حلمها قائلا لها إنه النبيّ وإنها حامل وستلد نور. فتفسر الحلم بأن زوجة ابنها ستحمل، وبالفعل يكون ذلك، وسيكون اسم الوليد نور، وإنها ستخرج من محنتها بالبراءة. 
على المدى السردي لا يتحقق من الحلم شيء فجنين الابن يجهض والمحكمة لا تبرئ الكاتبة بل تأمر بسجنها لشهرين وكفالة الف دينار كويتي يتوقف تنفيذ الحكم بتسديدها. ولكن على المدى الدلالي يؤدي الحلم وظائفه فهو يحيد الكاتبة ويدمجها بالمجموع المؤمن بل فائق الايمان الذي يمتلك القدرة على رؤية النبيّ وتلقي نبوئاته.
الذكوريّة وأحلام اليقظة:
هناك توتر عام يتمتع به السرد النسويّ عامة ويتبناه لإقامة عوالمه وسردياته، يتمثل في هيمنة القيم الذكوريّة وما يصاحبها من تصميت للمراة وتشكيك فيها وتقليل من شأنها. وهو موجود في رواية “المحاكمة” تستغله ليلى العثمان بذكاء كبير لزيادة مساحة التوتر التي يستعين بها السرد لإقامة المواقف وإحدث التأثير في القارئ. ولمواجهة الإتهامات الموجهة إليها. فهي تُعبّر عن الحياة الإنسانية وعن طبيعة النفس الإنسانية ولا تتبنى قيما مجردة تُبشر بها. وهي في ذات الوقت تعبر عن الأنثى كإنسان تام من حقه أن يرغب وأن يحس وأن يعبر بوضوح عن كلّ ذلك. ولا بدّ أن تبدأ بنفسها، وتسرد أحلام يقظتها بفارسها الذي يشبع رغباتها ويروي عطشها ويعيد لها، تخيلاً، هذا الجانب من إنسانيتها، المهدور بسبب السياسة فزوجها وحبيبها الفلسطيني تضطره السلطات إلى مغادرة البلاد بعد حرب الكويت فيضطر إلى تطليقها ويغادر لتظل وحيدة تعاني ما تعاني من دون شريك. إنها مسافة توتر كبيرة بين الواقع والرغبة ولا بد من الردّ عليها بحلم اليقظة الذي يجب أن يكون مصرحاً به سرديّاًّ في الرواية.
العدو والفضح:
يشكل احتلال العراق للكويت نقطة فارقة في العقل الكويتي عامة وفي الوجدان الأدبي خاصة. وهي نقطة توتر كبيرة مع ما بعدها، فهل تهملها رواية كالمحاكمة؟ بالتأكيد لا. فهو – الإحتلال – كلحظة كبيرة في حياتها ينتمي إلى فقه المهانة العربي العام والعراقي خاصة الذي يُزاول تجاه الخليجين والكويتيين تحديداً بوصفهم أقلية عددية ثرية فارغة العقل والإحساس، ضعيفة وسكيناً في خاصرة العرب غرزها الغرب الإمبريالي، أي انهم أعداء العروبة والإسلام وهو ما يبرر احتلالهم ومعقابتهم (وهو ما يحدث مع المرأة ومع ليلي العثمان حاليا). وهو فعلياً يمثل تسلط مجموعة من العسكر المُدججين المُحتلِين على السكان المدنيين ومصادرة حقّهم بالحركة والعيش دون مبرر. فليللى العثمان تستذكر إهانة جندي عراقيّ لها بالقول، بعد أن تقول له إنها كاتبة: أستطيع أن أدوس رأسك ببسطاري! وهي إهانة توازي إهانتها اليوم على يدّ محاكميها حيث تقف أمامهم لساعات ويمنعونها حتى من الذهاب إلى الحمام. وفي الحالتين تأتي مرارة الإهانة من عدم القدرة على الرد بالفعل، فهي تصمت. وإن كانت مدعاة لتوليد المزيد من السرد.
ترد العثمان من خلال التوتر الشديد بين الذات والعدو مُحتَلاً او مُصادِرا للحرية بالتعبير وبالفضح والسرد مُستغلة شناعة الإحتلال ولا إنسانيته للتدليل على أنه موازٍ في ذلك لما يقوم به الظلاميون في بلدها اليوم. 
فهل يمكن أن يتشابه وضع الانسان الكويتي تحت الإحتلال ووضعه تحت سطوة القضاء بعد الحرية؟ نعم، بل قد يتطابقان في الحكاية التي تلجأ إلى الفضح العاطفيّ النفسي ّالذي يثير القارئ وينبهه إلى خطر الفكر الظلاميّ الذي قد يُحدِث من الخراب أضعاف ما أحدثه الإحتلال.
إذن في الحالات الثلاث السابقة قرّب السرد بين قطبي التوتر المتباعدين (الدينيّ واللادينيّ، والعام والخاص، والإحتلال والحرية) مواءمة (في الحالة الأولى) ومطابقة (في الثانية) ومشابهة (في الثالثة). لإثارة الإنتباه، ولإظهار الحياد. فموقف الكاتبة ليس موقفاً فردياً وإنّما هو موقف عموميّ وحياديّ. وما تقترحه من حلول إنما ينطلق من تلك الحيادية. ويؤثر في القارئ بناءً عليها.
هامش اخير:
لقد نجحت الكاتبة في إقناع القارئ بحياديتها، رغم مساحة التوتر التي تظهر في العالم الروائي، والتي كانت – لولا آليات الحلم وحلم اليقظة والفضح – ستحول الرواية إلى شكوى وعويل متواصل، الأمر الذي جعل قارئاً خارج مجتمعها، قارئاً عراقياً مثلي، يتساءل عن أخلاقية العدوان. ويُفكر في الإعتذار للكاتبة برسالة على حسابها في الفيس بوك (رغم أنه لم يفعل). وهذا يعني أن الرواية نجحت في تحقيق غاياتها الأساسية. فلماذا يُحاكم المُختلف كاتباً أو امرأة؟ ولماذا نمنع الآخرين حقّ التفكير والتعبير والإعتقاد والحُلم والإحساس؟ ولماذا نحتل أوطان الآخرين؟ وهل علينا أن نعتذر (المدّعين على ليلى العثمان ومجتمعها، ونحن العراقيين؟) والسؤال الأهم بالنسبة لي: لماذا لم أرسل إليها رسالة اعتذار؟
__________________
* كاتب وناقد من العراق 

شاهد أيضاً

“غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني” لأباهر السقا

خاص- ثقافات صدر حديثاً عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية كتاب “غزة: التاريخ الاجتماعي تحت الاستعمار البريطاني، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *