الرئيسية / نصوص / حارس الليل

حارس الليل


* اشرف الخريبي

(ثقافات)

القط الذي كان أليفا عندنا في البيت هاج مرة واستلذ البقاء علي وجه ابنتي الوحيدة
كان يداعبها ثم يفاجئها بأظافره الحادة على عينيها فصارت تفزع في الليل وتضرب وجهها بعنف كأنه لم يزل يسكن هناك. تصرخ بخوف هائل ويرتج كل جسدها الصغير أحضرت لها الطبيب فاتهمته بأنه القط ولكنه غير جلده إلى البياض..
ابنتي التي أحبها تعاني من الألم ولا تنام ولا تهدأ ولكنها تستكين في أجفاني دوما وطيلة الليل في صراخ لا يمل التعب ولا يعرف السكون.رغم الإرهاق البادي على جسدها النحيل.. ولكنها في النهاية ماتت.
نعم ماتت من الحسرة.
القط الذي كان أليفا عندنا في البيت..نام في أحضان زوجتي ،وأحس بالدفء فاستكان ومدد قدميه وتمطى في هدوء على فخذيها العريضتين.كنت غائبا وقتها عن البيت..
القط أخذ يمد فمه في هدوء يتسرب بخفة إلى صدرها ثم انه انثنى بجسده اللولبي إلى ثدييها.حتى أمسك بالحلمات والتقطها وبدأ يسحب منها، يشد في نهم من ذلك الحليب الصافي وزوجتي في رضا تام.شعرت امرأتي كأنه القط ابنتي وأبقت عينيها مغمضتين لفترة طويلة. كان القط قد انتهى من كل شيء.
عندما مدت يدها لتتحسس البنت التي ماتت اكتشفت شعره الكثيف، فتحت مقلتيها في فزع.. لكنها لم تستطع..كان كل شيء في البيت هادئا والأضواء مطفأة والأبواب مغلقة ونحن في منتصف الليل تقريبا.لم تستطع..تحسست بيديها يديها وصدرها وقدميها، توقف لسانها عن النطق إلا من حرف علة لا يمنح شيئا.كانت أفاقتها تعني إغماءة طويلة.هرولت إلى السلالم دون وعي
وسقطت ..سقطت من الفزع وراحت في غيبوبة طويلة.جاء الطبيب يرتدي نفس البالطو الأبيض في ردهة المستشفى. كان في عينيه نفس الحسرة والألم،ونفس التشخيص يحمله في يده.وباليد الأخرى يخبط على كتفي.
القط الذي كان أليفا عندنا في البيت يرفع ذيله لأعلى ويتمطى حين يراني
ثم يقف علي قدميه الخلفيتين مستعدا لالتقاط ما في عينيّ من ألم وأنا لا أستطيع النظر في عيونه الطولية.كانت صورة زفافنا معلقة على الجدار المقابل، سحبت الكرسي المتهالك وتهالكت عليه.كنت بمفردي معه في البيت ولا أستطيع الغياب.لم يكن أمامي سوى كسرة من خبز ناشف. وبقايا من تعبي في مواجهة ذلك القط الكبير الذي يسكن معي ليل نهار.
____________
* قاص وروائي من مصر

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *