الرئيسية / قراءات / تناقضات الحرب في “طبول الحب” لمها حسن

تناقضات الحرب في “طبول الحب” لمها حسن


*
في روايتها «طبول الحب» الصادرة حديثاً وتقع في 187 صفحة من القطع المتوسط، تتناول الكاتبة السورية المقيمة في فرنسا مها حسن، قصة حب «عصرية» تجري عبر الفيسبوك لتنتقل إلى موضوعها الرئيسي وهو الحرب الدائرة في سوريا.

بطلة الرواية الصادرة عن دار «الكوكب.. رياض الريس للكتب والنشر» في بيروت، تميل عواطفها إلى المعارضة السورية وتحمل بشدة على النظام الحاكم لكنها تسعى قبيل نهاية الرواية إلى إبراز وجهات النظر الأخرى لتصل مع بعض شخصياتها إلى القول إن الملامة تقع على الطرفين وإنه لا حل في الأفق إلا بنوع من الحوار يؤدي إلى إنهاء القتال والموت، إلا أنها تموت في النهاية خلال زيارتها لحلب في سوريا وهي على ميلها إلى «الثوار».

بطلة الرواية ريما بكداش خوري التي اتخذت في البداية اسم ايزابيل صباغ على الفيسبوك خلال أحاديثها مع من تحب اسمها مركب تركيبة «وطنية» بمعنى أنها تأتي من أم مسيحية وأب مسلم سني. وقد سعت مها حسن إلى أن تكون البطلة ذات علاقات جيدة مع جميع ألوان الطيف الاجتماعي السوري من الناحيتين الطائفية والاثنية فلها صداقات ومحبة هنا وهناك وهنالك. والدها أستاذ جامعي لعلم النفس ووالدتها مخرجة سينمائية تهتم بالوثائقيات الإنسانية الهادفة. تزوج الاثنان بعد قصة حب على رغم المعارضة خاصة من بعض أفراد عائلة الزوج.

كانت ريما ثائرة منذ البدايات. أحبت شاباً مسيحياً يدعى انطوان وأقامت معه علاقة وتزوجته بعد الهجرة إلى فرنسا للدرس لكن العلاقة لم تدم أكثر من سنتين. إلا أن هذه العلاقة أغضبت والدها الذي لم يردها أن تتزوج هذا الشاب لا لأنه مسيحي بل لأنه كما يقول الوالد شخص لا يعتمد عليه.
أدى الأمر إلى انقطاع العلاقات بين الفتاة وأهلها طوال عشرين سنة أمضتها في باريس أستاذة في جامعة السوربون. كانت تعيش في شبه عزلة وفي حال من الجفاف العاطفي وليس لها إلا كلبتها التي تؤنس وحدتها. وتقول إن التجربة التي أمضتها على الفيسبوك تستحق كتاباً مفصلاً من حيث الخبرة الكبيرة التي حصلت عليها. وتضيف «الفيسبوك صنع حالة ديمقراطية في المجتمع العربي بحيث وجدت المرأة مكانها فيه كما للرجل فراحت تعبر وتحكي عن يومياتها وانطباعاتها وأفكارها وتطلعاتها وهمومها».

تتعرف إلى يوسف سليمان عبر الفيسبوك وهو محام سوري معارض يعيش في سوريا وينشط في مجال معتقلي الرأي ومجال التظاهرات وأعلام الثوار. تقول «الحب عبر الفيسبوك أو الارتباط العاطفي والتعلق بشخص لم نره من قبل. إلى أي حد يمكن أن يكون ما نحياه حقيقياً وإلى أي حد هو مزيف وخيالي. ما عشته مع يوسف ليس مجرد عاطفة قوية وإدمان يومي بل كان بمثابة استعادة مفهوم الوطن… كنت وكأنني مت بالنسبة إلى أبي وأمي. لكن يوسف وخلال السبعة عشر شهراً تقريباً التي استمرت خلالها علاقتنا الافتراضية أعاد لي مفهوم الوطن… خلال سبعة عشر شهراً ردم يوسف هوة العشرين سنة من الانفصال عن الوطن». صارت تعرف عن كل نواحي الحياة حيث تقول «كأنني في دورة تدريبية للتعرف إلى سورية بعد عشرين عاماً من رحيلي… أحسست وكأنني أحتضن كل سورية بين ذراعي».

ومن خلال إصرارها على الاطلاع على حال السوريين تقول مستنجدة برواية «زوربا اليوناني» للكاتب نيكوس كازانتزاكي «السوريون يرقصون رقصة الموت الزورباوية.. يدفنون الموتى ويخرجون إلى الساحات للرقص.. يعقدون الدبكات ويرقصون ثم يسقطون جثثاً هامدة» كانت تقول ليوسف إنها ضد عسكرة الثورة. «لا لعسكرة الثورة… أنا ضد كل ما هو تسليح وعسكرة وعنف. العنف يجلب العنف وتسليح الثورة يعني أن يقتل السوري أخاه السوري».

وكان هو يسخر مما يسميه مثالياتها. وأخيراً قررت أن تعود إلى سوريا في إجازة لمدة أسبوع لتطلع فيها على الأمور على الأرض. وفي دمشق كادت تتجه إلى فندق إلا أنها اتصلت بمنزل أهلها سائلة إذا كان مرحباً بها فقوبلت بعاطفة جيّاشة اختلط فيها الحزن بالفرح. أبوها لم يكن يشاطرها أفكارها وقال وهو هنا يمثل الرأي الآخر المضاد للثورة أنه لا يسمي الثورة ثورة بل «فوضى.. جنون.. احتجاجات غير واضحة الأهداف» مبدياً تخوفه مما قد تجلبه معها من تشدد إسلامي. يضيف الأب «أنت بالذات ريما يجب أن تستحي من هذا الكلام. أنت جالسة هناك بعيدة تسمعين كلام الغرب عن حقوق الإنسان ولا تعرفين حقيقة ما يحصل هنا». وتوتر الجو بينها وبين أبيها إلى أن تدخلت الأم فخففت من حدته.

وقال إنه لا يدافع عن النظام لكن «بين الاستبداد السياسي الذي نحياه والاستبداد الديني الذي سيعيدنا إلى القرون الوسطى ويجردنا من بعض ما حصلنا عليه في ظل أنظمة ديكتاتورية لنقع في فخ ديكتاتورية أكثر إرهاباً فأنا أفضل الديكتاتور الحالي». خالفته الرأي لكنها أحسَّت بأنها تحبه.

اجتمعت إلى أصدقاء ومعارف وإلى شبان وشابات من الناشطين في العمل السياسي من مختلف الطوائف وجلهم من خصوم النظام الحاكم. وبعد وقت تتصل بيوسف ويتواعدان على اللقاء. كانت هناك تظاهرة كبيرة ضد النظام. اتصلت به تليفونياً ورأته ولوّح كل منهما للآخر واتجها إلى الالتقاء. هنا تقول آخر كلماتها «أقفلت الخط ورفعت يدي بالهاتف ألوح له. رأيت يوسف للمرة الأولى في حياتي… ها هو يقترب مني… وفجأة شعرت بسائل ساخن يخرج من رأسي. رأيت يوسف يقطع الشارع نحوي… لكنني هويت قبل أن يصل».
___________
* (رويترز) 

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *