الرئيسية / فنون / فصل الكركدن بيان شعري عن عصر سينما الحقيقة

فصل الكركدن بيان شعري عن عصر سينما الحقيقة


*عبد السادة جبار

ما يمكن أن نسميه بالتأثير السيكولوجي عبر السينما؛ لا يتحقق، غالبا، في قدرة هذا الفن على طرح الوقائع وتفاصيلها الباردةاحيانا بصدق، بل في القدرة على ان تبدو كذلك، ولهذا فلابد من الاختزال في الاحداث والزمن لتخسر الكثير من الحرية الفضفاضة، ومن هنا فان القص بالضوء يكون ايسر على المبدع عند تناوله قضية بزمن قصير وحدث غير متشعب، والمشكلة تكمن في ان هذا الفن ابتدأ بالوهم ليكون مقنعا، فكان عليه ان ينسج الاحلام ليصنع منها وقائع وهمية أو ممكنات، لان هناك رغبة شديدة عند اغلب المتفرجين في الهروب من الحقائق نحو الأكاذيب، تماما كمن يعشق النوم من اجل الأحلام ليهرب من مشاكله التي لا يجد لها حلولا، وهي حالة من التخدير، فالناس تمضي الى صالات السينما لترحل مع الخيال، وتحقيق المتعة عبر الكذب الجميل، وقد يبدو بعضها مكررا، لكن أسلوب الطرح او التناول عن طريق الصورة، هو الذي يدفع الناس ويشوقهم للتحديق طويلا في الشاشة، البعض خرج عن مألوف هذا الفن المخترع ليصنع افلاما معاكسة تماما لهذا المفهوم، اذ اوقظ النائمين وخرب احلامهم ليدس عيونهم في الواقع ليس فقط كما هو، بل يرحل بهم الى اعماقه نحو جذور المآسي، ومن هنا اكتشف بعض المخرجين العمالقة هذه الحقيقة، فكانت تجاربهم الثرة سعي للتخلص من هذا الوهم وتصحيح مسارات هذا الفن الى الاتجاه المشاكس، كمحاولة لبناء تأثير سيكولوجي جديد.

المخرج الكردي الايراني ” بهمن قوبادي” واحد من هؤلاء، فنقطة بدايته كانت بإخراج سلسلة من الافلام الوثائقية القصيرة، من خلال نهجه الفطري في صناعة الافلام، وفي فترة قصيرة حصل قوبادي على شعبية في ايران.
طور قوبادي اسلوبا خاصا به, وكانت القفزة الاقوى في فلمه الطويل ” الحياة في الضباب عام 1999 ” وقد حققت أفلامه نجاحاً جماهيريا وتجارياً ملحوظاً في الأسواق الأوروبية والأميركية مثل فيلم “زمن الخيول المخمورة “إنتاج 2000وهو أول أفلامه الروائية الطويلة الذي فاز بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان عام 2000، و”السلاحف يمكن ان تطير” إنتاج 2004, و”نصف قمر” 200, يحكي قصة رحلة الموسيقار الكردي مامو من إيران إلى إقليم كردستان العراق، لإحياء حفل موسيقي بعد سقوط النظام السابق، وفيلم “لا أحد يعرف عن القطط الفارسية” 2009، وقد تسبّب هذا الفيلم في منع قوبادي من دخول إيران بعد النجاح الذي حققه الفيلم في العديد من المهرجانات العالمية، خصوصا مهرجان كان وقد صور الفيلم في طهران ويحكي عن صبي وفتاة يخرجان من السجن ويسعيان لتشكيل فرقة موسيقية سرية، ويلتقيان بعدد من الفنانين والموسيقيين الذين يعملون بالسر، وبعد تقديم عدد من الحفلات تسعى الفرقة للحصول على جوازات سفر بأي طريقة؛ للمشاركة في مهرجانات موسيقية في لندن وباريس، قوبادي يختار دائماً لأفلامه قصصاً تدور حول مواطنيه الأكراد والثقافة الكردية.
تجربة مبهرة 
يستخلص قوبادي في افلامه السابقة الشعر من الصورة، فهو يحاكي الواقعية الشعرية بتناغم تصويري ودرامي يتفجر الشعر في اللقطات القريبة والبعيدة متجاوزا سلاسة القطع السينمائي والمونتاج التقليدي, فيلم ” موسم الكركدن ” تجربة مختلفة تماما ومبهرة، حيث تخرج السينما من الشعر او يخرج الفيلم من القصيدة، لكنه لا يتجاوز الحكاية بل يرتكز عليها فهو ليس مخرجا شاعرا يصنع قصائد سينمائية تخترق الحكاية او تغادرها بعيدا، بل اختار موضوعا عن حياة شاعر يعيش ملحمة حياتية تراجيدية قاسية تدمر كل آماله بسبب وشاية انانية من شخص مريض، ومن هنا يستهلك الشاعر روحه بالشعر، ويسمو بها المخرج بصور قص المأساة.
الفيلم مبني على حادثة واقعية مستوحاة من مأساة الشاعر الكردي الشيوعي صادق كمانغار، الذي سُمِّي في الفيلم ساهل فرزان، حيث أمضى في السجون الإيرانية 27 عاماً، قبل اغتياله في العام 1989 في العراق، وهو ضحية وشاية، حاول الفيلم أن يوظف قصة حب، ومأساة اعتقال، تعرض لها شاعر ” ساهل ” الممثل الإيراني بهروز وسوقي و زوجته ” مينا ” الممثلة الايطالية مونيكا بيلوتشي إبان الثورة الإسلامية في ايران؛ بتهم سياسية نتيجة وشاية من السائق ” اكبر ” الممثل التركي يلماز اردوغان، بسبب حبه المجنون لمينا ومعاقبة ابيها له عندما كان عقيدا في الجيش السابق، يصبح أكبر شخصية مهمة بعد الثورة، وفي السجن يطارد اكبر مينا (ولم يزل ممسوسا بعشقه المريض) لأقناعها بالزواج، وبعد ان ترفض يدبر مكيدة لقاءها لزوجها في السجن ثم يغتصبها، وبعد قضاء 10 أعوام في السجن تفرج السلطات الإيرانية عن الزوجة مع طفليها الاثنين الذين ولدتهما في السجن، لكن اكبر يظل متوسلا بها ليصبح زوجا لها تحت ذريعة ان الطفلين يمكن ان يكونوا من صلبه، وتقرر مينا الهجرة إلى إسطنبول بعد اعتقادها أن زوجها الشاعر قد تمت تصفيته، يخرج الشاعر من سجنه بعد ثلاثين سنة للبحث عن زوجته .
الانتقام وخلود الشعر
ومن هنا يبدأ الجزء الأهم من القصيدة-الفيلم، “لقد أطلقوا سراحك.. لقد فتحوا الأرض وغطوا آثارك .. أعلنوا موتك .. سواء كنت حيا اوميتا ..لا احد يعلم بك..” الوشاية ..السجن ..فقدان الحبيبة..الاغتصاب ضياع الأسرة ..ضياع العمر..هذا يعني نجاح المؤامرة ضد الحب والشاعر والزوجة، ونجاح النفس المريضة في الوصول إلى غاياتها، يكتشف الشاعر بؤس حياة عائلته في اسطنبول، تجبر البنت،الممثلة التركية “بيران سات”، على العمل بائعة هوى بسبب ظروفها القاسية، نتابع عجزه في كشف هويته لزوجته، التي تمتهن وشم أشعاره التي حفظتها على ظهور زبائنها، يراقبها في شوارع المدينة ويقترب من البنت والولد ويدرك مآسيهم، لكنه لا يملك غير أشعاره ،كان يجمع المآسي في داخله ليحولها إلى قصائد تؤجج في روحه الانتقام، يختزل ذلك بتصفية الكائن المريض المدنس ويمحوه ليموت معه ويخلد مع أشعاره. 
أدوات المخرج هنا القصائد والصورة والوجوه، كلها تتلو الشعر مع أجزاء من الحدث، فهو يعتصر الحدث بكم هائل من الصور، ومقاطع شعرية كأنه يكثف المآسي، هو يرددها في الفضاء والبعض الآخر بصوت الزوجة، ثم يتداخل الواقعي مع الرمزي مع السوريالي، حيث نستمع إلى صوت الشجرة التي تحدث عنها الشاعر وهي تتلو بعض أبيات القصيدة، لينقل لنا إيحاءات كان يؤكدها لزوجته: إن الأشجار هي التي توحي إليه، 
المخرج لايهتم للتسلسل الطبيعي للحكاية, ويؤثر المونتاج الشبكي لينسجم مع الصور والاشعار فالحكاية لا تعنيه كثيرا وللمتلقي ان يكملها كما يشاء، يثير المخرج الشك الكامل، وهو الحقيقة الوحيدة التي يقدمها، وهنا تتضاءل قيمة الحكاية في مقابل قيمة المعنى الوجداني، لتتخذ السينما الحقيقية طريقا غير الوهم الذي تلهث وراءه شركات الإنتاج.
وبغض النظر عن معنى الحكاية والاهداف السياسية التي ساعد الانتاج الخارجي على توظيفها في الفيلم، فان بهمان قوبادي يبشر بسينما حقيقية، تشكل تجديدا ينسجم مع المتغيرات العصرية وتقدم الوعي لدى الشعوب.
____________
الصباح الجديد

شاهد أيضاً

فريدا كاهلو.. شريط ملوّن حول قنبلة

*أسامة فاروق في أحد المنتجعات السياحية الفاخرة المنتشرة على طول الساحل الشمالي المصري يطل وجه فريدا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *