الرئيسية / إضاءات / سيرة جديدة لحياة تينيسي وليامز

سيرة جديدة لحياة تينيسي وليامز


* تيودور دالريمبل/ ترجمة : أحمد فاضل

هو رجل كان يرى المأساة الإنسانية بشكل واضح ، ولأنه لا يستطيع الفكاك منها فقد حاول مقاومتها كما يعتقد للخروج من الحالة المثبطة التي كان يعيشها والظلم المستشري حوله ، هذه المقدمة جاءت لتضع تصورا لما كان يعيشه ويعاني منه تينيسي وليامز الذي توفي قبل 30 عاما في أحدث سيرة ذاتية عنه كتبها الكاتب الأمريكي جون باك ليتزامن صدورها مع الذكرى السنوية لرحيله ، وسيفاجئ القارئ الأمريكي كم عانى هذا الرجل خاصة من أقرب دائرة إليه وهو المسرح والأطراف الفاعلة فيه ما جعله ينظر إليه كجزء من مأساته تلك.

باشر ويليامز الكتابة عندما كانت الولايات المتحدة تمثل النصف المنتج لاقتصاد العالم بعد الحرب العالمية الثانية ، لكنه كان يرفض باستمرار أن تكون لهذه الهيمنة سياسات وأجندات لشراء السعادة سواء أكانت داخل أمريكا أو خارجها ، فراح كالبائع المتجول يحمل تعاسته ليدور على المسارح عارضا بضاعته لأنه وببساطة كان غير قادر على أن يمنح مزاجه نوعا من التفاؤل الحسن لأن تجاربه الحياتية المبكرة لم تكن لتشجع وجهة نظره أمام الوجود الإنساني المعذب وبالتالي فقد انعكست على الكثير من مسرحياته ومنها بلانش دوبويس وهي واحدة من شخصياته الرئيسة في مسرحيته الذائعة الصيت ” عربة إسمها اللذة ” التي عبّرت عن الخوف من الواقع المعاش ومن قوة الزمن المهلكة .

جون باك ولأجل أن يضع قارئ السيرة أمام ما كان يعانيه وليامز فقد راح يسهب عن الأسباب التي جعلته على حافة الجنون كما حدث لأخته روز فمر على والده الغارق بالسكر حد الثمالة ، فلم يكتفِ بمعاملته السيئة له ، بل انقلبت إلى ما يشبه الإحتقار بسبب مخالفته له وغضبه عليه لما كان يراه من عنف أسري وقع على والدته وشقيقته ، فلم يقدر لجراحه ان تلتئم بسهولة بعد قضائه أوقاتا مريرة مع تلك التصرفات والتي تصاعدت حتى أصبحت مشحونة بالنزاعات الدائمة حتى نهاية حياته ، لكنها أضافت بُعدا دراميا بعد توظيفها في مسرحياته فيما بعد وكانت الأجمل فيها باعتقاد جمهرة كبيرة من النقاد ، لكن الأهم من حياته كما يقول باك كاتب سيرته هو أعماله المسرحية بغض النظر عما آلت إليه تلك الحياة من تفاصيل مثيرة للإهتمام التي لم تشوّه ذلك العمل العظيم البارز فيها على الرغم من المصاعب التي واجهته من قبل منافسيه الذين دعاهم بمصاصي الدماء من ممثلين وكتـّاب ومنتجين ومخرجين الذين لم يستطيعوا وضع صورة لحياتهم الحقيقية في نصوصهم مما يعني أنهم كانوا يتبعون رغباتهم في الكتابة للمسرح التي أصبحت أكبر من أي شيء آخر كما يقول وليامز عنهم باستثناء صمويل بيكيت وهارولد بنتر ، ومع كل ذلك لم يغيروا من حقيقة كونه أعظم كاتب مسرحي أمريكي ظهر في القرن العشرين المنصرم ولم تتوقف مسرحياته من العرض حتى أيامنا هذه على الرغم أنها بنت زمانها ومكانها وأنها كانت تعالج مشاكل مزمنة للوجود الإنساني آنذاك .

في ” قطة على سطح صفيح ساخن ” مثلا وهي المسرحية التي كتبها وقدمت من على مسارح برودواي عام 1955 تنفرج الستارة عن مشهد لتجمع عائلة أرستقراطية يتباهى فيها كبيرهم وهو الأب بوليت كيف انتقل من حالة الفقر إلى صاحب ثروة كبيرة وهائلة ، لكنه وعلى الرغم من ذلك النجاح الكبير ينتشر البؤس والخوف من حوله بسبب مرضه الخطيرالذي لا يعلمه سوى المقربين منه وقد يرحل عن الدنيا بسببه خلال أشهر قليلة ما يعني أن ثروته تلك ستتعرض للمشاكل ، في نهاية المسرحية نجد الأب الذي عاش نجاحه وسمح لنفسه السيطرة على كل شيء يجده في طريقه وشراؤه لذمم الكثير من الناس عاجزا عن مواجهة الموت الذي لا يحابي أحداً ، أو بعبارة أخرى أن النجاح لا يعني كل شيء في الحياة والتخلي عن الوهم بالسيطرة وتقييد الآخرين بقوة المال هو السبيل لتاسيس أي نجاح مطلوب ، ويليامز كان مترددا من طرح أفكاره تلك لشعوره بانتشارها بقوة في المجتمعات الأمريكية وعلى الرغم من التحذيرات من نشرها في أعماله فقد أصر على إبرازها كاشفا بالوقت نفسه الجانب المظلم من الحياة التي يعيشها الأمريكان وكان يقول دائما : لعل من الأفضل أن تفشل عندما يكون هنالك ظلم بدلا من أن تنجح وأنت ظالم ، ومع أن رسائله تلك تبدو غير مرحب بها حتى في عصرنا الراهن لكنها جذبت الكثير من كتاب المسرح كي يأخذوا بها وعبرت إلى قارات بعيدة لتعرض هناك بلغاتهم الأصلية .

السيرة صدرت أوائل فبراير / شباط من هذا العام بأكثر من 1000 صفحة تحت عنوان ” تينيسي وليامز : حياة أدبية ” وقد ضمت أعمالا غير منشورة له حيث لم يتوقف عن الكتابة وترك جبالا من الرسائل والمخطوطات والتأملات اليومية قام بمراجعتها جون باك بما يمتلكه من مهنية عالية في التحقيق بالمخطوطات وتقنية كبيرة في مجال إعداد وترتيب الوثائق وفق أحدث الطرق العلمية .

تينيسي وليامز ولد في مدينة كولمبوس بولاية ميسيسبي الأمريكية عام 1911 وغادر الحياة في عام 1983 وسط عائلة ضمت ثلاثة أطفال كان هو ثانيهم ، والده كان بائعا للأحذية كثيرا ما تشاجر مع زوجته بسبب إدمانه الكحول ، قدم في عام 1945 مسرحيته الأولى ” الوحوش الزجاجية ” التي استقطبت جمهورا واسعا من النقاد حيث أشادوا بها وبنجاحها ، تميزت أعماله بالمأساوية حيث عانى من الاكتئاب لسنوات طوال في حياته وعاش خائفا من الإصابة بالجنون وتظهر العديد من الشخصيات السلبية التي مرت في حياته والأحداث التي عاصرها ضمن مسرحياته التي نال العديد من الجوائز عليها خاصة مسرحياته ” عربة إسمها اللذة ” التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير و ” قطة على سطح صفيح ساخن ” وترك بعد وفاته 25 مسرحية وروايتين طويلتين وأخرى قصيرة و60 قصة قصيرة وأكثر من 100 قصيدة .
_________________
عن / صحيفة الديلي تلغراف اللندنية

شاهد أيضاً

رمضان بين قرنين

*محمد الأسعد في العودة إلى ذكريات رمضان، كما تجلت في كتابات عصور أقدم من العصر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *