الرئيسية / إضاءات / أسئلة أبي العلاء المعري الكبرى

أسئلة أبي العلاء المعري الكبرى


*إبراهيم اليوسف

قبل أيام تعرّض تمثال أبي العلاء المعري إلى التدمير على يد حفنة من المتعصبين والظلاميين في منطقة معرة النعمان في حلب شمالي سوريا . وهنا مادة في ضوء ذلك .

استطاع أحمد بن عبدالله بن سليمان التنوخي 973-،1057 وهو ابن مدينة “معرة النعمان”، أن يسجل شهرة واسعة جداً، تسجل اسمه كأحد أهم مشاهير الشعرية العربية، ناهيك عن أنه استطاع أن يكون أحد الشعراء الأكثر أهمية في تاريخ الأدب الإنساني، إذ ترجم شعره ونثره إلى العديد من لغات العالم، وذلك بسبب خطابه الإبداعي، وقيمة وخصوصية فكره وفلسفته، إذ إنه من عداد هؤلاء الشعراء الذين يمكن أن نصفهم – بحق – أنهم من أصحاب النظرة المتفردة، المختلفة، التي لا تحيل إلى سواهم عبر تاريخ الشعر العالمي .
تشير الكتب التاريخية إلى أن أبا العلاء المعري ولد في أسرة علم وأدب ودين، حيث كان جده سليمان بن أحمد قاضي المعرة، وأخوه أبو المجد محمد بن عبدالله شاعراً في الزهد، ناهيك عن عدد من عمومته، إذ إنه وجد في بيئته الأولى تربة خصبة لنبوغه وعبقريته، لاسيما أن عوامل كثيرة ساعدته، في كل ذلك، وفي مقدمها جلده، وقوة شكيمته، وشغفه بالمعرفة والعلم والأدب، وقبل ذلك قوة موهبته، وثقته بالنفس، هذه الثقة التي لم يتردد عن البوح بها في إحدى قصائده حين قال:
. . وإني وإن كنت الأخير زمانه
لآت بما لم تستطعه الأوائل
ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً
تجاهلت حتى ظن أني جاهل
ينافس يومي في أمسي تشرفا
وتحسد أسحاري علي الأصائل
وطال اعترافي بالزمان وصرفه
فلست أبالي من تغول الغوائل
ولا يمكن الولوج إلى العالم الشعري لأبي المعري، إلا بعد معرفة رؤيته الفكرية الفلسفية التي تشكلت لديه، خلال رحلته في بطون الكتب التي تلقاها سواء أكان ذلك في أسرته، أو في كل من حلب وبغداد، على أيدي أساتيذ تلك المرحلة، من كبار العلماء، وأن نقرن كل ذلك بنشأته، وبيئته الأولى التي أثرت فيه أيما تأثير، فقد فقد بصره في سن مبكرة، وراح يفكر بالاستعاضة عن البصر بالبصيرة .
وإذا كان العمى الذي مني به المعري، في طفولته الأولى تلك، لم يمنعه من طلب العلم في مظانه، فإن في هذا ما ينمُّ عن الروح الجبَّارة لديه، إذ إن مصادر ثقافته تعددت، كما أن معلميه الذين أثروا فيه قد تلونوا، وربما جاء ذهابه إلى اللاذقية، وتتلمذه على أيدي أحد الرهبان هناك، ما جعله يتعرض لنقطة تحول فكرية هائلة، تعرضت خلالها منظومة رؤاه لإعادة النظر من لدنه، ولهذا فإنه عاش قلقاً رهيباً، لم يتوان عن التعبير عنه، في بعض قصائده، إذ يجد دارس تجربته الشعرية الكثير من التناقضات الرهيبة في عالمه، لاسيما أنه ليعجب بأمر ما، كي يغير عليه في المقابل، وهو ما يجب أن يتم تناوله في سياق التحولات الفكرية لديه .
بدهيٌّ، أن الشاعر الذي وصف بالعبقرية من قبل دارسي تجربته، حتى من لدن بعض المنصفين الذين اختلفوا معه، كان يمتلك في أعماقه طاقات هائلة، بيد أن فجيعته بعينيه، كان من شأنها أن تثير في روحه الشعور المرير بالأسى، من جراء ذلك، ولقد تعاظم ذلك، في ظل ظمئه إلى العلم والثقافة والأدب، حيث إن للرؤية – بوساطة العين – دوراً كبيراً في استحصال كل ذلك، وإن كان من شأن الكتاتيب التي كانت أكاديميات تلك المرحلة، أن تعتمد على الإلقاء، بيد أن هذه الوسيلة تضيق بصاحب قامة هائلة، في سماء الفكر والإبداع والفلسفة، إذ يظل أحوج إلى القيام بكل ذلك بنفسه .
تؤكد العودة إلى سيرة أبي العلاء الحياتية – الذي حلق بجناحي الشاعر والفيلسوف في آن – وهو يوازن أية معادلة فكرية إبداعية بطمأنينة، وثقة كبريين، أنه واحد من قلة التزموا برؤيتهم الفكرية في سلوكهم، لأنه لم يكن من هؤلاء الذين يرمون كلامهم جزافاً، بل كان الرأي الذي يبديه، سواء أكان في شعره أم نثره، انعكاساً سلوكياً لديه، وهو ما يمكن وسمه بلغة اليوم بانعدام الهوة بين “النظرية والتطبيق”، ولعل أمر عزوفه عن الزواج ليعدُّ حجر الزاوية في منظومته الفكرية، وهذا ما يدل على أن تبنيه لأي رأي، وإن كان يأتي بعد صراع طويل، بيد أنه كان يتم اتخاذه بجرأة، وليس هناك أكثر جرأة من إبداء الموقف، في أية قضية، سواء أكان ذلك صائباً أم خاطئاً، عندما يكون في ذلك خروجاً عما هو مألوف في المحيط العام، فالمهمُّ لديه هو انسجامه مع ذاته، وقد تتضح الصورة على نحو واضح، في ما لو علمنا أن طبيعة العلاقة، في العصر العباسي الثالث، مع الأفكار العامة المهيمنة، في البيئة التي تنقل فيها، كانت ذات نمط خاص، وإن أي خروج عنها ليعد في حكم الخروق التي لا يمكن استيعابها البتة .
فلا هطلت علي ولا بأرضي
سحائب ليس تنتظم البلادا
ولي نفس تحل بي الروابي
وتأبى أن تحل بي الوهادا
عرف أبو العلاء المعري أنه كان ينطلق في تعامله مع ما حوله، من خلال تلك المنظومة القيمية العالية، التي ينحاز خلالها إلى الإنسان، ويرفع كل ما يحول دون ذلك، إذ هو معنيٌّ به في كل ما يتعلق به، و هو ما يتأتى من خلال فهمه العميق لجدوى الحياة برمتها، إذ لا قيمة لأي شيء في العالم من دون الإنسان، بل إن حماسه لكل ما يتعلق بالكائن الآدمي، كان وراء ذهابه أبعد من ذلك، وإلى تبنيه ما عرف لاحقاً ب “حقوق الحيوان”، وما سبب امتناعه عن تناول اللحوم إلا امتداد لهذا الشيء، لأن ما يجمع هذين الكائنين: الإنسان والحيوان، هو الروح، وهذا ليؤدي إلى أن نفهم في آخر المطاف أنه ينحاز إلى الروح، هذه التي بات يتلمسها حتى في أديم الأرض، وإن كانت فلسفته التي بناها بعد تجاربه المريرة بفقد الأبوين، بل إن بلوغ درجة الألم إلى الذروة عنده نتيجة صدمة موت الأم، هذه الصدمة التي جعلته يعتكف في بيته، بيد أنه سيكتشف، ذات موت آخر، لقريب آخر، أن هذه الحبال التي تضيق الخناق على المرء في غياب ذويهم، ليس إلا ضرباً من الخطأ الكبير:
غير مجد في ملتي واعتقادي
نوح باك ولا ترنم شاد
وشبيه صوت النعي، إذا قيس
بصوت البشير في كل ناد
خفف الوطء، ما أظن أديم الأرض
إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا، وإن قدم العهد،
هوان الآباء والأجداد
ربّ لحد قد صار لحداً مراراً
ضاحك من تزاحم الأضداد
بالرغم من أن شاعرنا كان رهين المحبسين، بيد أن كل ذلك لم يمنع من أن تطبق شهرته الآفاق، فقد استطاع أن يثير حوارات هائلة في عصره، إذ إن آراءه، وأفكاره، وقصائده تثير حوارات دائمة، ولا تزال، بيد أن كل تلك الآراء، جعلته – باستمرار – أن يعيش في حرز من العنف، حتى وإن كان هناك من يقوِّم خطابه، وفق فهمه، ورؤيته، ولعل أعلاماً كثيرين لم يستسيغوا آراءه، وتوجسوا منها أيما توجس، سواء من خلال حواره المباشر، أو من خلال محاورة خطابه، بيد أن مسافة من أمان كانت موجودة، لا يتم تجاوزها البتة . لقد قال عنه ابن الجوزي الذي توقف طويلاً عند بعض طروحاته: وقد رأيت لأبي العلاء المعري كتاباً سماه “الفصول والغايات” على حروف المعجم في آخر كلماته وهو في غاية الركاكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته، ثم راح يناقش بعض أشعاره التي استقاها من لزوم ما يلزم، ليؤكد “استهتاره”، بل إن ابن القيم راح يجرحه بأشد في “طريق الهجرتين”، وهو غيض من فيض، بيد أنه كان يتم قبوله في محيطه الأكثر التزاماً بالشريعة والدين الحنيف، في مأمن على حياته، وإن كان الرجل صريح الإيمان بالله تعالى يقول:
أقرُّ بأن لي رباً قديراً
ولا ألقى بدائعه بجحد
ورغم من ثقته الكبرى بذاته، حيث قال “إني وإن كنت الأخير زمانه/ لآت بما لم تستطعه الأوائل”، إلا أنه مدرك تلك الهوة السحيقة بين الخالق والمخلوق، وهي إحدى صفات الإيمان الكبرى:
الله صورني ولست بعالم
لم ذاك؟ سبحان القدير الواحد
فلتشهد الساعات والأنفاس لي
أني برئت من الغوي الجاحد
كما أن رؤيته للإله للخالق – على ضوء اعترافاته الشعرية – وليس من خلال النزوات الشاعرية التي قد تنصرف إلى أسئلتها، في إطار وضع الإصبع على الحقيقة، تؤكد بجلاء ساطع، أن هذه الرؤية متكاملة، وإن الجانب الشَّكِّيَ فيها-وفي أقصى درجاته-ليؤدي إلى جادة اليقين ذاته، وإن كان منطق الشاعر، الفيلسوف، المفكر لهو مختلف عن منطق سواه، ها هو يقول:
اذكر إلهك إن هببت من الكرى
وإذا هممت لهجعة ورقاد
واحذر مجيئك في الحساب بزائف
فالله ربك أنقد النقاد
ولن يضل دارس شعره، عن العثور على الكثير من مثل هذه الإشارات التي قد ترفع عنه فكرة الزندقة، التي أثيرت في ظل احتدام الآراء، هو الكون والخلق والجمال، والحياة .
إذا كان أبو العلاء المعري قد أثار الأسئلة الكبرى، في شؤون الخلق والكون، فإنه أثار ما يوازي ذلك من أسئلة الإنسان والحياة، إضافة إلى أسئلة الجمال والإبداع، وهو ما جعله أحد هؤلاء الأعلام الكبار في تاريخ الشعر والنثر، سواء أتم الاتفاق مع الرؤى التي يطرحها خطابه، أم لا؟، كما أن المعاناة الكبرى التي تعرض لها منذ نعومة أظفاره، جعلته يعيش تحت وطأة حالة فريدة، من السوداوية، لاسيما بعد تعرضه لصدمات حياتية عدة، فلم يكن له أن يواجهها إلا بنفاذ رؤيته .
______________
* (الخليج)

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *