الرئيسية / مقالات / الشريعة والشرعية وظاهرة العنف

الشريعة والشرعية وظاهرة العنف


* د.نوال السعداوي

ظاهرة العنف أو الإيلام الجسدى للعبيد والنساء هى عقوبة بدائية وحشية استمرت فى التاريخ تحت اسم الشرعية القانونية أو الشريعة الالهية، وأصبحت تتخفى فى عصرنا الحديث تحت كلمات براقة مثل الهوية والديمقراطية وقيم العائلة والقرية. وتم اكتشاف زيف هذه الكلمات بعد رؤية الدماء تراق فى الشوارع والسجون والبيوت.

التخلص من العنف يقتضي التخلص من أسبابه الراسخة فى نظام الحكم والدولة والعائلة، والكامنة فى العقل والشعور واللاشعور منذ الطفولة الأولى، منذ تلقين القيم التى تفرق بين البشر على أساس الجنس والدين والطبقة والجنسية وغيرها لابد من اعلاء الهوية الانسانية المكتسبة بالعمل المبدع الصادق على الهويات البيولوجية الموروثة إن أردنا القضاء على العنف هل نفرق بين الناس على أساس لون البشرة أو الدين؟ أليست هي عودة الى العنصرية؟.
الواضح أن العنف ينتشر فى بلادنا والعالم بسبب تصاعد الفكر الدينى السياسي القائم على التناقض والازدواجية والتفرقة بين البشر. وفى المدرسة الابتدائية عام 1942 ضربني المدرس على أصابعي حتى نزفت الدم لأني سألته سؤالا بديهيا: هل يكون بالجنة ورق وأقلام لمن يريد أن يكتب؟، كان المدرس قد قال لنا إن الجنة سيكون بها عسل ولبن وكنت أحب الكتابة أكثر من أكل العسل أو شرب اللبن. وفى مشرحة كلية الطب عام 1952 رأيت جثة طفلة في الثالثة عشرة مقتولة بيد أبيها تحت اسم الشرف، وطفل عمره ثمانية أيام نزف حتى الموت بعد عملية ختان، وخادمة فى العاشرة من عمرها ضربتها حتى الموت سيدتها ربة البيت، وشاب فقير تم سحله فى مظاهرة سلمية ضد الملك والانجليز. هذه أمثلة قليلة لأنواع العنف المشروع التى شهدتها فى المدرسة والجامعة.
العنف هو قانون القوة فوق الحق، والرئيس فوق الشعب، والرجل فوق المرأة، وسلطة الأب المطلقة من سلطة الرب وتحت اسم الشريعة يمكن للزوج أن يتزوج ويطلق عدة مرات وينكر أطفاله كما يشاء ويمكن لعجوز عمره مائة عام أن يتزوج طفلة. والبعض جعل الشريعة تكيل بمكيالين فيما يخص قانون الأسرة، وتتعرض الزوجات والأطفال للضرب تحت اسم التأديب، فان ثارت النساء والاطفال تم اتهامهم بالعنف تحت اسم الشرعية الدولية. 
فى وقت من الأوقات أمسك جورج بوش بكتاب الانجيل وأعلن عن غزو العراق، وتم سحل الشعب العراقي والاستيلاء على موارده دون أن تنطق محكمة العدل الدولية أو مجلس الأمن. ولا تكف الدول الكبرى عن البطش بالدول الصغرى تحت اسم الشرعية الدولية، التى تكيل بمكيالين، تطبق فقط على الضعفاء من الدول الصغيرة، وتخرقها كل يوم الدول القوية المالكة للسلاح النووي ومنها اسرائيل. ولنلاحظ بطش البوليس الأمريكى بالمظاهرات الشعبية السلمية (احتلوا وول ستريت) والتى قامت ضد عنف القانون الأمريكى الذى يسبب الفقر لأغلبية النساء والشباب.
تحت اسم الشرعية يصبح عنف الأقوياء المسلحين مشروعا، وتحت اسم الشريعة يصبح عنف الرجال هو القانون. وتحت اسم الشرعية قام نظام مبارك بقتل الآلاف فى المظاهرات الشعبية السلمية ونهب الأموال المصرية وتحويلها للخارج، ولا تزال مصر عاجزة عن استرداد هذه الأموال. ومازال مبارك وأعوانه بعيدين عن أى عقاب رغم سيل الاتهامات ضدهم والمحاكمات المتكررة دون أحكام، وتحت اسم الشرعية يقوم حكم الاخوان المسلمين بما قام به الحكم السابق، إلا أن كلمة الشرعية تغيرت فأصبحت الشريعة، والقانون البشري أصبح القانون الالهي. والكل يتحدث عن العنف، والكل يتفادى الكشف عن جذور العنف فى القوانين السائدة فى الدولة والأسرة، وحين يعجز الدستور أو الطبقة أو الدين، فإن العنف ينتشر; يقع العنف فى صمت على النساء والأطفال. وحين يقع العنف على الآباء يرتفع الصراخ العنف ضد النساء هو شرع الله، فالله رفع الرجال فوق النساء. والعنف ضد الفقراء مشروع، فالله خلق الغنى والفقير وخلق الناس درجات. يغرق العالم فى الدماء والحروب والفتن والنهب. وتعيش الأمهات والأطفال وراء الأبواب المغلقة فى الحزن والغم. لقد فشلت مفاوضات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين لأكثر من ستين عاما، لأن السلام لا يحدث بغير عدل، وينال مجرمو الحرب جوائز نوبل لأن جوهر القانون العبودي لم يتغير.
الثقافة فى بلادنا تنبع من الفكر الرأسمالى الأبوي الذى يختزل الديمقراطية فى الانتخابات ونتائج الصندوق، ويختزل العدالة الاقتصادية فى معاشات للعاطلين ومساعدات للمعاقين، ويختزل تحرير النساء فى حرية التغطية حسب أمر الله أو التعرية حسب أوامر السوق الحرة، وقد تم اجهاض الثورة المصرية خلال العامين الماضيين بالحوار التوافقى التراجعى خطوة وراء خطوة، والفكر الانتهازي الانهزامي الذى يشيع أن نظرية الثورة لم تنجح فى بناء نظام ديمقراطي فى أي بلد فى العالم. واختزال أهداف الثوره فى حشد الجماهير أمام صناديق الانتخاب بالخداع الاعلامي، والرشاوي فى الدنيا والآخرة.
كانت طوابير النساء والفقراء أطول الطوابير فى أعراس الديمقراطية المتكررة، مع ذلك تم استبعادهم من غنائم الصناديق ومن صياغة مواد الدستور، وتم حرمانهم من نصيبهم فى الدوائر ومقاعد الحكم والبرلمان والشورى. ويتم الخداع بشتى الكلمات البراقة: الديمقراطية، الصندوق، الهوية الاسلامية، الوطنية المصرية، الخصوصية الثقافية، قيم التراث والعشيرة والجماعة. وسادت القيم الذكورية واللغة السوقية التى تهين كرامة المرأة تحت اسم الرجولة طالت اللحى والشوارب وغلظت الأصوات، وانكسفت النساء مختفيات وراء الحجاب والنقاب. وانتشر التحرش الجسدى بالفتيات فى المظاهرات لطردهن من صفوف الثورة، وإعادتهن الى حظيرة البيت وقانون الطاعة. وهذا العنف كله ليس عنفا بل تأكيد الهوية الاسلامية. 
______________
* عن (الأهرام) . 

شاهد أيضاً

ما بعد التاريخ مقاربة مقدسية

خاص- ثقافات *خيري منصور لم يندرج مصطلح ما بعد التاريخ في خانة المابعديات، على غرار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *