الرئيسية / نصوص / أنتهز البروق كي أرى الواجهات

أنتهز البروق كي أرى الواجهات


أحمد راشد ثاني **
موجة  حمراء


1

ما جمع بينها وبينك

حبكما معاً للحياة

وحين تفرقتما كانت المائدة باردة

والصالة تنأى

2

أكثر من السماوات

جلست تجمع السماوات

وتمزقها على الورق

جلست تطارد الأمواج

والغيوم

جلست تحفر الآبار

في البحر

كان الضوء يتأخر

كالعادة

عن مرآتك

الكلمات تعبث

في نواحي رأسك

بينما تهتز قناديل الحياة

تهتز من هناك

وكأنها ستنطفئ.

3

لغتك المسفوحة على الجدران

لا تشربها عين

ولا يجمعها كأس.

لغتك المسفوحة

على الطاولة التي انهارت من الحيرة

والزجاجة التي فرغت

من الظلام

والنادلة التي غرقت في الدموع

4

موجة حمراء هائلة

آتية من جهة البحر تلك

موجة حمراء هائجة

تقترب من هنا

فقد أوشك قراصنة اللذة

على الدخول إلى مرفئك

يربطون الأشرعة بالأمواج

ويحرقون المتعة بالسعف

◆ من ديوان «وهنا اللذة»

إلا أنت أيها السيد الحجر

أمسكت العالم وها يداي فارغتان

سرقة غامرة

تتشهى بي

وليس جسدي إلا مُصلياً

يغرق في سجادة وجلٍ

حيث أعطش كلي

وأقود البوار

إلى مردة يرون الهواء

ويتسلون عادة

بإطلاق المنافي

على الفقدان وحده

أرى الوردة تُضاء

هذه الروائح التي أُنكر وجودها

تزهو

ليس بطيش الحنان

ولا بالرأفة التي كسرتها

كربابة في ليل ما

وبدأت.

لعله لا وجه لنا إلا عندما نموتُ

ولم أحدق

بعد القابلة تماماً

إلا حيث تذوب الظلال

هناك في التباسات الدفين

أوقظ عيني أحياناً

وأهز الفشل من ركبتيه

وأستطلع ورائي

أرى ركباناً تغرق في صمغ عذبٍ

أرى السماء مقلوبة

على سرير الرغبة

أرى البحر

وحيداً في المرآة

وقد خرجت الموجة

من اللوحة

أقول:

– يكفي ليدي أنها طاهرة

ليست تلك ميزتي

خاصة والأنبياء الذين صاحبتهم

جميعهم

أنكروا النار

وبشروني بالفرار الوديع

ذاته يجهش عند السلالم

ليس بالطفولة كما أعتقد

وإنما: بنبوءات تستكشف ما هو أشد

من الحيرة

زعانف بيضاء تماماً

تتحكم بالليل

تدير الأودية

والنساء

إلى حكمة الغيمِ المقفلة

لم أتودد يوماً لأعنة الريح

لكني تريثت كثيراً حتى عرفت الماء

حتى خبرت البياض الحر كما ينبغي

وتيمني طائر الروح

أرهقني كثيراً حتى وصلت

إلى أوكاره البعيدة

حتى رأيت غيابه

عن عش حياتي

حتى مر عليّ وقت طويل

وأنا على تلك الوحشة

بعدها أخبرت الغيم الشارد

بصدق لم أعرفه

ليس لأنني لقيته وحيداً

ولكن كثيراً ما يحترق رأسي

في اتجاه غافل

فأوقعني البحر في كأسه

وقال لي:

– إن تهيبت فمن الحفاة

تضاء أقدامهم كآخرةٍ

ومن يومها وأنا لا شوارع لي

فقط أنتهز البروق

كي أرى الواجهات

من يعرفني حينئذ؟

وهل يكفي كل ما أمسكت به من شرود

كي أسمع تنفس الجدران؟

كي أقرع طبول الأمواج

فتستيقظ قرى القبور

بي ما يكفي لإضاءة نجمة

حينها قد يتصور بعضي أن كل شيء

بإمكانه أن يُرى

بي لا تكفي امرأة واحدة

كي أمتشق الموت

وأهتك عرض العاصفة

وحدها الخسارة قادرة على صقلي

كخيل فاقع

قادرة على امتصاص رماتي

..إهدأ قليلاً أيها الغلو

كي أسرح شعرك

وأهديك غلالة

من فراغ

تلك مراكبي سكرت في التلاوة

وعندما أعود إلى حانة نفسي

أجد المخمورين كلهم يسطعون

كفكرة فاشلة

هل عليّ حينها رفع ذراعي؟

وأصرخ

– أنا الطوفان.

لا بأس أن أتزمل بأنفاق الثمالة

هارباً

ربما/ من الوديان التي تعبت من

العطش

وأزهق في ضحكة

أعرف توا أن الأمم توالت على مهرجي المعابد ومروجي أفيون القبائل وكأنها تبحث لرؤوسها عن ريش ولجسدها عن ذيل، ولكن لن أدع الفرصة للرهبان وسأطعم الريح حياتي

وها يداي فارغتان

فارغتان من السماء

فارغتان من الأرض

فارغتان كالأرض

فارغتان كالسماء

ولقد نمت الآن لأول مرة

على سرير الغياب

ليس لأن في الحياة متسع

أو لأن البياض لم ينته

فقط حان الوقت بي

حان وقتي

أقلبُ البحر إلى صحراء

واستخرج الغيوم

وأقلب الصحراء إلى بحر

وأملأ الآبار

بموجة فريدة كأمل

ضخمة كحل كامل

وأوقفها على الساحل تماماً

متذكراً عواصف خيال وداخل شديدة

هبت على البيوت واقتلعتها

وهبت على السفن

وأغرقتها

وهبت على الجبال

فأرتها الدليل

إلا أنت أيها السيد الحجر

لأنك لم تثق بالماء قط

◆ من ديوان «ها يداي فارغتان»

على الطاولة

وجدت كل شيء رثاً في الخزانة:

قمصان التعليم الممزقة

وسراويل «الجنز»

وقبعة التفكير

الطحالب تسبح في مستنقع المرآة

ونافذة الحياة

مغلقة بإحكام

فتحت باباً لم أخرج منه

وضعت كرسياً

في ردهة المستحيل

على الطاولة كتاب

بلا صفحات أولى

قرب الزجاجة يجري الكلام

بلا أمواج

شمعة النهار توشك على الانطفاء

في هذه الغرفة القاحلة

تحت هذا السقف الميت

◆ من ديوان «دم الشمعة»

ا* ( الاتحاد الثقافي – بمناسبة مرور عام على رحيل الشاعر )

** شاعر راحل من الإمارات

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *