الرئيسية / مقالات / فوتبول تونسي وحكاية الليلة الثانية بعد الألف

فوتبول تونسي وحكاية الليلة الثانية بعد الألف


منصف الوهايبي




عام 1972 وأنا دون الثالثة والعشرين بقليل، عُيِّنتُ أستاذا بمدينة بوعرادة. أتذكّر بكثير من الغبطة أنّ أحد التلاميذ ‘فرحات’ كان شغوفا بشيئين: ركوب الدرّاجات وكرة القدم إلى حدّ الهوس. وما اقترحت موضوع إنشاء،إلاّ وجدت فرحات قد شرد إلى سرد لم أتوقــّعه، فإذا هو يكتب إمّا في الدرّاجات أو في كرة القدم وفي مباراة بين الترجي والإفريقي، وفي براعة ‘عتوقة’ ومهارة الطاهر الشايب. وظلّ ذلك التلميذ وفيّا ل’درّاجته’و’كرته’، فمهما يكنْ موضوع الانشاء فإنّه لا يحدّثك إلاّ عن الدرّاجات أو عن كرة القدم ونجومها المتلالئة والآفلة.
وهو ابتكار سبق إليه تلميذُنا فرحات الذي لا ندري ما فعل الزمن به، تلفزاتِنا وإذاعاتِنا التي لا تحدّثنا إلاّ عن الكرة مهما كان موضوع السّاعة؛ حتّى أنّي خلت ـ وأنا أتابع هذه التجاذبات بين ‘القائد’سي حمادي و’الأب الروحي’ سي راشد ودخول سي عبد الفتّاح على الخط،، أنّ الأمر يتعلّق بمباراة في كرة القدم بين نهضويّين من المهاجرين ‘المتزمّتين’ وأكثرهم من حاملي الجنسيّات المزدوجة الذين ما انفكّوا يوجعون رؤوسنا بخطاب الهويّة وهم الموزّعون بين هويّتين، والآخرون من الأنصار ‘الحداثيّين’ المقيمين بتونس وعلى رأسهم سي عبدالفتاح مورو. لكن هل السياسة إلاّ مثل الحياة كرة في كرة؟ مرّة في ملعبك ومرة في ملعبي؟ ولكنّها أحيانا كثيرة خارج الملعب أو في حجرات الملابس أو في الكواليس ومن هذه الكواليس مجلس الحكماء. وقد يتراكض اللاعبون ويتدافعون والحَكَم يركض ويصفـّر، وليس في الملعب كرة أصلا. نعم قد يكون هناك لعب من دون كرة. وهو لمن لا يعرف فنّ تونسيّ لا يدركه الاّ الرّاسخون في العلم. وهل هذا اللعب سوى فنّ ‘التدافع’ الذي يبشّر به سي راشد؟
ثم علّمتني الحياة أنّ الخروج عن النصّ غاية لا يدركها إلاّ أهل الدّربة والمراس.
وهل ‘ألف ليلة وليلة’ إلاّ كذلك؟ وهناك ليلة ثانية بعد الألف تختلف عن كلّ الليالي، وهي أشبه بحكاية حكومة’التكنوكرات’ إذْ وُلدت فجأة في ذهن سي حمّادي دون أن تكون هناك أيّة أمارة من أمارات الوحم. ولا إخال هذه الليلة معروفة لدي الكثيرين؛ إذ تقبل شهرزاد، صبيحتها على شهريار، وبرفقتها أربعة أطفال، وتقول له إنّهم من صلبه؛ فيصفح عنها، ويشهر زواجه منها. ولم أفهم كيف أنجبتهم منه ولا متى وهي التي قضّت لياليها كلّها أي أقلّ من ثلاث سنوات وهي تقصّ عليه. ف’ألف ليلة وليلة’ هي إذن ‘ألف ليلة +ليلتان’. بَيْدَ أنّ هذه الليلة الثانية بعد الألف، هي في ما يتهيّأ لي ليلة تزيّدها أحد الرواة المجهولين ـ كما أتزيّد أنا في حديثي ـ إذ لا يقوم لها سند من النصّ ‘الأصلي’ إذا كان لهذا النص أصل؛ فقد كان شهريار منصرفا إلى متعة الأذن ولذّة السمع. كان يستمع ليلا وينام نهارا، أوهو ببلاغة أسلافنا، وعلى منوالهم ‘ليله قائمٌ ونهاره نائمٌ’؛ ولا بدّ أنّه كان يسترخي ما أن يطلع الصباح وتسكت شهرزاد عن الكلام المباح، ليغطّ في سبات عميق. فلعلّ شهرزاد ـ إذا لم يكن بدّ من تصديق هذه الليلة السخيفة ـ فعلت فعلتها مع أحد غلمان القصر من البيض، وأخفتْ الأطفال، كما يدلّ على ذلك ظاهر هذه الحكاية الصباحيّة الزائدة وباطنها؛ إلاّ أن يكون شهريار ‘فايسبوكويّا’ قديما،باشرها افتراضا وأنجب منها افتراضا. ومهما يكن فأنا أعجب ولا أزال من شهريار لِمَ رضيَ بدور المستمع ولم يقصّ على شهرزاد ولو قصّة واحدة. ألأنّ القصّ كذب جميل، والمرأة تُوصمُ عند عامّة المسلمين بالكذب والمكر والكيد؛ برغم أنها أجمل كائن على هذه البسيطة. فهل المرأة هي الأقدر على القصّ بما هو كذب ومكر وكيد أم لأنّ المرأة ‘ناقصة عقل ودين’ كما جاء في المأثور؟ و لكن هل تتأتّى محنة اللفظ ، واللفظ كما يقول العرب بكرٌ والمعنى فحل، إلاّ بمنأى عن هاتين الرقابتين: رقابة العقل ورقابة الدين؟ لعلّ الأصوب والأقرب إلى الحق، بعد اغتيال شكري، أنّ الذين ارتكبوا جريمتهم، هم ناقصو العقل والدين.. خاصّة أنّ بعضهم لا يتورّع عن تكفير الشهيد، والتهديد بنبش قبره. 
لكنّ المهمّ أن تخرج عن النصّ؛ ثمّ تعود .ذلك أنّ المبتدئين في الصّنعة يخرجون أحيانا فتختلط عليهم الثنايا حتّى يضلّوا سبيلهم فإذا هم لا يعودون أبدا. ولأنّي لا أحبّ أن يكون شأني شأن المبتدئين، فها أنا أعود إلى مقولة ‘التدافع’ المتهافتة لأقول إنّه لا سند لها، ولا أساس في القرآن. بل هي دعوة إلى التقاتل والفتنة. وعلى كلّ من يدعو إلى هذا ‘التدافع’ أن يتحمّل مسؤوليّة أيّ دم يُراق في تونس. بل الأرجح أنّ هذه المقولة ـ هي كما يقول مالك التريكي ـ مستوحاة من ملاحم ‘التكوير’ في البطحاء. أي من أسلوب اللعب الخشن في كرة القدم الذي يعدّه البعض فحولة رياضية، ويسمّى في العامية التونسية ‘دزّان كتف’، أي التدافع بالأكتاف.. 

*  شاعر وأكاديمي من تونس
( القدس العربي)

شاهد أيضاً

المصابيح الزرق انطفأتْ من زمان

*خليل النعيمي كنا صغاراً، وكانت «الحسَكَة» كبيرة. كبيرة جداً علينا. كنا ثلاثة: هشام وعوّاد وأنا. …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *