الرئيسية / علي سالم: إسرائيل, كأي شعب آخر, تريد السلام

علي سالم: إسرائيل, كأي شعب آخر, تريد السلام


امتلك‏’‏ علي سالم‏’‏ الجرأة علي المشي فوق الألغام‏,‏ بذهابه إلي إسرائيل‏,‏ وامتلك الصبر علي ما ناله من أذى,‏ لكنه لم يمتلك القدرة‏,‏ أبدا‏,‏ على ترميم اسمه‏,‏ بحيث لا يمكنك اتهامه‏.‏

الذين قذفوه بالحجارة كانت لديهم أسباب إضافية تخصهم. أما هو, فراح يسخر ممن هاجموه, لأنهم لم يتخذوا منه رائيا. إنه يحمل, في أعماقه, قناعة كاملة بأن ما فعله يرتفع إلي مصاف التاريخ!
من ناحيتي..لم أسمح لنفسي بالرضا عن مغامرته, لم أقتنع, رغم إعجابي بقلمه, بأن الشياطين يمكن أن يكونوا إخوة صالحين, يريدون السلام, أو يقدرون على تكاليفه. مع ذلك ذهبت إليه دونما رغبة في الإدانة, فقد هدأ الغبار, أصبحت رحلته خلفه, ولم يبق إلا أن أفتش عن دوافعه لاقترافها, لكن, قبل ذلك, عرجت معه علي ذكر صديق مشترك.. فنان الكاريكاتير سمير عبدالمنعم, الذي مات للتو. سألته.. كيف استقبلت خبر وفاته, وهو بتنهيدة, خرجت متحشرجة, أجاب..
– لم أستوعب موته بعد, لكني اعتبرته جزءا من الكوارث العامة, التي تحدث الآن في مصر. إننا ننتقل من سرادق عزاء إلى سرادق آخر, ولا أحد يمكنه وقف الحوادث.
* وماذا عن موتك أنت شخصيا ؟
– الموت قريب, ومع رحيل كل صديق يموت جزء مني, بهذا المعنى أنا مت أكثر من مرة.
* هل تعتبر الموت مغامرة يروقك أن تقوم بها, لترى ما يحدث في الشاطيء الآخر للحياة ؟
– لا, ليست لدي هذه الرغبة, إنني أجهل كل شيء عن الموت.
* لكنك تبدو لي مغامرا, قبل أي شيء آخر ؟
– لا أعتقد أني شخص مغامر, لكنني فضولي جدا.. أحب أن أعرف,الا أن الموت ليس من بين الأشياء التي أحب أن أعرفها.
* المؤكد أن الكتابة نوع من المغامرة ؟
– في طفولتي كنت أكره الامتحانات, وحين كبرت, حين أصبحت كاتبا, صرت أدخل امتحانا في كل لحظة. الكاتب يخوض امتحانا مع كل عمل فني, وفي كل مقالة. وفي كل مرة أريد أن أنجح في الامتحان.
* وما أصعب امتحان دخلته ؟
– ألا تدخل أفكارك قلوب البشر. وهذا قدر أي كاتب. إذا انتظرت أن يوافقك كل الناس على رأيك, فستقع في هوة النفاق ومجاملة الشارع. لكن, بعد تجارب طويلة جدا, صار همي هو الوصول إلي صحة الفكرة. أن يكون ما تكتبه مجزيا لأكبر عدد من الناس. وإن كانت هناك أفكار كثيرة هي بمثابة مغامرات لا أجرؤ, بعد أن تقدمت بي السن, علي خوضها.
* أعتقد أن رحلة إسرائيل كانت مغامرة كلفتك ثمنا قاسيا, حتي إن كثيرين يختزلون اسمك في هذه الرحلة. كأنه نوع من العقاب الجماعي لك؟
– الصورة ليست بهذه القتامة, أقابل شبانا كثيرين يقولون لي.. نحن معك فيما تقول وتكتب. أنا لي أنصار ومؤيدون..والأهم أن ثمة شعورا بينك وبين نفسك بأنك لم تخطيء. الإدانة التي تؤثر فيك هي تلك التي تأتيك من داخل نفسك. قبل الرحلة استشرت كثيرا من أصدقائي والمحيطين بي, فوافقوا, ربما لأنهم لم يأخذوا كلامي علي محمل الجد, لكن أن تكون من صناع السلام, هذا شيء جيد, الفرصة كانت مواتية لصنع سلام بين مصر وإسرائيل, بوصفها دولة أوروبية, لكنها لم تعد متاحة الآن. أنت تكلمني عن الثمن الذي دفعته..أي كاتب هذا الذي لا يريد أن يدفع ثمن قناعاته؟ الكاتب يعمل في مهنة خطيرة.
* ما أكثر ما آلمك في ردود الفعل؟
– هذه التجربة كشفت لي أن الكراهية كثيرا ما تكون لها السيادة علي العقل. الكراهية والخوف وجهان لعملة واحدة. معظم الناس هنا, والمثقفون من بينهم, ينظرون إلي إسرائيل بدافع الكراهية والخوف.
* عن نفسي, ما زلت أحلم بأن نرمي إسرائيل في البحر
– لأنك تريد أن تحل المسألة حلا جذريا, بضربة واحدة, وهذه أفكار رومانسية, بغض النظر عن قابليتها للتحقيق. كل أصحاب الدعوات الرومانسية في التاريخ, يريدون أن يحولوا الأرض إلي جنة بضربة واحدة, وهذا لن يكون. أنت ترى أن الحل الوحيد هو إزالتهم من الوجود, وهذا غير متاح, وإزالتك أنت من الوجود أيضا غير متاحة لهم. إذن ليس هناك سوى التحاور معهم. أن تنزل من سماء الرومانسية إلى خشونة الواقع, والواقع يقول إن الحرب هي تدمير قوات العدو ومعداته من أجل فرض شروط السلام عليه. القضية, منذ البداية, هي كيفية فرض السلام علي العدو, وهذا ما فعله السادات.
* لكن إسرائيل غير قابلة للسلام. إنها لا تعرف كيف تعيش بدون عدو ؟
– إسرائيل, كأي شعب آخر, تريد السلام, لكننا لم نقرر الاستفادة منه.
* كل اتفاقاتها, منذ عرفات وإلى أبو مازن, ما زالت حبرا على ورق ؟
– هذه خلافات, ولا تنس أن حماس, عندما انتفضت ضد سلطة الدولة ووقع التقسيم, كل هذا أوقف المفاوضات وأي احتمال للمفاوضات.
* يا إلهي.. الجميع يعلقون أخطاءهم علي شماعة’ حماس’ ؟
– على حماس ومنظمة التحرير أن يكونا حكومة موحدة..
*( مقاطعا)..وقتها سيحدث السلام ؟
– طبعا, سيكون هناك تفاوض, وعلى مائدة المفاوضات, ثمة مكسب وخسارة.
* أنت شخصيا..هل تقر, في أعماقك, بحق إسرائيل في الوجود علي أرض مغتصبة ؟
– لست مشرعا, وأنا, الآن, لا أتحدث عن حقوق, أنا أدرك كيف يصنع التاريخ. هناك شعوب تستولي على أرض ما, وتدعي ملكيتها, بحجة أنها كانت هنا, قبل3 آلاف سنة. الشرعية هنا هي.. ما الذي يمكن أن نصل إليه؟ أتصور أن الوصول إلى دولة فلسطينية ديموقراطية, تعيش بسلام مع جيرانها, هو الحل الوحيد للكراهية المتبادلة.
* ألم تشعر, وأنت هناك, بأنك تخون جزءا من نفسك, أو تخون جماعتك ؟
– لا, علي الإطلاق. كانت هذه رغبتي, وقد حققتها.
* وما الذي تحقق غير الرغبة ؟
– لقد عرفت من هم.. كان من المستحيل أن أعرفهم, قبل أن أراهم رأي العين.
* ألم تعلم الجهات الأمنية مسبقا بنواياك؟
– على الإطلاق. كنت علنيا في كل شيء. ركبت سيارتي وانطلقت. وفي خلفيتي ما قالته جولدا مائير..’السلام هو أن أنزل القاهرة بسيارتي, لأتسوق من العتبة’. كان همي أن أثبت أن الطريق إلى هناك قصير ومتاح. وحين أتأمل هذه الرحلة الآن أعتبرها عملا فنيا, استخدمت العجلات في كتابته. الجميل في الأمر أن تعلن..( لبس سالم هنا لهجة مذيع ساخر وهو يقول..)’ أيها السادة..أنا ناوي أروح إسرائيل بسيارتي, للإجابة عن هذين السؤالين: من هم, وماذا يفعلون. وأنوي أن أنشر ذلك في كتاب.’ وقد حدث.
* ومن’ هم’ ؟
– قيادات إسرائيل أوروبية. تفكر بعقل أوروبي, وتصل لمصالحها بالطريقة الأوروبية. وهذا ما أريد الاستفادة منه, لكنهم, في نهاية الأمر, شرقيون. السوق اليمنية في تل أبيب تذكرك بسوق الخضار المصري منذ60 سنة. هم أمة من عناصر شتي, يجمعها الترابط المستمد من الهوية.
* هل ترى أن مغامرتك هذه, عمل يرتفع إلى مصاف التاريخ؟ وأنها لم تقدر ؟
– أعتقد, أما التقدير فشيء أبحث عنه في العمل الفني وفي الكتابة بوجه عام. أما الرحلة فهي, في النهاية, سياسة. كان هناك أنصار للسلام في إسرائيل, وكان يجب أن أدخل التنافس معهم. أن أقول لهم..هنا أيضا سلاميون. وقد تمكنا من عمل جمعية القاهرة للسلام, لكن النظام القديم أوقف, بعد1995, كل شيء, لأنه كان يخشى, فيما يسمي بالتطبيع, من عدوي الديمقراطية.
* إسرائيل, يا أستاذ علي, تدخر الديمقراطية لنفسها, وتدخر الرصاص للفلسطينيين ؟
– ليس هناك إنسان ديمقراطي, هناك نظام ديموقراطي. والنظام في إسرائيل كذلك. أما القتل فمتبادل. في غياب السلام يحدث القتل.
* لكن العقل الإسرائيلي, لاحتكاره المأساة, يميل إلى الثأر ؟
– هم أمة معذبة. صفحات التاريخ سوداء بالنسبة لهم. لكنهم, في النهاية, بشر لا يختلفون عن الباقين.
* ما الذي يميزهم, بحيث يعتقدون أنهم شعب الله المختار ؟
– لا شيء. لم يخضني أحد هناك بعبقريته, لكن علي أن أحترم قدرتهم العالية على التنظيم, الذي يضمن أعلى قدر من الإنتاجية والاختراع.
* هل إسرائيل قابلة للاندثار؟
– لا.
* دعنا إذن نصعد المسرح.. كيف يولد النص في ذهنك؟
– في العملية الإبداعية نحن نكتب بجزء من الوعي, لكن اللاوعي يمدنا بالمادة الخام. حتى على مستوى الكتابة الصحفية, يزودك اللاوعي بما تريد, إذا كانت الكتابة, بالنسبة لك, مسألة حياة أو موت.
* بم تشعر حين تنظر وراءك..أنك أنجزت ربع مشروع أم النصف, أم مشروعا كاملا ؟
– أشعر بأن ما قدمته قليل, جميل ولكنه قليل. كانت هناكblacklist( قائمة سوداء), غير معلنة, ومن سوء الحظ أن اسمي كان فيها. في1970 عرضت’ انت اللي قتلت الوحش’, وكانت هذه المسرحية تتحدث لأول مرة عن خطورة الانفراد بالحكم, خطورة الحاكم الفرد على شعبه, ومن وقتها بدأ ينظر لي بريبة شديدة, وكل أعمالي اللاحقة كانت ترى النور بالمصادفة, لم أكن محبوبا من السلطة. يؤلمني أن يعرفني الناس بـ’ مدرسة المشاغبين’, فقط, ربما, لأن أعمالي الآخرى غير مسجلة. أتمني أن يأتي زمن ما, يكتشف فيه أحد ما هذه الأعمال ويعيد إنتاجها.
* ألم تكن’ مدرسة المشاغبين’ وراء الانفلات الذي حصل في التعليم المصري ؟
– طبعا لا. أنا غازلت الواقع بشكل ساخر. والقول إن مسرحية ما يمكن أن تفسد أحوال البشر, قول غريب جدا.
* وما العمل الذي تعتبره عنوانك؟
-‘ انت اللي قتلت الوحش’
* والكلمة التي يمكن أن تلخص اسمك ؟
– علي سالم, طفل العالم الضاحك.
* متي تلجأ الجماعة لمطارة الكوميديا والكفاح ضدها؟
– عندما تكف عن الجد, تستطيع أن تعرف مستوى الجدية في مجتمع ما من مستوى الكوميديا فيه, غياب الكوميديا معناه, بالحتم, غياب الجد.
* الكوميديا أم التنمر, هو الحاضر الآن ؟
– الكوميديا, كما أعرفها أنا, ليس لها وجود في مصر. الكوميديا, كما اكتشفها يعقوب صنوع, وعند المحبظاتية, لم تعد حاضرة. الموجود الآن كوميديا متوترة تهدف للضحك فقط, وتلجأ للتجريح, الكوميديا لا تلجأ للتجريح, ولكنها تكشف الأخطاء. الضحك عرض من أعراض الكوميديا وليس هدفا أساسيا لها. الكوميديا بنت المدينة, ولذلك لا بد أن تتحلي المدينة بالجد, لتعرف كيف تنتج الكوميديا. الكوميديا لا تطلق الرصاص علي العدو, بل على السلاح الذي يحمله, ليسقط من يده, وتكون هناك فرصة لأن نضمه للقافلة البشرية من جديد
* ما مفتاح الشخصية المصرية الآن ؟
– شخصية عنيفة مرتبكة.
* أهي النسخة الأصلية منها؟
– لا, النسخة الأصلية هي الرقة والدقة في العمل, أنت تتحدث إلي شخص دمياطي يعرف ما معني الدقة. كان من المهين لأي’ صنايعي’ أن تقول له: دي مش أصول شغل. هذه أعلى درجات الإهانة بالنسبة له.
* قل لي.. هل هناك ظرف تاريخي ما هو المسئول عن ظهور الأعمال الضخمة. أم أن الأمر رهن بالمواهب الكبيرة؟
– تعجبني مقولة وول ديورانت, عن الدراما بالذات,’ يزدهر المسرح في أوقات العزة القومية’. في بيروت وصربيا كانت هناك أعمال مسرحية في عز القتل.
* ما أكثر العناصر درامية في مصر منذ ثورة يناير ؟
– عدم وضوح رؤية للغد, عدم الإيمان, عند الجميع تقريبا, بأن هناك غدا أجمل. وهذا خطر. في حديث مع سمير عبدالمنعم, منذ4 سنوات, قلت له..لعل أجمل الأوقات هي التي نحياها الآن..
* لا تلك التي لم نعشها بعد, كما يذهب ناظم حكمت ؟
– لا, أجمل الأوقات هي الحاضر.
* بكل هذه الفوضي التي تحت الشمس ؟
– ربما ينطبق هذا الكلام علي وحدي.
* كأنك تخشى أن يأتي الغد بما هو أسوأ ؟
– سيأتي الغد بقطار جديد وضحايا جدد.
* من أي زاوية تنظر لمصر الغد ؟
– هذا شعب قديم للغاية. اللاوعي الجمعي لديه كفيل بأن يدله على طريقة ينقذ بها نفسه.
__________________________________
* الأهرام . 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *