الرئيسية / إضاءات / كوميديا البحث عن زوج وسيم يشبه مستر دارسي

كوميديا البحث عن زوج وسيم يشبه مستر دارسي


* سلوى جراح


احتفلت الاوساط الثقافية في بريطانيا امس بمرور مئتي سنة على صدور رواية جين أوستين الشهيرة كبرياء وتعصب، ففي مثل هذا اليوم من عام 1813 كتبت رسالة لشقيقتها كاساندرا تخبرها عن مدى سعادتها بصدور روايتها الجديدة التي أصبحت أشهر رواياتها على الإطلاق أريد أن أخبرك بوصول طفلتي الحبيبة من لندن اليوم بمجلداتها الثلاثة . فجين أوستين لم تتزوج ولم تحب، قبلت مرة واحدة خطوبة رجل ميسور الحال، كان سيوفر لها ولأسرتها، كبطلات رواياتها، بحبوحة في العيش. كان ذلك على مائدة العشاء. في الصباح التالي غيرت رأيها وسحبت قبولها للخطوبة. 
وبعد أكثر من اثنتي عشرة سنة، كتبت لابنة أخيها التي كانت تستشيرها في قضية عاطفية رغم أني كتبت الكثير عن الحب والمحبين وبحث الفتيات عن الرجل المناسب، لكني الآن أعكس الفكرة واقول لك، لا تفكري في قبول زوج ما لم تكوني تحبينه فعلاً، فكل صعاب الحياة يمكن احتمالها إلا الزواج من شخص لا تكنين له أي عاطفة . 
وضع المرأة
تعالج رواية أوستين كبرياء وتعصب وضع المرأة في القرن التاسع عشر وافتقارها الواضح للاستقلال الاقتصادي الذي جعلها في بحث دائم عن الزوج ميسور الحال، الذي سيوفر لها الحياة الكريمة. فعزوبية المراة كانت تعني حياة الفقر والعوز في مستقبل حياتها. قد عالجت أوستن هذه الفكرة قبل ذلك في رواياتها منطق ومعقولية Sense and Sensibility التي صدرت عام 1811 ، وعادت لنفس الموضوع في روايتها إيما التي صدرت عام 1816. فكل روايات جين أوستين تعالج بشكل يكاد يكون كوميدياً، بحث الفتيات عن الزوج المناسب لتسلق السلم الاجتماعي، والتفاصيل الصغيرة في حياة المرأة الشابة التي لا تكل عن البحث عن الزوج المناسب في عصر تعاظمت فيه الفروق بين الحياة المترفة وحياة الفقراء، وتفاقمت الإشكاليات الإجتماعية لدى الناس العاديين، خاصة من يتظاهر منهم بأنه في مكانة اجتماعية أفضل وأرقى بكثير مما هو عليه في واقع الأمر. 
تعتبر جين أوستين 1775 1817 من أكثر الروائيين الإنكليز إنتشاراً فرواياتها التي تعالج مشاكل المجتمع في عصرها أثارت اهتمام النقاد وكبار الكتاب.
عاشت حياتها في أسرة متماسكة فقيرة وتلقت تعليمها على يد أبيها رجل الدين ثم شقيقها الاكبر وما قرأت من كتب. شجعتها أسرتها على الكتابة، في سن مبكرة، لكنها كتبت رواياتها الرئيسية وهي في ثلاثينيات عمرها، ونشرت دون أن تحمل اسمها، وعليه لم تكتب عن تلك الإعمال بحوث نقدية مستفيضة، واكتفى النقاد بتناول الدرس الأخلاقي المستنبط من تلك الروايات، مع ذلك، نالت رواياتها بعض الشهرة في الاوساط الحاكمة، كما أن مثقفي عصرها اهتموا بأعمالها واعتبروها نفساً جديداً في الرواية التي كان ينظر إليها، في بداية القرن السابع عشر، على أنها جنس أدبي لا يرقى إلى مصاف الشعر. 
لكن شهرة أوستن الحقيقية بدأت بعد وفاتها بمرض في الجهاز التنفسي وهي لم تتجاوز الثانية والأربعين من عمرها، حين نشر ابن أخيها، عام 1869 كتاباً بعنوان في ذكرى جين اوستن A Memoir of Jane Austen واصفاً إياها بالعمة جين العزيزة معيداً للأذهان ذكرى تلك الآنسة المحترمة، ومثيراً الاهتمام من جديد بإعادة نشر رواياتها. ومع صدور طبعات جديدة متلاحقة من رواياتها، تحمل هذه المرة اسمها الصريح. 
روايتها مادة دراسية
عندها، تصاعد الاهتمام بها ككاتبة حتى أن الروائي البريطاني أمريكي المولد، هنري جيمس 1843 1916 وصفها بأنها من الكتاب الذين يحسنون رسم الحياة مقارناً إياها بشكسبير وسيرفانتس الاسباني مبدع شخصية دون كيشوت ، وهنري فيلدينغ الروائي الانكليزي من القرن الثامن عشر. بل لقد اعترض هنري جيمس على انتشار شعبية أوستن بين القراء العاديين بحجة انهم لن يستطيعوا استيعاب فنها الروائي. مع بداية القرن العشرين ظهرت دراسات كثيرة متخصصة أعادت وضع جين أوستن من جديد على خارطة الأكاديميا الادبية، واصبحت رواياتها مادة دراسية في العديد من الجامعات حول العالم، ومع حلول اربعينيات القرن الماضي توالت الدراسات الاكاديمية عن أوستن التي شملت مناحي كثيرة من اعمالها وحياتها وعالمها في اواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. كثيرون قارنوها بكتاب عصرها ووضعوها في مرتبة متميزة معتبرين أعمالها انتقالة فكرية بين قرنين. عرفت جين اوستن الفقر والعوز حتى أنها كتبت لإحدى قريباتها تقول تستطيع المرأة أن تتدبر شؤون بيتها وتقتر، لكنها لا تستطيع تحويل العوز إلى وفر . ترى ماذا كانت ستقول لو أنها علمت أن رواياتها يعاد طبعها باستمرار وتدرّس في جامعات العالم، بل أن معظمها تحول إلى افلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية يتابعها جمهور عريض وتدر ارباحاً ضخمة، بل إن الاحتفال المؤي الثاني بنشر روايتها كبرياء وتعصب سيتضمن تقديم عروض تمثيلية على الإنترنيت لأشهر أعمالها، وزيارات لبتيها في مدينة باث حيث استلمت النسخة الاولى لروايتها قبل قرنين. كما يحتفل معجبوها بارتداء الأزياء التي ميزت عصرها والتجوال في المعرض المخصص لها في مدينة باث. لا أحد يدري، ربما يأتي الجواب على لسان إحدى بطلاتها الباحثات عن وسيلة لتسلق السلم الاجتماعي عن طريق الارتباط برجل ميسور الحال، رجل وسيم غني مثل المستر دارسي بطل رواية كبرياء وتعصب .
* صحيفة الزمان. 

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *