الرئيسية / فنون / فيلم ” غاتسبي العظيم ” : الخواء الأخلاقي في أحدث نُسَخِهِ

فيلم ” غاتسبي العظيم ” : الخواء الأخلاقي في أحدث نُسَخِهِ




أحمد علي البحيري *

ثنائية الأدب والفن تجمع دي كابريو وأميتاب باتشان وإيزلا فيشر والمخرج باز لورمان كما تجمع بين هوليوود وبوليوود رواية الأديب الأميركي «أف سكوت فيتزغيرالد 1896 – 1940» الموسومة بـ «غاتسبي العظيم» ماتزال محط أنظار مخرجي السينما منذ أكثر من ثلاثة عقود، حينما قبس منها المخرج «جاك كلايتون» عام 1974 فيلما يحمل نفس الاسم شاركت في أداء بطولته النسائية النجمة ميا فاراو، وعرض آنذاك ضمن تظاهرة الأدب في السينما، وحقق نجاحاً جماهيرياً ونقدياً كبيرين، نظراً لتقديمه صورة المجتمع الأميركي، في مزاوجة رفيعة لثنائية الأدب والفن، ولتلك الحرفية السينمائية الخاصة في تطويع الرواية أمام الكاميرا من خلال سيناريو العالمي «فرانسيس فورد كوبولا»، وإبداع البطل روبيرت ريدفورد في دور غاتسبي، ما جعل منه مدرسة قائمة بذاتها في أسلوبية تناول النّص الأدبي ومعالجته سينمائيا بروح معاصرة.

النّسخة الأولى من هذا الفيلم، ما زالت راسخة في أذهان أجيال متعاقبة من عشاق الفن السّابع، بعد أن نجحت في تقديم النموذج الأميركي، من خلال بطل استثنائي هو «جيه غاتسبي»، الطموح، الحالم، الذي تمنّيه الحياة بجملة من التجارب الانسانية والعاطفية الفاشلة، ما يدفعه للحلم بتحقيق ثروة طائلة لكي يقدّمها للمرأة التي سيحبّها، وحينما يتحقق له ذلك، يظل خارج دائرة السّعادة، صريعا لفشل عاطفي جديد، حيث يبحث في الفراغ عن المرأة التي أحبّته، ومنعها عنه المستوى الاجتماعي.

إذا كانت نسخة عام 1974 من الفيلم، قد تفوّقت على جميع الأفلام التي اقتبست الرواية منذ عام 1926 للمخرج هربرت برنون (فيلم صامت من بطولة آلان لاد، وشيلي وينترز)، وعام 1949 للمخرج ذائع الصيت إليوت نغنت، وعام 2000، من بطولة بوكانان ديزي، وروبرت ريدفورد، فما الذي يمكن أن تحققه آخر نسخة من الفيلم تحت نفس الاسم «غاتسبي العظيم» لعام 2013، إنتاج أميركي أسترالي مشترك لشركة فوكس ستديوز بتكلفة إجمالية وصلت الى نحو 150 مليون دولار من خلال أهم منتجين في السينما العالمية هما: لوسي فيشر ودوغلاس ويك، نسخة تعيدنا إلى جماليات كلاسيكيات السينما في إطار معاصر يتناول جوهر الانسان من خلال عرض لمتناقضات المشاعر الانسانية في إطار قصة حب بين رجل ثري وامرأة متزوجة؟ الجدير ذكره أن تريلر الفيلم صدر نهاية العام الماضي، وحتى مطلع العام الجاري، واقترب من مليوني مشاهدة في اقل من ثلاثة أيام، فما هو حجم المشاهدة المرتقب في حال عرض الفيلم صيف هذا العام؟
 

عوامل للنجاح

«غاتسبي العظيم» المأخوذ عن ذات الرواية التي نشرت لأول مرة عام 1925 واعتبرها النّقاد واحدة من أجمل كلاسيكيات الأدب الأميركي، وإحدى أهم الوثائق الأدبية التي أرّخت لعقد العشرينيات الصّاخب، والتحوّلات الخطيرة في حياة الأميركيين اجتماعياً ومادّياً وإبداعياً، مضافاً إليها ذلك الخواء الأخلاقي في اغتراب يدفعك للتساؤل عن مصير الانسان في الراهن، في أحدث نسخة له، عمل سينمائي مرتقب بشغف، ونهتم به في الواقع لأسباب كثيرة، أولها: أن الضجيج الاعلامي الذي سبقه، جعله محط أنظار عشاق الفن السّابع في أرجاء العالم، وثانيها: أن مخرجه الأسترالي الأصل «باز لورمان»، قد نجح في جمع نخبة من ألمع نجوم السينما العالمية في فيلمه الجديد، لأداء الأدوار الرئيسية، ومعظمهم من نال الأوسكار أو رشّح لها، ويتصدرهم النجم الأميركي ليوناردو دي كابريو (جاي غاتسبي)، ونجم الهند الأول أميتاب باتشان في دور (ماير ولغشيام)، كاري موليجان (ديزي بوكانان)، إيزلا فيشر (ميرتل ويلسون) وجايسون كلارك (جورج ويلسون). وثالثها: أن هذا العمل يحتوي على قيمة فكرية وإنسانية كبيرة تتخطى مجرد قصة حب عاطفية من خلال تعظيم مصطلح سينما المؤلف، إلى دراسة واقع (الحلم الأميركي)، والمسلك غير الشّرعي للحصول على الثروة، وذلك الفراغ الاجتماعي وتحطّم العلاقات الانسانية على صخرة المال.

وتعتمد الرؤية الجديدة على مخيلة المخرج باز لورمان الذي شارك في كتابة السيناريو مع الكاتب «جريس بيرس»، وتجري الأحداث في عام 1922 في نيويورك، حيث العصر الذهبي لموسيقى الجاز خلال الازمة الاقتصادية التي عصفت بأميركا وانتشار عمليات التهريب وظهور طبقة جديدة من الاثرياء، فيما يدور الحدث الرئيس حول الكاتب نيك كاراوي توبي ماجوير الذي يقرر أن يرحل من بلدته في الغرب الأميركي ويأتي إلى نيويورك ويحقق حلمه الأميركي بأن يسكن بجوار شخصية ثرية ومشهورة وغامضة جاي جاتسباي (ليوناردو دي كابريو) الثري حديثاً والذي يمتلئ قصره دائماً بالحفلات الصاخبة، لكن نيك يجد نفسه شاهداً على حياة بائسة ومأساة حقيقية تحدث أمامه.

باز لورمان مخرج يختفي لسنوات ولكنه دائماً يعود بعمل خلاّق يضع عليه بصمته المسرحية، يستطيع أن يحصل به على العديد من جوائز الأوسكار مثل فيلمه الشهير «الطاحونة الحمراء» الذي أخرجه العام 2001 ولم يقدم أي عمل إلا في العام 2008 بفيلم «استراليا»، وهذا العام يعود بفيلم يختلف عن أفلامه السابقة، ويقول عنه باز هذه الرواية قدمت من قبل ما لا يقل عن أربع مرات في السينما، وهذا لأنها رواية تتحدى الزمن والعوامل الجغرافية، ونحن هنا نتحدى ونغامر برؤية جديدة ومختلفة نريد بها إظهار مفهوم الكاتب عن العدالة وإظهار جوهر الإنسانية وإلقاء الضوء على أفكار هامة وكبيرة، والمفاجأة أن باز اختار تصوير الفيلم بخاصية ثلاثي الأبعاد لتكون النسخة الوحيدة من الأفلام المأخوذة عن الرواية التي تقدم لجمهور اليوم بهذه الخاصّية، وبهذه الجماليات على صعيد الايقاع والسلاسة.

لقد اختار المخرج أن يتم تصوير الفيلم بالكامل في موطنه أستراليا وصناع الفيلم لم يجدوا مشكلة في ذلك بل تحمسوا قائلين عندما شاهدوا فيلم باز الأخير «استراليا» وتلك الإمكانيات الرهيبة التي ظهرت في تصوير الفيلم هناك تأكد لهم أنه سيخرج فيلماً مثيراً بعناصر الابهار والتشويق بجانب وجود فريق عمل كامل له في أستراليا، وبجانب ذلك فإن الحكومة وفرت لكادر العمل خدمات كثيرة وتعاونا كاملا بفضل جنسية باز الأسترالية.

في كادر معاصر

من أهم ما في كواليس هذا الفيلم، والضجيح الاعلامي المثار حوله، ما يتردد ويكتب في وسائل التواصل الاجتماعي، ما ينتظره الجمهور حول أداء نجم هوليوود، ليوناردو دي كابريو، لشخصية غاتسبي، وهو السّاحر في أدائه في جملة أفلامه المتنوعة، بعد أن رسّخ في الأذهان جماليات خاصة للعشق ومخاطره في رومانسيته الشهيرة (تايتنيك) للمخرج الكبير جيمس كاميرون، وهو أي دي كابريو الذي أدّى ببراعة من قبل شخصية روميو تحت إدارة المخرج لورمان، ومع تقدّم هذا الثنائي من نجاح إلى آخر، يصبح هذا الأثر الكلاسيكي في كادر معاصر، محط اهتمام وانتظار وترقّب، بعد أن اصبح واقعا على الشاشة الفضية، ولا شكّ في أن هذا العمل الجديد سيلقى المزيد من الاهتمام والترحيب، ليضاف إلى قائمة الأفلام الضخمة، وبخاصة أن مشاركة نجم الهند الأول أميتاب باتشان في هذا الفيلم – الأكثر عمقا في الأداء والتعبير وبخاصة في أفلامه الانسانية الكبيرة – تجيء في غمرة تحقيقه للمزيد من النجاحات على مستوى السينما العالمية، وعلى مستوى ما يحظى به من نجاح جماهيري، نظرا لما يتمتع به من شعبية واسعة كممثل ومنتج ومغن ومقدم برامج تلفزيونية، حصل على شعبية واسعة منذ مطلع السبعينيات من القرن الماضي، حيث عرف في السينما الهندية بإسم (الشّاب الغاضب)، وظهر منذ ذلك الحين في أكثر من 250 فيلما، في حياته السينمائية الممتدة لأكثر من أربعة عقود. ومع هذا الثنائي كابريو وباتشان، ومن بوليوود الى هوليوود سيتعرف الجمهور على أداء خاص للممثلة الاسترالية الشهيرة إيزلا لانغ فيشر، مواليد عام 1976، والتي أكدت حضورها وتألقها في عديد الأفلام مثل: الآن تراني، التبديل، صعود حراس، عرس المحطمون، كما سيتعرف على نجوميتها التي تزداد من عمل سينمائي إلى آخر، وما ستحققه في دورها في غاتسبي العظيم، حيث تؤدي دور (ميرتل ويلسون) وما يحتويه من تعريجات، وما يحمله من إسقاطات على الواقع الأميركي، ورمزية ودلالات إنسانية، وعلى الرغم مما يدور حول الحياة الاجتماعية للمثلة إيزلا فيشر، إلا أنها في غاتسبي العظيم تشكل أهمية بالغة من حيث الأداء وتوصيف الثلاثي التمثيلي المتوقع له نجاحاً عالمياً ساحقاً.

لن نتحدث عن الفيلم نقدياً من خلال التريلر الذي صدرته شركة إنتاجه للترويج له فنياً، ولكن ينبغي الحديث قليلا عن إعادة سيرة الانتاج العالمي، وهذا الزواج الجديد بين هوليوود الأميركية وبليوود الهندية، وبخاصة بعد النجاح الساحق الذي حققه فيلم المليونير المتشرد، للمخرج بريتون داني بويلي، الذي حصد ثماني جوائز أوسكار و74 جائزة من مهرجانات أخرى، مما عزّز الأواصر بين جهدين سينمائيين ظلا متخاصمين لسنوات كثيرة، فيما نتوقع أن يعيد فيلم غاتسبي العظيم حلقة وصل جديدة بين الغرب والشرق، وربما ينهي حلقة (التجاهل) التي تعاملت بها هوليوود مع بليوود من أجل إعلاء شأن الفن والابداع الانساني الحقيقي.

– الاتحاد الثقافي

شاهد أيضاً

عروة الأحمد مخرجاً في كان، وممثلاً في هوليوود

خاص- ثقافات *منى الزيدي لم يكد الفنان السوري “عروة الأحمد” يعلن عن انتهاء تصوير فيلمه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *