الرئيسية / إضاءات / الحائزة على “بوشنر” فليسيتاس هوبه: ما يعطيه الأدب أكثر مما تقدمه الرسائل السياسية

الحائزة على “بوشنر” فليسيتاس هوبه: ما يعطيه الأدب أكثر مما تقدمه الرسائل السياسية


نالت الكاتبة فليسيتاس هوبه جائزة جورج بوشنر هذا العام 2012 ، وبوشنر الذي سميت الجائزة باسمه (1813 – 1837 ) شاعر ما زال ينظر لإنجازه بعين الاهتمام رغم حياته القصيرة. تعتبر الجائزة هذه رفيعة المستوى وقدرها خمسون ألف يورو، ومنذ بداية تأسيسها سنة 1923، أشرفت عليها أكاديمية الشعر واللغة وهي مؤسسة أدبية مرموقة، وقد نال الجائزة هذه قبلها أهم الكتاب الذين صدرت أعمالهم باللغة الألمانية أمثال: ماكس فريش 1958، كونتر كراس 1965 ، هانريش بول 1967 ، بيتر هاندكه 1973 ، كريستينا فولف 1980 ، بيتر فايس 1982 ،فردريش دورنمات 1986 ، الفريدة يلينيك 1998بريجيتا كروناور 2005
عن كتابها (هوبه) نالت فليسيتاس هوبه هذه الجائزة، و بالرغم من أنه سيرة ذاتية للكاتبة لكنه بتقييم اللجنة المحكّمة سيرة ذاتية حالمة كتبت بأسلوب روائي.
هوبه من مواليد 1960 في مدينة هاملن، درست علوم الأدب و علوم الدين وأيضا درست الايطالية و الروسية لكنها بعد حصولها على منحة دراسية تدريبية في تنظيم جداول القطارات اختارت العمل في هذا المجال بمدينة (اسلنكن)، بعدها تركته لتعيش منذ 1996 في برلين كمؤلفة حرة .
نشرت العديد من مجموعات القصص القصيرة، وكتبت الكثير من الحكايات للأطفال، ولها أربع روايات، (هوبه) التي نالت عنها الجائزة من ضمنها .
* لقد بدأت حياتك العملية في تنظيم جداول القطارات بمدينة أسلنكن؟
– عملي في إدارة و تنظيم خطوط سير القطارات هو عمل خاص جدا، خطوط القطارات في مدينة اسلنكن من أكثر الخطوط في ألمانيا ازدحاما، في هذا الجو كنت امضي يومي.
* أنت تختارين الأشياء غير المألوفة والتي لها خاصية معينة، أليس غريبا و أنت كاتبة أن يكون لك آنذاك مثل هذا العمل المعقد؟
– هذا أكيد ، لكنه مجرد عمل بواسطته أستطيع أن احصل على متطلباتي ، كي أكتب و أتواصل بشكل ايجابي مع الحياة ، عملي في اسلنكن علمني أن أعرف من خلال اهتزاز الأطباق في الخزانة أن أقول لك ما نوع القطار الذي مر الآن و استطيع من درجة الاهتزاز بعد فترة وجيزة من الوقت أن أميز بين القطارات العابرة للمدن و بين القطارات التي تسير في شوارع المدينة .
* جائزة بوشنر هي اعتراف شخصي من قبل اسم صاحب الجائزة لمن ينالها بأنه جدير بالاحتفاظ باسم مؤسس الجائزة ، أليس هذا مختلف قليلا أن تكون لديك كتابات خاصة هي غير مألوفة في كتابات الآخرين ممن نالوا الجائزة هذه من قبل ؟
– قضيت الأسابيع الماضية في إعادة قراءة أعمال بوشنر و رسائله ، يتعلم المرء الكثير عن ألمانيا في ذلك الوقت ،و أدى بي ذلك إلى نتيجة هي أنه على المرء أن لا يربط نفسه بتلك الأعمال لأنها كانت تمثل نفسها و زمنها ، كذلك قرأت لمن فاز بالجائزة من الكتاب ، الأدب هو واحد من عدد قليل من الأماكن المفتوحة ، حيث كنت أشعر أن ما يقدمه الأدب هو أكثر مما تقدمه الرسائل السياسية .
* هناك جوائز بأسماء كتاب ،ما هي الجائزة التي لا تزالين ترغبين في الفوز بها ؟
– ليس لدي في الواقع اسم معين لجائزة اطمح أن أفوز بها. لأنه ليس عندي من الأسماء ما يمكن أن يكون قدوة لي .
* هناك الكثير من الرموز المبهرة وشخصيات الحكايات التي كانت كثيرا ما تظهر و خاصة في روايتك ( هوبه ) منها المزمار السحري و ذو الجورب الطويل و بونوكيو، و هذه جميعها قصص فيها خيال واسع و روايتك هذه استفادت منها .
– لكن هذه مجرد شخصيات ، و هي بكل تأكيد موجودة ،عندما المرء يترعرع في (هاملن) ستكون مثل هذه الشخصيات حتما حاضرة و الكاتب عليه أن يقترب منها ، أنا عندي حساسية شديدة للحكايات و هي بالنسبة لي مغرية جدا ، و قد تأثرت بها و تظهر دائما في كتاباتي ، وفي كثير من الأحيان تراوغني و تأتي من الباب الخلفي للنص من دون أن اعلم .
* هل تستطيعين مستقبلا أن تكتبي رواية حول الأزمة المالية ؟
– كلا ، أنا درّست الأدب في إحدى الجامعات الامريكية و في إحدى الفصول الدراسية درست السعادة و المال. في الأدب ب المال لا يلعب دورا كبيرا ،أو عندما يكون للمال دور فانه يعطي نتائج سلبية ،بالكاد يكون هناك كتاب يحتفل بالثروة ،بالرغم من أن الأزمة الاقتصادية تشغلني جدا مع ذلك لا أود أن اكتب عنها ، على الأكثر ممكن أكتب عن شخص; فشل مع المال أو ربما لا ،انا شخصيا أرى المال شيئا جميلا وكذلك مهم جدا .
* لأنه يمكن أن يحقق الرغبات ؟
– هو لتحقيق الأمنيات شيء عظيم .
* ولكن الحصول على المال مازال في الواقع أمرا يقود إلى الهلاك؟
– الأمنيات التي أمتلكها لا استطيع أن أحققها مع ما أخذته من جائزة بوشنر، إذا لم يكن المرء حذرا ،هذه المبالغ التي يحصل عليها تختفي بسرعة ، و مع الأزمة الاقتصادية أصبح الخطر أكبر بكثير ، أن كل شئ يذهب في الهواء كما هي الأحلام ، تأتي و تذهب .
* هناك إقبال شديد على السيرة الذاتية التي كتبتيها برأيك هذا الإقبال الواسع الذي لم تستطع كتابات الآخرين اللحاق به كان على ما تضمنته سيرتك عن حياتك الخاصة من معلومات أو كان الإقبال لأسباب أخرى ؟
– كنت دائما أفكر ، إذا كتبت رواية أكون أنا – الكاتبة – البطلة فيها فان هذه الرواية سوف لا يكتب لها النجاح ، لذلك يكون السؤال المهم بالنسبة لي هو: من أكون أنا؟ ما هي اهتماماتي؟ بماذا اعتقد و بماذا أؤمن؟ لقد وظفت هذه الأسئلة لكي أتحدث عن الحياة التي تمنيت ، لذلك ظهر كتاب (هوبه).
* لماذا كتب السيرة الذاتية ناجحة جدا؟
– اعتقد أن القارئ يهتم بكتب السيرة الذاتية بدافع الفضول لمعرفة التفاصيل التي يجهلها عن النجوم من الكتاب و الممثلين ، فمثل هؤلاء الناس تكون حياتهم حافلة بالأحداث التي قد لا نجد شبيها لها في حياة الناس العاديين ، وهذه هي مغامرة القراءة .
*كثيرا ما نرى أن الكتاب يربطون أحداث حياتهم بالأحداث التي يتناولونها في رواياتهم،على سبيل المثال ، الكاتبة ماريون براش ،استفادت من قصة تاريخ عائلتها التي هربت من الجانب الشرقي لألمانيا الى الجانب الغربي قبل الوحدة ، كتبت ذلك كله في رواية أو سيرة ذاتية صدرت في بداية هذا العام ، إذن لماذا تلقى مثل هذه الروايات قبولا واسعا إذا ما قورنت بالروايات التي أحداثها متخيلة؟
– أعتقد أن الكثير من الناس يبحثون عن اللحظات التي تتحدد فيها الهوية ، نحن جميعا نود أن نتحدث عن بعضنا البعض ولكن هذا صعب للغاية ،و يمكن أن أقول من قراءاتي المتنوعة أنه من المهم للقارئ أن يعرف عن الكاتب أشياء هي من الخصوصية بحيث أن القارئ نفسه لو أتيحت له الفرصة لا يستطيع أن يقول مثل هذه الخصوصيات ، لذلك هي ناجحة .
* على عكس السير الذاتية الكلاسيكية كانت سيرتك المكتوبة هي اختراع خاص يسجّل باسمك ، ما رأيك بهذا؟
– ليس الكتاب وصفا لذاتي فقد كنت فيه شحيحة بالوصف، الكتاب هو اكتشاف للذات من خلال اختراع ذات أخرى لذاتي ، و نحن أطفال نفعل ذلك في أحيان كثيرة من خلال القيام بأدوار نخترعها من رغباتنا و خيالاتنا ، نحن نتعلم من ذلك الكثير عن أنفسنا ، و كأننا سنبقى هكذا ، و كانت هذه بالنسبة لي التجربة الأكبر في هذا الكتاب. أنا تلبست الكثير من الأدوار و رأيت من خلالها الأشياء أمامي واضحة أكثر من أي وقت مضى .
*ما هي الأحلام الخاصة بك؟
– عندما كنت طفلة كنت أحلم على سبيل المثال أن أكون الطفلة الوحيدة لعائلتي ، و ليس بين خمسة أطفال ، أحببت أخواني و أخواتي لكني كنت أحلم أن أكون الوحيدة لأبي و أمي ، أعيش معهما في منزل كبير ، في كتابي – هوبه – هو نقطة البداية لهذه المؤامرة .
* هل هناك موقف معين اتخذته عائلتك تجاه ما ذكرته من أحداث في سيرتك الذاتية؟
– رأت عائلتي في ما رويته لا يخلو من التشويق و التسلية ، فقد وجدوا أن صورة الأب كثيرا ما كان فيها أشكال مختلفة ، وأنه قد خطف الأضواء من بقية الشخصيات ، قد يكون هذا صحيح فقبلي لاعب الهوكي على الجليد الكندي الشهير كريتسكي قد نشأ في عائلة كبيرة كانت شخصية الأم في مذكراته لها شخصيات متعددة.
* لقد نقلت في (هوبه ) من النقاد و المفكرين مقاطع كاملة و نقلت أشياء كتبت عنك.
– سيرتي الذاتية ليست هي نص افتراضي بل هي حقيقة تستند إلى وقائع ، مع ذلك هناك فقرات عديدة في الكتاب فيها معلومات صريحة و حقيقية لم أخفها.
* ما هي على سبيل المثال ؟
– إن (هوبه) في هذا الكتاب عاشت مثل أي واحد من الناس العاديين ، لا تهتم بالهوايات كغيرها ، لا تعرف الركون إلى الراحة ،هي باردة مثل ملكة الثلج وأنا بهذا كتبت أنموذجا كلاسيكيا بعيدا المراوغة و الخداع، أنا كتبت عن هوبه كما لو كانت شخصا آخر غيري و اعتقد أني حققت ما أريد بطريقة أفضل مما لو أني كتبت عن نفسي رواية أكون أنا بطلة أحداثها .
حوار : يوتا ريناس
عن جريدة هانوفر

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *