الرئيسية / قراءات / أدونيس في “كونشيرتو القدس “: مَتى ينتهي تاريخُكِ يا جارية السَّماءِ والنّبوات؟

أدونيس في “كونشيرتو القدس “: مَتى ينتهي تاريخُكِ يا جارية السَّماءِ والنّبوات؟


أحمد دلباني *

ا”لسَّماء كمثل لوحة فريدةٍ في متحف الأرض. وكلٌّ يحاربُ لكي يصحّ زعمُه أنه سارقها الفريد.”  أدونيس كونشيرتو القدس

1
يخرجُ عمل أدونيس الشعري الأخير ‘كونشيرتو القدس’ ( دار الساقي بيروت، لبنان. ط1 – 2012) عن كُورس الأدبيات العربية التي ربطت ذاكرة المدينة العتيقة بالزمن الكولونيالي ومأساة الشعب الفلسطيني منذ قيام دولة إسرائيل. هذا العملُ يخرجُ عن الإطار السياسيّ الضيق الذي سجن القول الإبداعي عن القدس في ذاكرة الدَّم وتنازع المرجعيات اللاهوتية حول الأحقية التاريخية للأمّة الموعودة بالسّماء في المدينة العتيقة. إنها قصيدة بانوراما تستحضرُ مدينة القدس بعيدًا عن الهواجس النضالية التي طالما أسرَت الفعل الإبداعي العربي في زمن المراثي ونوستالجيا الفراديس المفقودة. القدسُ في هذا العمل الأدونيسي ليست فردوسا مفقودا، وإنما هي جحيمٌ أرضيّ وانشقاقُ ذاكرة أسَّس له التنابذ التاريخي بين المنظومات الدينية للطوائف المُختلفة وهي تحاول الاستئثار بوعود السّماء والأبدية.
نحنُ هنا أمام عمل إبداعيّ يحاولُ، جاهدًا، تأسيس ذاكرة مضادة لتاريخ التنابذ والانغلاق والتناحر الذي أسّست لهُ الوحدانيات الدينية من جهة أولى؛ كما يحاولُ، من جهة ثانية، أن يكتب مرثية الأرض التي رأى أدونيس أنها ظلت رهينة للإلهيّ وحمامة ذبيحة بسيف السّماء التي جسَّدت الحديث باسم المُطلق في شكله الدينيّ كما هو معروف. من هنا اعتقاد أدونيس أنَّ هذه المدينة العتيقة تمثل بصورة نموذجية ‘ سماء على الأرض ‘ ( كونشيرتو القدس، ص- 23)؛ وبالتالي فهي التجسيد الأمثل للحظة اللاهوت وهو يعتقلُ المعنى في اللغة المتعالية، ويكبحُ صيرورة العالم والتاريخ، وينسفُ جسورَ الانفتاح على الآخر المُختلف. هذا هو شأن كل وجود تاريخيّ يتأسّسُ على المطلق والوحدانية ويتمحورُ حول شبق الهيمنة الذي لا يرتوي.
كيف الخروجُ من هذا الزمن النبويّ الذي يستجدي حرابَ السماء لإخضاع الأرض وثقافة الأرض؟ كيف للإنسان في ظل هيمنة الوحدانيات المُتنابذة – أن يؤسّس لزمن ثقافيّ وحضاريّ جديد يصلُ بين الأطراف في أوقيانوس التاريخ المُتعثر أمام رهان الأنسنة إلى اليوم؟ كيف للّغة في زمن ثقافي مُماثل – أن تخرج من شرنقتها الدينية العتيقة وتكونَ وشوشة للجسد وأجنحة للفكر وقد تخلص من أغلال كهرمان السماء الآفلة؟ هذا هو الرهانُ العولميّ الحقيقيّ الذي نشعرُ بضرورته ونحنُ نقرأ عمل أدونيس الأخير: ضرورة العمل من أجل تحرير الأرض من مُعتقل السماء، وتحرير التاريخ من تدخل الآلهة السَّكرى بتعذيب البشر.

2
القدس، بالتالي، نموذجٌ للمدينة التي يُمكنُ أن توصفَ بأنها ‘مدينة الله’. إنها المدينة التي تأسَّست على الوحدانية الدينية ونزاع الطوائف الثلاث حول احتكار الدروب المُؤدية إلى الخلاص السماويّ. هذا الأمرُ طبع وجودها – وما زال- بطابع الصّراع الدمويّ القائم على الاعتقاد بامتلاك الحقيقة المُطلقة من جهة أولى، وطابع تغييب ثقافة الأرض والجسد والسؤال والحرية الكيانية من جهة أخرى. ويعتقدُ أدونيس أنَّ تحرير القدر الإنسانيّ من ارتهانه في ملكوت السماء واستلابه أمام تاريخ يكتبهُ الغيب لا يكونُ إلا بالخروج من الزمن النبويّ ومن هيمنة الأبدية. إذ لا وجودَ للبشر ولا للتاريخ والصيرورة مع دوام استمرار ذلك المشهد الرومانيّ الرهيب الذي يعرضُ الأرض أمامنا كمثل حمامة تئنّ تحت سوط السماء. علينا الخروج من ‘مسرح القسوة ‘ الذي أسَّست له الوحدانيات وإرادة القوة التي جعلتها تعتقلُ المعنى في المُسبَّقات اللاهوتية، وتسحقُ كل تطلع بشري إلى وجود مُغاير ومنفتح على الآخر خارج أسيجة الدوغماتية الدينية.
هذا ما يجعلني أتحدث، بكلّ أسف، عن بؤس الثقافة العربية في بعض أوجهها خاصّة تلك المُتعلقة بالقراءة النقدية واستقبال الحدث الأدبيّ الجديد – وأنا أقفُ أمام بعض المُتابعات السَّريعة لعمل أدونيس الأخير. ما زال إعلامنا الثقافيّ قاصرًا أمام المشهد الإبداعيّ في ذراه العالية التي يسكنها هاجسُ المساءلة والخلخلة لما استقرّ وساد في الوعي الجمعيّ. ما زالت مُقارباتنا للأعمال الإبداعية أسيرة لموروثٍ تُهيمنُ عليه الإيديولوجية النضالية والمخيالُ الألفيّ الذي لم يتعرّض للنقد التفكيكيّ، وبخاصّة في ما يتعلقُ بعلاقة الذات بالآخر وعلاقة الذات بتاريخها الخاص ونظام تصوّرها للعالم والأشياء. هذا ما جعل الكثير يعتقدُ أنَّ ‘كونشيرتو القدس’ قصيدة كتبها أدونيس عن ‘مدينة مُقدّسة محتلة’ وضمن الخط النضاليّ الذي دشنته حركة التحرّر العربيّ من الاستعمار في طبعتها الفلسطينية. هذا الأمرُ مفهومٌ ويشكل، بالطبع، هاجسا مركزيا عند كل مثقف ومُبدع ملتزم بقضية الإنسان والحرية والعدالة. ولكنني أعتقدُ كما سيتبيَّنُ لاحقا أنَّ قصيدة أدونيس تعرضُ، بالأحرى، مشهدًا تراجيديا لمدينة يحتلها تاريخها الخاصّ مُمثلا بميراث الوحدانيات الدينية وحضور السّماء الطاغي على مصائر الأفراد والجماعات. هذه المدينة لم تستطع أن تصنعَ تاريخا مُختلفا أو ذاكرة مُشتركة لأبنائها لأنها ظلت أسيرة لصراع الوحدانيات التي نسفت جُسور التعايش، وظلت تنزفُ أمام التمزق الطائفي الذي أملتهُ السّماء على أرض لم تُلملم أوصالها بعد. إنَّ عمل أدونيس، بالتالي، مرثية للأرض التي لم تتحرَّر من هيمنة المُقدّس ولم تدخل، بعدُ، زمنَ الإنسان.
تحدَّث هيغل عن ‘مكر التاريخ’ وهُو يقدم قراءتهُ الشهيرة للتاريخ من منظور منطِقه القائم على التناقض والجدل. أما أدونيس فيتحدث عن ‘مكر الغيب’ وهُو يتأمَّلُ مصيرَ الوحدانيات ومآلها: ‘ حقا، يمكرُ الغيب في القدس، وهو سيّدُ الماكرين ‘ (نفسه، ص-11). هذا التاريخ ليس له إلا أن يعيدَ نفسه وبنفس تلك القسوة وتلك الشهوة إلى الدم. أو قل هو ليس تاريخا بالمعنى الدقيق، وإنما هو آلة جهنمية وزمنٌ سيزيفيّ ليس لهُ إلا أن يُكرّر نفسه مؤبدًا مشهد العذاب وصعودَ الإنسان إلى جلجلة المحو على أعتاب الأبدية. إنه ‘ مسرحٌ يقوده الحكيم الجبّار ‘ (ص-9). الأرضُ هنا غيابٌ، والحياة طريدة الزمن الإلهيّ، والإنسانُ دَورٌ شاحبٌ يشهد على حكمة الأقدار الدمويّة، وديكورٌ يتمّمُ ما يغيبُ عن الأذهان القاصرة من صنوف العناية الإلهية. في هذا المُعتقل تكونُ الأرضُ قربانا يروي عطش السّماء بدمها، وتكونُ القدس بيتا ينضحُ برائحة الموت وخنق صوت الأرض:
‘ هكذا سنظلّ نصنعُ النعوش قبل الأوان. ندهنها بعطر مما قبل التكوين. ونقطع باسمها وريدَ الأرض لكي نغذيَ شريان الغيب ‘ (نفسه، ص-17).
إن حكمة القدس – باعتبارها مدينة تُجسّدُ الأبديّ في الزمنيّ تكمنُ في تحيين الزمن الحقيقيّ: زمن النبوات والتعالي الذي يؤثث فضاء المعنى بالملائكة ورغبة التطهر من عالم التاريخ السفليّ حيث التعددُ ونداءات الصَّبوات العميقة إلى معانقة الآخر عبر فعل الحب وبناء بيت الشراكة والحرية. القدسُ عالمٌ يفلتُ من لوثة الغيرية ويتمركز حول الذات وقد أصبحت أقنوما أزليا يقبض على عروة المعنى النهائي. إنها زمنٌ نرجسيّ بامتياز. زمنٌ يُلبسُ نرجس عباءة اللاهوت ويُصوّرهُ راعيا على الزج بالحياة في حوض الآلهة. يصرخ أدونيس في وجه القدس:
‘ … كل نهاية بداية: لا شيء تعلمينهُ إلى أبنائك إلا الموت. وما هذه الحياة التي لا تحيا إلا رهينة في قفص إلهيّ؟
كلا، لا أخاف، لا أخاف إلا من جموعك التي لا تعرف شفاهُها أن تنفصلَ عن ثدي الموت ‘ (نفسه، ص-41).
أرضُ النبوات لا تحبلُ إلا بالموت. أرضُ النبوات لا تسعُ الشاعر وتطلعاته إلى الحياة الحقيقية وإلى الحب وعناق الأطراف واحتضان صيرورة التاريخ. أرضُ النبوات زمنٌ أصفر ومُومياء مُحنطة في سراديب المطلق. أرض النبوات صوتُ الواحد وسوط شهوة المعنى وقد لبسَ خوذة الحرب على الآخر المُختلف. إنها منفى الشاعر الباحث عن المعنى في سفره الذي لا ينتهي. فماذا يفعلُ المبدع؟ ماذا يفعلُ أبناءُ الإنسان؟
‘ وماذا نفعلُ، نحن أبناء الجارية، والأرضُ كلها جارية في أحضان النبوات؟’ (نفسه، ص-66).
سينتفض طائر الشاعر ويحطمُ قفص النبوات ويرمي بألواح الوصايا البائدة في نهر الموت مُغتبطا كطفل. سينتفضُ ضدَّ زمن المُطلق مُحرّرا الأرض من براثن اللاهوت ومن وضع الجارية التي تُسفحُ على سرير الآلهة. سيخرجُ من زمن الواحدية التي أسّست للنبذ والقتل والحرب على الآخر. سيفتحُ طريقا إلى زمن إنسانيّ متلفع بالحب ومُتخلص من إرث الدّم الذي خلَّفته السماء:
‘ كلاّ لن أقدر يوما أن أندرج في جاذبية القتل،
يا أرض الله، ماذا إذا ستقولين عني؟ وماذا ستفعلين؟
نعم سأظل مأخوذا بالشهب التي تتلألأ في جوف الحب، مأخوذا بالحب ‘ ( نفسه، ص 99-100).
هذا زمنُ الإنسان بامتياز. زمنُ الحب والإبداع والشعر. زمنٌ يهربُ من شرنقة الأبدية ويحلق عاليا في مُغامرة ابتكار الحياة على مقياس القلب الطافح بشهوة الخروج من إسطبل السماء. زمنُ أنبل الجرائم: جريمة الحرية والبراءة من تاريخ ظل يخنق صوت الإنسان في أقبية الآلهة:
‘ يا ليَ من مُجرم يعيش بريئا كالمطر. وذنبي، هذه الآونة، أنني أنافسُ الضوء.
انغلقي، إذا، في وجهي أيتها السماء. ولك هذا العهد: لن تريني على بابك أبدا.
وأنت، أيتها الكواكب، لن أطلبَ أن تكوني سلّما لخطواتي.
ما أكثر الكواكب في أحشائي ‘ ( نفسه، ص-76).

3
بيَّنا في دراسة سابقة ( أنظر: أحمد دلباني مقام التحول. دار التكوين، دمشق 2009) أنَّ مُحدّدات الرؤية الفكرية والإبداعية عند أدونيس يُمكنُ أن نعثر عليها في ثلاثة مداخل رئيسة: الجسد والأرض والتاريخ. وأشرنا إلى أنَّ هذا الأمر هو ما يُعطي للأدونيسية قيمتها في الثقافة العربية المعاصرة باعتبارها ثورة بروميثيوسية على آلهة الواقع القمعيّ بكل تجلياته الفكرية والاجتماعية والمُؤسّسية. من هنا كان إبداع أدونيس، بالتالي، ثورة على نظام القيم الفكرية والجمالية التي جعلت الأرض أمَة للسماء، وجعلت الجسد شجرة مُحرَّمة في متاهة الحياة، وجعلت التاريخ خيط عنكبوت ومعبرًا هشا إلى الأبدية. هذه المُحدّدات التي ذكرناها تشكل نواة مركزية وجذرًا يؤسّسُ لحداثة التجربة الاختراقية عند أدونيس: حيث يحضرُ الجسد بوصفه حرية ورغبة ووشوشات، وبوصفه ضوءا يقود إلى المجهول وتوقا حارقا إلى عناق المطلق عبر فعل الحب، خلافا للثقافة التي عزلته عن المعرفة وامتهنته وزجَّت به في دَركات العوالم السفلية. ويحضر التاريخ والأرض، لا بوصفهما ظلا للمطلق المتعالي أو انعكاسا للسماء الآفلة تاريخيا، وإنما باعتبارهما مسرحَ التغير والصيرورة، وباعتبارهما بيتَ المعنى ومجال انعتاق الإنسان الشامل.
هذه المُحدّدات الكبرى للرؤية الأدونيسية تشكل نواة حداثتها وبُعدها الإنساني والحضاري بوصفها مساءلة وخلخلة للموروث وفضحا لبنية القمع الراسخة في المُؤسَّسة التاريخية. والشعر، هنا، ليس صلاة وليس قربانا يُقدم لآلهة الواقع القمعي، وهو ليس مصالحة مع نظام القهر؛ بل هو عِتق لشرارة الإنسان المطمورة تحت الرّماد من جهة أولى، وتحريرٌ للمعنى من نظام الحقيقة القائم على حَجب الزمنية والصَّيرورة من جهة ثانية. وهل مدينة القدس إلا مسرحٌ يختزلُ كلَّ ذلك التاريخ القائم على اعتقال الإنسان والمعنى داخل اللغة النبويّة، والتأسيس لواحديَّة الرؤية واستبعاد الآخر من دائرة الخلاص؟ هذا ما دفع بنا إلى القول إنَّ مدينة القدس كانت مناسبة لأدونيس كي يقولَ نقدَهُ للوحدانية وما تضمرهُ من نزوع إلى الشمولية والتمركز حول الذات ونبذ الآخر. إنَّ أدونيس – عبر عمله الشعريّ الذي بين أيدينا يُركّز على أمرين أثيرَيْن لديه من وجهة نقدية / تفكيكية: نقد الوحدانية الدينية ورفع الصلاة الوثنية للأرض. فأما الوحدانية فقد شكلت، منذ مدة، مدار اهتمام أدونيس النقديّ في بحثه المحموم عن نزعة إنسانية جديدة تتجاوز الانغلاق اللاهوتي وثقافة النبذ واستبعاد الآخر المُختلف. إذ نعرفُ أنَّ الوحدانيات شكلت قلاعا مغلقة على ذاتها وأسَّست لبشرية تعيشُ كجزر متنابذة تتصارعُ على احتكار الحقيقة وترفعُ النصب للذات ومركزيتها التي لا تناقش. هذا الأمرُ يرى فيه أدونيس نزعة عنصرية / توتاليتارية مُجاراة للنقد التفكيكيّ المعاصر الذي اجتهد في فضح ما تضمرهُ كل رؤية شمولية من أشكال التمركز، وما يُضمره ادّعاءُ امتلاك الحقيقة من رغبة في الهيمنة وفي اعتقال المعنى. من هنا يدعو أدونيس إلى إعادة ‘ قراءة الرؤى الوحدانية للإنسان والعالم ‘ قراءة تكونُ على ‘ نحو نقديّ وجذريّ ‘ مركزة أيضا على تجلياتها ‘ خصوصا في أشكالها المؤسسية’ كما يُعبّر (أدونيس محاضرات الإسكندرية دار التكوين، دمشق 2008 ص 61).
إنَّ تاريخ الوحدانية ينضحُ بأشكال إرادة القوة التي جعلت منها مُمارسة عُنفية ونظاما شموليا لا يفتحُ أفقا للإبداع أو المغايرة أو إعادة النظر في المعنى خارج أسوار المرجعية المُكرَّسة. هذا ما جعل منها أيضا مؤسّسة استبعادٍ ونبذ للآخر المُختلف باسم المطلق الدينيّ وادّعاء احتكار مفاتيح الخلاص. من هنا نفهمُ ارتباط الوحدانية، تاريخيا، بالحرب والقتل والفتح. فكيف لرؤية مماثلة أن تساعدَ على إعادة ابتكار ‘مدينة الإنسان’ والتأسيس لحوار الأطراف الحضارية والثقافية بعيدًا عن نزعات التمركز والإقصاء؟ كيف لرؤية مُماثلة أن تدشن تاريخا جديدًا لعلاقة الإنسان بالإنسان على أساس من الأخوة البشرية، ولعلاقة الإنسان بالمعنى في أفق البحث والعيش ‘شعريّا على هذه الأرض’ كما حدسَ بذلك الشاعر الألمانيّ العظيم هولدرلين؟
إنَّ مدينة القدس التي تلتحفُ الكتب المقدسة وتصغي إلى الأنبياء وتمسحُ الصّدأ الذي يعلو نعلَ السماء تمثل مشهدًا استثنائيا ونموذجيا لصدام الوحدانيات؛ كما تمثل امّحاء الآخر أمام الذات الممتلئة بحضورها النرجسي:
‘ أسألك، يا شعر أيوب، كيف يُقيمُ جسرًا يصلُ بين طرفين، شخصٌ لا يرى إلا طرفا واحدًا؟ ‘ (كونشيرتو القدس- ص 52).
هذا ما جعل أدونيس يصرخ أيضا: ‘ أين آخرُكَ يا شعر أيوب؟ ‘ ( نفسه، ص-54).
إنَّ هذا التاريخ القائم على هيمنة السماء وعلى سردية الدم ومحو الآخر هو ما يُمزق القدس وما يجعلُ منها تجسيدًا لهول الزمن عندما يهجرُ الأرضَ والإنسان، ويصبحُ جنديا في كتيبة منذورة للقتال دفاعا عن الواحد السماويّ وعن الذات الناجية. زمنُ الوحدانيات، في كلمة، لا يعيشُ إلا بالحرب على الآخر ولا تنمُو شجرتهُ إلا بالسّقيا من دم الأرض والإنسان. هذا ما يجعلُ منهُ صراعا لا ينتهي على احتكار الكلام والفعل والشرعية باسم السَّماء. من هُنا ‘ لا يزال الخرابُ خبزًا يوميّا في أرض الله ‘ كما يقولُ أدونيس مُخاطبا النبيَّ الرّائي حزقيال ( نفسه، ص 66).
تقدّمُ القدس مسرحًا فريدًا لمدينة تلتهمُ نفسها وترضى بالتشرنق خارج التاريخ الذي يصنعهُ تمركز الإنسان وعطلة الآلهة أو كما يُعبّر هيدغر:
‘ كأنك فرسٌ يقاتل بعضها بعضًا في ساحة واحدة، في معركة واحدة، انتصارًا للواحد. فرسٌ كلّ عضو فيها يرقصُ على جثّة عضو آخر. يا لهذه المائدة المتواصلة: سلالة لسماء واحدة يأكلُ رأسُها قدميها، وتلتهمُ أنيابُها ما تبقّى. هكذا تحرثين الفراغ، ولن تكونَ لك أيّة معجزة. ‘ (نفسه، ص 41-42).
مأساة القدس عند أدونيس أنها مدينة لا تلدُ إلا نفسها ما دامت مملوكة لزبانية السَّماء. مأساة القدس أنها مدينة يحتلّها تاريخ لا يُريد أن ينتهي. تاريخ مُتلفع بالمُقدّس ولم ينفتح على قيم الحداثة ورُعب التاريخ وهجرة المعنى في أقاليم المجهول بعيدًا عن ‘السّماء الفارغة’ كما يُعبّر كامي. مأساة القدس أنَّ الآخر فيها غيرُ موجود إلا باعتباره قربانًا بالقوّة يُقدّمُ للواحد السّماويّ. فهل تستطيعُ مدينة مُماثلة أن تكونَ ساحة للبناء ولإبداع قيم مدنيّة مُشتركة تصنعُ بها ذاكرة جديدة لا تنضحُ برائحة الدّم؟

‘ باحث من الجزائر
( القدس العربي )

شاهد أيضاً

بَيان شِعريّ/نقديّ

خاص- ثقافات * د. مازن أكثم سليمان           الجدَل النِّسْيَاقيّ المُضاعَف …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *