الرئيسية / نصوص / عواء الليل

عواء الليل


زهدي الزمر *

دخلت المعلمة الصف ، فتحت دفتر مذكراتها وسألت : أين ” سارة ” ؟
خيم وجوم وصمت رهيببان على وجوه البنات ، وتعلقت أنظارهن في وجه المعلمة ، لماذا تسأل عن سارة ؟ وماذا تريد منها ؟.
سارة بنت صغيرة الحجم ، لها وجه يشع براءة ، شعرها مجعد ملتف على بعضه كهيئة الحلزون ، تجمعه من الخلف وتربطه بشريط أحمر ، عيناها لهما بريق ساحر، هادئة وخجولة ، خجلها المفرط عزلها عن زميلاتها ، لأن والدها يشتغل على عربة بعجلتين يجرها بغل ، ينقل عليها الأمتعة والخضار ، وأحياناً يُرَكب كبار السن ويوصلهم إلى بيوتهم في المخيم ،
وبعد سماع البنات صوت المعلمة وسؤالها عن سارة ، تراصت رؤوسهن على بعض وتهامسن بصوت خافت ، هذه البنت هي بنت ” العربجي ” كشّرت سارة وقطبت حاجبيها، وجالت بنظراتها السريعة ، موزعة ألمها وحسرتها على بنات الصف ، هَمسُ البنات مزّق قلبها الرقيق الصغير ، بلعت وجعها من معاملة زميلاتها لها كالمنبوذة ، كانت سارة بين حصة وأخرى ترسم على ورق دفترها ، مرّة صورة حيوان يشبه “البغل ” وأحياناً صورة عربة بعجلتين ، لكنها سرعان ما تخدش الصور بقلم الرصاص بخطوط متلاصقة سوداء للتعتيم عليها ، أو تضع عليها علامات استفهام أو أسطر متشابكة كالأسلاك الشائكة ، كان يزيد من خجلها و إحراجها إصرار والدها على نقل سارة وتوصيلها إلى بوابة المدرسة في الشتاء ، ليجنبها المشي في الوحل والطين بين الأزقة والطرقات ، كانت ترفض وتغضب من طلب والدها ، تخبو عواطف سارة ومشاعرها عند بوابة المدرسة، أذا لمحت بعض طالبات صفها ، كانت تتمنى أن تغور ألأرض بها وتبتلعها ،أو يموت البغل حتى لا يتكرر هذا المشوار الشتوي ، تنزل من العربة ، تشُدُّ حقيبتها على كتفها، تدخل مسرعة تشق طريقها كالسهم بين التلميذات في ساحة المدرسة ، كي لا تسمع همساً من البنات ، ولا تسمع كلامهن كالمرة السابقة ، حين طأطأت رأسها من جوانحها إلى داخل قلبها الصغير : هذه سيارة أبوك ِ…؟؟.
إعجاب معلماتها بذكائها جلب لها غيرة وحسد رفيقاتها ، كانت تشارك في كل النشاطات المدرسية والواجبات الصفية ، أبوها ” أبو قاسم “لا يقرأ ولا يكتب ، ولا حرفة أو صنعة لديه ، عصبي المزاج وسريع الغضب زرع الخوف والرهبة في كل أفراد عائلته ، يسكن في المخيم ببيت طيني من غرفتين وساحة أمامية صغيرة ، يَصُفُّ عربته كل يوم قبل الغروب خارج البيت ، ويضع البغل في غرفة ، وباقي العائلة التي تزيد على ثمانية أنفس في الغرفة الثانية ، تفرغت أمها للعناية بالبغل خوفاً من ” أبي قاسم ” البغل هو مصدر رزقهم ، تعلفه وتسقيه وتكنس روثه وفضلاته ، يضايقها البغل بهز ذيله يمنة و يسرة ، لتضجره من حشرة ” القُرّاد ” المعششة تحت ذيله ، حتى حشرة منها قفزت من تحت ذيله ،ولسعت ابنتها الرضيعة لسعة قاسية ، تركت ندبة مثل الحفرة في خدها شوهت وجهها .
قبل نهاية العام الدراسي ، كثرت أيام غياب سارة عن المدرسة ، ليس من مضايقة بنات الصف لها ، إنما من معايرتها لكثرة الحك والهرش حتى يخرج الدم من جلد رأسها ، مرة تحك وتهرش رأسها ، ومرة رقبتها من الخلف ، و بعدها تنتفضُ من كتفيها حتى رأسها ، كمن صعقته كهرباء في سائر جسده ، طلبت أحدى البنات في المقاعد الخلفية بالصف تغيير مقعدها هرباً من سارة ، لأنها رأت حشرة سوداء صغيرة سقطت من شعر سارة ، وأخذت تسرح وتمرح على صفحة دفتر اللغة العربية، صرخت أحدى الطالبات وقالت للمعلمة : سارة في رأسها قمل وصئبان ، أنا يا …مس رأيت قملة سقطت من شعرها على ورقة دفترها في حصة اللغة العربية ، خشيت المعلمة من انتشار القمل بين البنات في المدرسة ، طلبتها مربية الصف إلى غرفة المعلمات ، فتشت رأسها ، شهقت بصوت مرتفع ، لرؤية القمل يرعى في رأس سارة ، كقطيع من الخراف في مرج ٍ فسيح ، أعطت المعلمة سارة أجازة لأسبوعين ، وأخبرتها أن يعالجها والدها، خرجت سارة من المدرسة محطمة القلب والفؤاد والروح ، منكسرة الجناح والخاطر ، تدندن بغضب في قلبها الصغير، من شهقة المعلمة التي صمّت أذنها : عليك اللعنة أيها البغل … أنت السبب ،”ألقُرّاد ” تحت ذيلك، وروثك هما سبب القمل في رأسي وحرماني من المدرسة ” القراد” المتكدس تحت ذيلك يشبه القمل في رأسي ، كم مرة قلت لوالدي : بع البغل … أنا اكرهه …غداَ أتخرج من المدرسة وأعوضك عنه ، لو كان ألأمر بيدي لقتلتك أيها البغل …!
أخبرت سارة والدها أن حك رأسها وهرشه بأظافرها أدمى جلدة رأسها أستشار والدها العطار في خلطة لتخليص ابنته من القمل والصئبان ، دله العطار إلى رش شعرها بمبيد حشري ، وقال له : هذه وصفة فعالة ومجربة وكفيلة بتخليصها من القمل ، فكر ” أبو قاسم ” برش شعر سارة ليلاً وهي مستغرقة في نومها ، دنا الليل ، وخيم بعتمته على المخيم كذئبٍ يعوي من شدة الجوع في شتاء قارس، كانت سارة تغط في نومها حزينة لفراقها المدرسة ومعلماتها ، عند منتصف الليل كفأ ” أبو قاسم ” سارة على وجهها ، وأخذ يرش المبيد الحشري ويدعك بقسوة جلدة رأسها المتقرحة بخدوش من أظافرها ، تقلبت سارة في نومها وبدأت تسعل ويخرج من صدرها صفيراً، صدرها أخذ يعلو ويهبط ، و” أبو قاسم ” لم يعبأ بالأمر ، أخبر والدتها : أغسلي في الصباح رأسها ” بالكاز ” “الكيروسين ” حتى نقضي على بويضاته كما أوصاني العطار ، ولج النهار بالليل، وحين ارتفعت الشمس في السماء أكثر من متر ، نادت ألأم : سارة … سارة … هيا استيقظي، لقد نمتِ ساعات طويلة ، لكن سارة لم تفق كانت متخشبة متصلبة في فراشها ، باردة كلوح ثلج ، أخذت أمها تصيح كالديك عند بزوغ الفجر ، سارة ماتت … سارة ماتت ، ماتت سارة ومات قملها معها ، دفنوها في مقبرة المخيم القريبة من البيت ، عادت المعلمة وسألت عن سارة ، ردت البنات الصغيرات : سارة ماتت ، لكن البغل لم يمت …!، نعت المدرسة في اليوم الثاني بالطابور الصباحي وفاة سارة ، وقرأت بنات المدرسة على روحها فاتحة الكتاب . 


    
* قاص من الأردن.

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *