الرئيسية / قراءات / «وهم رمادي» يعاقر لذة السرد في قصص بن جراح

«وهم رمادي» يعاقر لذة السرد في قصص بن جراح




خالد ربيع *

( ثقافات ) 


كَتَب عبدالرحمن بن جرّاح قصصه، التي ضمتها مجموعة «وهم رمادي» وصدرت عن المركز الثقافي العربي ببيروت، وكأنه عاشها حقائق واقعية في حياته. فإلى درجة كبيرة يشعر القارئ وهو ينصت إلى صوت الراوي فيها بأنه فعلاً أحسها بروحه وتأملها بعقله ثم دونها برَوِيّة وتمعّن وكثير من الإمتاع السردي. تتصاعد المتعة الحكائية معه بعيداً عن التصنع أو التقليد الأسلوبي لأي كاتب آخر. إلى حد بعيد كتابته ثرية وحميمة وأصيلة، بما يجعل عملية الدخول إلى عوالمه التي يروي عنها يسيرة ونافذة على التخييل المجسّد والتجسيد الذي لا يبرح مخيلة القارئ، كالسينما المجودة تماماً، لأنه يحقق الانسياب داخلها بفيض من الحيوية الآسرة وبحس متفرد تدعمه خلفية أدبية واسعة وذائقة شفافة لا تعرف المحاكاة.
 

في قصصه تتأجج المشاعر ببلاغة اللغة، واللغة فيها تنثال صافية بمفردات بسيطة نائية عن الاشتغالات الذهنية أو المجانية الشعرية، بل وبعيدة عن تأثيرات الأدب المترجم ومكرورات أساليب المترجمين العرب التي غدت مسيطرة على الكتابة القصصية العربية. الجملة لديه واضحة في دلالتها المعنوية، تماماً كما كان يفعل نيكولاي غوغول أو فرانز كافكا بدون مبالغة. فهي مؤسسة على أدبية مفعمة بالمعاني العميقة، بكيفية تغوص في التفاصيل المكملة لبانورامية المشاهد بحبكة القص والتقنية الحوارية البليغة في توصيلها. وهي إلى جانب أريحيتها تستنطق البيئة والموروث والعادة الاجتماعية المؤثرة في الجوهر الإنساني والبعد الأسطوري.

.
 مواضيع قصصه لم يكن التنبؤ بها ممكناً لقاص مغمور مثله، آتٍ من خارج قائمة الأسماء المعروفة التي كرست نفسها أو كرسها الإعلام التبجيلي السطحي. فهو كاتب أعد نفسه على مهل، جاء من بلدة عنيزة وعمل طوال ربع قرن من حياته طياراً حربياً في القوات الجوية، ومارس التصوير الفوتوغرافي، مُدرباً عينه وعدسته وقلمه على التقاط ما له قيمة إبداعية تفضي إلى معنى جمالي أو معرفي يشتبك بفنية عبر عزل الألوان واختصارها في الأبيض والأسود. ومن ثم عكسها في كتابة هي أيضاً بيضاء وسوداء معزولة عن ملونات الجُمل والعبارات بما لا يزيدها إضافة دلالية أو جمالية قرائية. لذلك سجّل بعدسته كما بعينه، التفاصيل الفنية للعمران التراثي في هضبة نجد وما حولها، ورصد التضاريس النادرة للجبال والصحاري والواحات في الأراضي الشاسعة في الجزيرة العربية، واجتهد في تأمل عذرية الحياة البرية وبهائها، وهو كما وصف نفسه «كاتب ومصور قادم من الظل والوهم الرمادي»، ليتحرى الحدود القصوى في جماليات الأدب.
 
العشر قصص المحتواة في المجموعة متفاوتة الطول، بدأها بقصة «مذيع وطننا» يروي فيها عن مقدم برامج تلفزيوني شهير، ربما مقتبس من الواقع. يتنقل داخل تكوينه السيكولوجي، ليعطي نموذجاً للشخصية الطامحة وتحقيقها للحضور اليومي عبر التلفزيون، بما يضخّم شعوره الطاغي بأناه من خلال برنامج بعنوان «نبض الرعية»، فهو يتحاور مع الناس لعرض مشكلاتهم، وهو بذلك يحقق البث الديموقراطي المنشود في فترة التسعينات. يسترسل الجرّاح في سرد مآثر مذيع الوطن، وبين كل جملة وأخرى وخز سريع وبريق خفيف لنقد وحسرة لاذعة للشخصية الانتهازية، أو الشخصية الراكبة لموجة الحضور الإعلامي الأمثل في الوطن، والضياع الذي يلاقيه من سخر حياته للا شيء سوى تمجيد الشعارات. حرفية بالغة وتلميح لا يقترب من التصريح. «بلغ من العمر عتياً، وضعف بصره، فصار لا يستغني عن العكاز، وعندما عجز عن الحضور إلى العمل، قرر مسؤولونا إحالته للتقاعد، بعد أن مددت خدمته مرات عدة، أصيب بصدمة نفسية حادة، كادت تودي به… بعد مرور كل ذلك الزمن، ظلت دموعه تنحدر على غضون خديه العميقة بلا قاع ».
 
 
في قصة «غضبان الجبل» يروي عن لقاء رجلين مسافرين يلتقيان صدفة في مطار مدينة دبي، ويدور بينهما حوار تكتنفه المتعة والتعريج على تاريخ بيئة المنطقة الشمالية في المملكة، صحرائها وطرقها ومسمياتها، ومن ثم تفاصيل غائرة في حياة شخصية شبحية تظهر للعديد من المسافرين تحدثهم عن بطولة وهمية وعزة خيالية، ربما أراد بها شخصية الإنسان السعودي، الواقف بين رجائه للحكومة وتاريخه القبلي العتيد.
 
 
وفي قصة «غادي» يرحل بالقارئ إلى حياة الفلاحين، ويغوص به في إيقاع الأرض والزرع والسقي. يبدأ القصة هكذا: «ليس له وقت محدد يحكمه، يهيم في البلدة على وجهه، ينام حيناً خارج أسوارها، أو في بيته الطيني الصغير الذي لم يكن إلا حجرة واحدة. غادي يصحو قبل الفجر، يمر على «حسو» المسجد، يتوضأ، يسمع المؤذن يتنحنح أعلى المنارة، ينزل درجات إلى سرداب يفضي إلى قبو تُصلى فيه بعض صلوات أيام الشتاء، يخرج بعدها متجهاً إلى البستان، يمر على أحد «السواني»، فيجد الجمال في «المنحاة» تغدو وتعود، تجر حبالاً تلتف على «محالة» خشبية مستديرة، يصدر عنها صرير يسمع من بعد، ترفع «الأغربة الجلدية المترعة بالماء من البئر، تصبها في حوض تبدأ من شبكة السواقي إلى مقاطر النخيل».

ثم يعود مرة أخرى الى عالم الفلاحين في قصة “نبتة روضة”، ليروي بضمير المتكلم عن نخلة تثمر تمراً نادراً اسمه “مِنِيعِية حمراء” في بستان الرهبانية بأطراف بلدته عنيزة.. زار بلدته ليجلب من تمر الـ”منيعية ” ليهديه الى صديق له بالرياض. وهناك رجعت ذاكرته واستطردت نافلته ليروي عن النخلة الأسطورية التي زرعت من تجميع عدة نويات تمر مختلفة كان زارعها من آل الرهبانية قد قرأ عليها ثم بذرها قبل عقود وعندما أثمرت تمرها، لم يعرف أحد في البلدة تمراً بتلك اللذة، انتشر صيتها في النواحي، لم يكن للتمر رائحة، ولكن للعجب كان للمنيعية رائحة كرائحة العنبر، أطلق الأهالي عليها “نبتة روضة”. بعد سنين أصيبت بعين وماتت. عندما ذهب لبلدته أول مرة وهو صغير التقى فتاة جميلة في مثل عمره، تحدثا بفرح، لم يعرف عنها أي شيء غير أنها سكنت بداخله طوال السنين، كل ما يعرفه أنهم كانوا ينادونها “روضة” تيمناً بتلك النخلة.

في قصة “العبور الخالي”، تتجلى معرفة إبن جراح بجغرافيا الجزيرة العربية بصحرائها ووديانها بل أفلاكها ونجومها، ويتألق السرد الماتع في صحبة (مطر العوشزي) مهرب الدخان وقائد السيارة “فورد بيك آب” التي إنقرضت كحيوان قديم وتناثرت هياكلها الحمراء المخضبة بالصدأ على الطرق الصحراوية النائية وأطراف البلدات والقرى الغافية. إتفق مع صاحب شماغ أسود على أن يهربه الى جنوب اليمن، فجهز عدته وانطلق من الرياض عبر تفاصيل الرحلة المكتوبة بكثير من الإتقان، وكأنه يحكي تفاصيل فيلم سينمائي محبوك. متجهين الى الرملة أو الربع الخالي كما يسميه أهلها. القصة تعج بالتفاصيل، لكنها التفاصيل المكملة للحدث والمدخلة لقارئها في عمق تخييلها والإحساس بها، لا سيما والقصة تروي مغامرة لإختراق الصحراء برمالها المهلكة.

ـــــــــــــ

*

إستغرقت كتابة هذه التقديم المتواضع وغير المرضي للمجموعة نحو ستة سنوات. وفي إعتقادي الراسخ بأن العشرة قصص في “وهم رمادي” هي أجمل ما قرأت من الأدب السعودي في القصة القصيرة.. هناك قصص لم أتطرق إليها تجنباً للتطويل ففي الأصل كانت الكتابة مادة صحفية مختصرة تنشر في صحيفة الحياة ،وليست دراسة مستفيضة للمجموعة ، وفي كل الأحوال إيماناً بقصور مقدرتي التعبيرية عن كشف ما يكتنفها من إتقان وجمال وأصالة كتابية رصينة متسمة بأسلوب خاص جداً يقترب من الكلاسيكيات العالمية.. لكني ظللت خلال الستة سنوات الماضية أتسائل : متى سيكتشف الناس “وهم رمادي”؟ ومتى يخرج عبد الرحمن بن جراح الى النور حتى نعرفه فحتى اللحظة لم أتوصل معه أو ألتقيه؟ .

* ناقد من السودان يعيش في السعودية

شاهد أيضاً

سعيد بوخليط: صدور ”آفاق إنسانية لامتناهية؛حوارات ومناظرات”

خاص- ثقافات صدر حديثا عن دار عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، في الأردن، عمل جديد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *