الرئيسية / كتب / شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 8 )

شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 8 )


تبدأ ثقافات نشر كتب كاملة على موقعها في مجالات الآداب والفنون والفكر التنويري، وسيكون النشر على حلقات لايصال المادة إلى اكبر عدد من القراء، وستكون فاتحة هذه الكتب ” شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ” للمفكر السوداني الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، الذي سيصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، متمنيا أن تكون هذه الكتب موضع اهتمام ونقاش من القراء، وترحب ثقافات بدورها بنشر كتبكم الكاملة بالطريقة نفسها وستخصص زاوية لهذا الأمر.

قامت الدنيا ولم تقعد في الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية احتجاجاً على الرسوم الهزلية في الدنمارك، والفيلم المسيئ للنبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله واقتصرت ردود فعل ما يسمى ” علماء المسلمين ” على التنديد والشجب والتهديد بالقوة أسوة بالهبات الشعبية العفوية، والدفاع بشكل عام عن الاسلام والمسلمين لا عن ذات النبي الشريفة، ولم ينتبه الكثيرون إلى أن معظم موضوعات تلك الإساءات تستند إلى مرجعيات واضحة في الكتب التي وصلتنا من السلف، وكان الأولى أن تتم مراجعتها وتفنيد الإساءات التي لحقت بالنبي الكريم صاحب الخلق العظيم، ولكن سكت الجميع عما حفلت به الكثير من كتب الحديث والتفاسير مما نسب إلى النبي زورا وبهتانا، أو جهلا وسوء تقدير…!
والكتاب الذي بين يدينا للمفكر السوداني والمجدد الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون يتصدى لنماذج من هذه الاتهامات أو الإساءات علها تكون مقدمة جريئة لمراجعة شاملة لما وصلنا فيما يخص سيد الخلق وإمام الأنبياء، فلا مجاملة أو مهادنة مع مثل هذه الاتهامات أو سوء التفسير وركاكة التأويل حتى لو وردت في الصحاح أو نسبت إلى كبار الصحابة…!
أما صاحب هذا الكتاب فقد سبق له أن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والمراجعات الجريئة والتي شهدت الكثير من النقاش حولها، ومنها :كلَية الإنسان، الإيمان بمحمد، الإسلام والدولة، نبي من بلاد السودان، مراجعات في الفكر الإسلامي…وغيرها
وقد تربى المؤلف النيّل أبو قرون في بيت علم وتصوف في السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم، وتولى وزارة الشؤون القانونية في زمن النميري، وساهم في صياغة القوانين الإسلامية…، ولأجل أفكاره الجريئة وطروحاته المغايرة للسائد فقد تعرض وما يزال إلى الكثير من المحن والمضايقات ومنع كتبه في بلاد عديدة

10)

الاتهام بعدم المرجعية في الرسالة

إذا آمنا بالله جل جلاله فذلك يعني أننا قد صدقنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله بأنه مرسل من ربه، وأنّ الله تعالى أوحى إليه هذا القرآن الذي هو كلام الله القديم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ونجد أن الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله قد أحالنا إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله فقال تعالى ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ولم يـقل “ما أتيتكم فخذوه” وقـال تعالى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ لتصبح مخالفته صلى الله وبارك عليه وآله مقرونة بالمصائب والفتن والعذاب الأليم ذلك لأنه جعل طاعته طاعته حيث قال تعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وبذلك أصبحت الأمة كلها محالة من الله إلى الرسول صلى الله وبارك عليه وآله لإتباعه وطاعته والأخذ عنه ووجوب عدم مخالفته لأن معصيته معصية الله. وبهذا تكون المرجعيَّة للمسلمين هي الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في الدنيا وكذلك في الآخرة حيث جعل الله سبحانه وتعالى الأمر للنبي صلى الله وبارك عليه وآله دون بقيّة الرسل. فهو الذي ينتهي إليه أمر الخلائق ليشفع لهم عند الله سبحانه بشفاعته الكبرى ليقضي بينهم كما ينتهي إليه أمر أهل الكبائر من أُمَّته بشفاعته الخاصة ليحول بينهم وبين النار ويدخلهم الجنّـة. فرفـع الله ذِكره في الدنـيا والآخـرة قال تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ووعد بقبولّ كل من يأتيه جل جلاله عن طريق النبي في الدنيا والآخرة. فهو حبيبه الأعظم الخاتم السابق الذي ليس له من الأمر شيء إذ كل أمره أمر الله في رميِه وفي كلامـه فإنّـه ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ وأخذ الله العهد على كل رسُله ليؤمنوا به وينصروه ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وأمَر الذين آمنوا ليعزّروه وينصروه ويوقِّروه قال تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ . ولا أدري كيف بعد كل هذا صحَّ لبعضهم التجرّؤ في الكلام عنه ناقدين ومنتقصين لقدره الشريف في السلوك والعلم والعمل؟ ولا يكون ذلك إلا ممن يدَّعون الكمال أكثر منه في العلم والأخذ عن الله مباشرةً لا عنه حتى يصح لهم ما يقولون فيه، فنسبوا إليه العبوس في وجه السائل وهو الذي بُعث ليتمم مكارم الأخلاق!!! ونسبوا إليه عدم العلم بأمور الدنيا، وهو الذي بُعث معلِّماً!! ونسبوا إليه نقص العِلم في تدبير موقع الجيش في الحرب، وهو الذي كان يعلم بالتحديد أين مصارع القوم في تلك المعركة وكانت كما قال!!!
فداك نفسي وولدي وأبي وأمّي يا رسول الله فما أوذي نبي من أُمَّتِه مثلما أوذيت.وتحديد أماكن مصارع القوم كان قبل بداية المعركة بالتأكيد فكيف يعجز من يستطيع معرفة أماكن القتلى عن تحديد المكان الصالح للجيش؟
يقول بعضهم إن المرجعيَّة هي القرآن. ولكن الذي يقول بذلك يعني نفسه أنه هو المرجعيَّة أو أنَّ مَنْ يأخُذ عنه من المفسرين هو المرجعيَّة ولكن لا ينبغي لأحد أن يقف في مرجعيَّته عند القرآن لأن القرآن أحال المرجعيَّة للرسول صلى الله وبارك عليه وآله قـال تعـالى ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. فالذي يقف في مرجعيَّته عند القرآن يريد أن تكون المرجعيَّة لغير النبي صلى الله وبارك عليه وآله، أي لكل من يدّعيها من أدعياء العلم والتفسير!لأنّ القرآن يفسره كل ذي عقل قَدْرَ وُسعِ عقلِهِ ولا يكون فيما اجتهد وأبان وشرح قد استقصى التفسير لأنه كلام الله الذي لا تنقضي عجائبه ولا تنتهي غرائبه ولا يُحاط به. وكلّ من كان هذا منهجه فقد سقط من علمه قول الله تبارك وتعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون﴾ ووضع نفسه في مكانة النبي ليبين هو للناس ما نزل من القرآن!!!
وكل الناس في التعلُّم من القرآن محتاجين إلى المعلّم صلى الله وبارك عليه وآله ليبينه لهم. فقد قال الله تعالى ﴿…ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا…﴾ وهو أمر صريح بالركوع والسجود ولغة واضحة وصريحة ولا يظن أحد أن فيها ما يحتاج إلى شرح أو تبيين من المعلّم صلى الله وبارك عليه وآله، ولكن المعلّم صلى الله وبارك عليه وآله حينما بيَّنها للناس رفع من الركوع حتى استقام ثم خرّ ساجداً!! فما ينبغي لأحد أن يتجرّأ بفهمه هو للقرآن وأخذه منه مباشرة دون النبي ثم يتطاول بهذا الفهم القاصر بالحكم على النبي صلى الله وبارك عليه وآله بما لا يناسب الكمال المحمدي في العلم والسلوك والعمل! فيقول من ضلّ ومن جهل: النبي بشر مثلي ومثلك، لفهمه من كلام الله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…﴾ قدر وسع عقله ولم يلتفت لقول الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله في هذا المعنى “إني لست كأحدكم إني أظل يطعمني ربي ويسقين” !! فلو لم يكابر ويسارع بهذه الفتوى الكريهة التي يخرج بها لنفي العصمة عن النبي صلى الله وبارك عليه وآله لَعَلم أن النبي لم يكن له ظل، وكان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وكان تنام عيناه ولا ينام قلبه، وكان يدعو الشجرة فتلبي وتجيء تشُقُّ الأرض، ويسأل الضب فيشهد له بالرسالة، ويسلِّم عليه الحجر، ويشكو له البعير، ويبكي عنده الجذع، ويَحِنُّ حنين النوق، لأنه اتخذ منبراً صعد عليه وترك الصعود على ذلك الجذع، حتى نزل الحبيب ومسّ عليه. ووعد سراقة بأساور كسرى وهو أمر تم بعد نيف وعشرين سنة، وهذا يعني أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله كان يعلم كم عمر سراقة، وإنه لن يموت بل سيعيش كل هذه السنين حتى يحضر هزيمة كسرى وتؤول إليه أساوره!!!
أعظِم به من علم وأعظِم به من مُعلِّم جهِلَه قومه وأوذي ما لم يؤذ نبي من الأنبياء!! فكل مُفسِّر يقول إن المرجعيَّة هي القرآن فإنه يقف عند تفسيره هو الذي ينتهي إليه علمه ومعرفته، وهي مرجعيَّته فلم يتعد نفسه أي أنه هو بفهمه للقرآن أصبح هو المرجعيَّة كما يرى ويفهم هو من القرآن!!! ويكون بذلك كل عالم أو صاحب مذهب هو مرجعيَّة قائمة بذاتها ويظن أنه يمكن أن يتكلم عن النبي وعصمته من رؤيته هو وفهمه وتكون المرجعيَّة متعددة بتعدد العلماء وأصحاب المذاهب!!
ولهذا لم تجتمع كلمة الذين آمنوا وتعددت مذاهبهم في دينهم وتعددت آراؤهم في نبيهم واختلفت مفاهيمهم في ربّانيته. وأصبح الذي بُعث مُعلِّماً لكل الناس محلاً للنقد في تعليمه مِن قِبَل المُفتَرَض فيهم أن يكونوا آخذين ومتلقين عنه بأدب التلميذ المحتاج للعلم من سيِّد العلماء وسيد ولد آدم المحتاجين إلى علمه في الدنيا وإلى شفاعته في الآخرة!!! وأصبح الرسول صلى الله وبارك عليه وآله مجالا لاختلاف الآراء فيه وفي عصمته بل والحكم على مواقفه ومقارنتها بمواقف أُناس عاديين من أتباعه وأمته! وربما حكم عليه بعدم الإصابة في الرأي وصوب غيره كما قالوا في قِصّة أسارى بدر! وربما حكم عليه بالخطأ في السلوك في أداء الرسالة التي جاءت لتتمّم مكارم الأخلاق. فيقولون إنه أبدى في رسالته، التي بعث بها، مساوئ الأخلاق كالعبوس في وجه الفقير الأعمى الذي جاء ليتعلم مكارم الأخلاق فقابله الرسول صلى الله وبارك عليه وآله بالصدود عنه والعبوس في وجهه! فتصرَّف النبي صلى الله وبارك عليه وآله – كما يقولون في عقيدتهم – بعكس ما بعث به!!! لأنهم يعتقدون في أحاديث توحي إليهم بذلك فقد جاء في مسند أحمد: “…عن أبي هريرة قال ثم كان النبي صلى الله عليه وسلم يهجر (أي يهذرب بكلام لا معنى له) قال فصليت ثم جئت فجلست إليه فقال يا أبا هريرة “أشكنب درد” قال قلت لا يا رسول الله قال صل فإن في الصلاة شفاء”. وجملة “أشكنب درد” كأنها نوع من الهذيان، يريد أبو هريرة أن ينسبه لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، فسارَع بقوله “لا” فقال له صلى الله وبارك عليه وآله قم فصلِّ (وهو كان يصلي قبل أن يجلس إليه)؛ فكأن النبي صلى الله وبارك عليه وآله كان يهذي وأبو هريرة يصلي كما يقولون!!

لو قال أبو هريرة حقيقة هذا الحديث فإنه هو الذي يهجر ويهذي ويهذرب لا النبي المعصوم الذي لاينطق عن الهوى. فالصورة عندهم للنبي هو ذاك الذي يتكلم في بعض الأحيان بكلامٍ لا معنى له من الهذيان والهذربة. فكيف يكون بعد هذا معصوماً في نظرهم، وما ينطق عن الهوى، ويَجِبُ أخذُ ما أمَرَ به وتركُ ما نهى عنه؟ ﴿…إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ هكذا تُظهر المراجع النبي في صورة ذلك الذي يجلس يهذي بكلامٍ لا معنى له، بينما أحد الأصحاب في علاقة مع الله بعبادة الصلاة؛ فشتّان بين من يهذي ويهذرب ومن هو واقفٌ بين يدي الله يُصلّي!! ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أهكذا حال رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله وحال أبي هريرة؟؟ إنها صورة لا تصح إلا للمُستَهزئين بمقدساتنا وديننا!
إنّ الله عز وجل في كتابه العزيز أحال الأمة الإسلامية في دينها إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله والأخذ عنه وأوجب طاعته وحذَّر عن معصيته وعليه يكون صلى الله وبارك عليه وآله هو المرجعيَّة كما ذكرنا. فإذا تقرر ذلك فإنه يجب إبعاد كل الأحاديث التي تجعل لأحد من أمته مكانة كمكانته أو علماً كعلمه أو سُنة كسنته. ويكون من سخف العقول قبول تلك الأحاديث التي تجعل لأحد من أمته أو أصحابه مزية عليه أو أفضلية في موقف من المواقف، أو أمر من أمور الدين أو هداية الأمة إن لم يكن هو الكفر البواح. وكل ما يخص الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله يجب أن ينظر إليه بنظرة المتعلم منه ويؤخذ عنه بأدب التلميذ من قبل كل فقيه وعالم ومحب ومن كل مسلم.. لا بنظرة الناقد فإن الناقد يرتكز على مرجعيَّة منها يتكلم عن الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله في عصمته. ولا توجد مرجعيَّة لأولئك إلا في البخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنة والتفاسير، ومنها يحكمون على النبي صلى الله وبارك عليه وآله!!
قد يقول قائل إذن من أين لي أن أبحث أو أتكلم عن النبي في غير هذه المراجع الدينية التي أصبحت في محل القداسة عند المسلمين؟ أقول إن هذه الكتب لها الفضل الكبير في تدوين السنة والأحاديث والتاريخ، ولكنها لا تتمتع بالعصمة لأن العصمة لا تكون إلا للنبي فلو أخذنا كلّ ما فيها نكون بذلك قد أعطيناها العصمة وقبلنا منها ما يطعن في عصمة النبي وهو ما يوجد فيها في بعض الأحاديث. قد يقول قائل وكيف بي علم تلك الأحاديث وانتقائها؟ فنقول كلما نجد من أحاديث تقلل من عظمة النبي صلى الله وبارك عليه وآله الذي هو المرجعية أو تجعل لأحد غيره مكانة كمكانته أو ترفع أحداً غيره فوقه في موقف من المواقف أو تعطيه مزية عليه في أمر من أمور الدين فإنه يجب استبعادها وإنكارها ورفضها ونتمسك بعلو قدر الحبيب ومنزلته التي يجب أن يعتقدها كل مسلم بأنها لا تطال ولا تدرك لبشر!! فهو فوق كل الخلق منزلة وعلماً وقدراً عند الله وعند كل مؤمن وما أصحابه إلا حسنة من حسناته. ناهيك عن أن يكون أحدهم مثله أو أفضل منه في موقف من المواقف أو أمر من أمور الدين!! وإنه لأمر يتأذّى منه مَن يُنسب إليه ذلك خاصةً إن كان يعرف قدر رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله ومكانته عند ربه أو كان حبه له أكثر من نفسه!!
والناقد في كل حال يكون في مكان الأستاذ والمرجعيَّة لا التلميذ المتلقي. فكل منتقد للنبي صلى الله وبارك عليه وآله قد وضع نفسه موضع الأستاذ في الدين لينتقد النبي صلى الله وبارك عليه وآله ويكون قد وضع النبي في مكان النقد وفي موقف أقل منه ويمكنه أن يتكلم فيه ناقداً!! ومن يضع نفسه في هذه المكانة فقد بلغ من الكبر بأن وضع لنفسه مكانةً فوق النبي صلى الله وبارك عليه وآله ويكون قد خرج بذلك عن الإسلام!!

(11)

اتهامه بالطواف على النساء

جاء في سنن ابن داوود: “…عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طاف ذات يوم على نسائه في غسل واحد”.
وهذا يعني أنه لا يغتسل بعد أن يقضي حاجته من إحداهن، فيذهب إلى الأخرى دون غسل، وهو القائل “… والنظافة تدعو إلى الإيمان…” ويظل ليله كله كما يقولون طوافاً بين نسائه ليس له من القيام لربه وقت، بينما يقول له الحق سبحانه ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ وتصف ألسنتهم الكذب إذ جعلوا وقت قيامه لربه طوافاً على نسائه، ليكون فِعله مُخالِفاً لأمر الله حيث أمَرَه بقيام الليل إلا قليلاً، فجعل ليله – كما يقولون – طوافاً على نسائه، وبئس ما قالوا فالله يشهد له بقوله ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ . فَمَن أصْدَق قولاً؟ والسؤال القائم هو ماذا يخدم هذا الحديث في الدعوة إلى الله وصورة الإسلام؟ والإجابة هي أنه اتهام للنبي بغير حق ومادّةٍ للمُستهزئين بالنبي الكريم!! ثم يدعمونه بحديث آخر:
جاء في مسند أحمد: “فكان بلال مولى أبي بكر يؤذن بذلك ويدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة قال فجاءه فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم قال فصرخ بلال بأعلى صوته “الصلاة خير من النوم” قال سعيد بن المسيب فأدخلت هذه الكلمة في التأذين إلى صلاة الفجر”.
يبدو واضحاً أن هذا يخالف قول الله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ . وهو القائل صلى الله وبارك عليه وآله “يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي” . ثُم إن بلالاً لو وجد النبي صلى الله وبارك عليه وآله نائماً كان يلزمه النوم إتباعاً للنبي إذ لا علم له بمراد الله من خلقه فيما شرعه وأرسل به رسوله إلى الناس. فقد يكون طرأ أمر لصلاة الفجر لا يعلمه بلال. فالأولى الأدب مع رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله لا إدعاء معرفة التشريع في حضرته، وإظهار الحرص أكثر منه على أدائه!! كما أن رفع الصوت عند النبي صلى الله وبارك عليه وآله يحبط العمل فكيف بصراخ من وراء الحجرات؟ ثم هل كان النبي صلى الله وبارك عليه وآله يخالف أمر ربه ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ فينام بدل القيام؟ (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا…) .
لا فائدة في هذا الحديث في تبيين أداء الرسالة المحمدية إلا تقليل شأن من جاء بها. فهؤلاء يشيرون به إلى حرص بِلال على الصلاة أكثر من الرسول صلى الله وبارك عليه وآله، ليُثبِتوا فّضل الصحابة في بعض الأحيان على النبي صلى الله وبارك عليه وآله كما ذكروا في أسرى بدر. فقد ذكروا في حديثٍ آخر: “أصبحَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ فدعا بِلالًا فقالَ يا بلالُ بمَ سبقتني إلى الجنَّةِ ما دخلتُ قطُّ إلَّا سمعتُ خَشْخَشتَكَ أمامي إنِّي دخلتُ البارحةَ الجنَّةَ فسمعتُ خَشْخَشتَكَ فأتيتُ على قَصرٍ من ذهَبٍ مرتفِعٍ مشرفٍ فقلتُ لِمَن هذا القصرُ قالوا لرجلٍ منَ العرب قلتُ أنا عربيٌّ لمن هذا القصرُ قالوا لرجلٍ منَ المسلمينَ من أمَّةِ محمَّدٍ قلتُ فأنا محمَّدٌ لمن هذا القصرُ قالوا لعمرَ بنِ الخطَّابِ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ لولا غَيرتُكَ يا عمرُ لدخلتُ القصرَ فقالَ يا رسولَ اللَّهِ ما كنتُ لأغارَ عليك قالَ وقالَ لبلالٍ بمَ سبقتني إلى الجنَّةِ قالَ ما أحدثتُ إلَّا توضَّأتُ وصلَّيتُ ركعتين فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وعلى آلِهِ وسلَّمَ بهذا” أي بكثرة الصلاة. وقد ذكروا أيضاً أنه صلى الله وبارك عليه وآله كان يدركه الفجر وهو جنب ويصبح صائماً ، لينسبوا إليه مخالفة أمر الله ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ فيسبقه بلال بكثرة اجتهاده وصلاته إلى الجنة!!! فالمراجع إذن تقول: بلال أحرص على الصلاة من النبي –بلال يسبق النبي إلى الجنة- فيسأله ليتعلم منه سر السبق إلى الجنة النبي لا يعلم كيف سبقه بلال إلى الجنة! النبي يخالف أمر الله فلا يقوم الليل بل يقضيه طوافاً على نسائه بغسل واحد! ويدركه الفجر وهو جُنُب حتى يأتيه بلال ليصرخ فيه للقيام لصلاة الفجر! هكذا يرى المسلمون خاتم الأنبياء والمرسلين وأشرف الخلق أجمعين الذي أرسله من أحبه إلى كافة الناس ﴿…لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ…﴾ !!!
ويظهر في حديث البخاري بعد أن يثبت أنّ بلالاً سبق النبي إلى الجنة كذلك يظهر النبي واقفاً بجانب قصر من ذهب قد أعجبه فصار يجادل من أجل أن يكون ذلك القصر له واخيراً أخبروه أنّ القصر ليس له بل لرجل من المسلمين من أمة محمد فيقول أنا محمد فيقال له لعمر بن الخطاب وهنا يحجم الرسول عن رغبته في دخول القصر خشية من غيرة عمر!!! ولا حول ولا قوة إلا بالله!! إنّ الذي خلق الله من أجله الجنان وأعطاه حتى أرضاه يدخل في الجنة كالغريب يسأل عمّا فيها وهناك من سبقه إليها وهو يتطلع إلى قصر من قصورها ليدخله!؟ أهكذا صورة النبي وقدر رسول الله عند المسلمين؟ (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ…)

(12)

الاتهام بتخريب موسم النخيل

جاء في صحيح مسلم: “… عن عائشة وعن ثابت عن أنس ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون فقال لو لم تفعلوا لصلح قال فخرج شيصاً فمر بهم فقال ما لنخلكم قالوا قلت كذا وكذا قال أنتم أعلم بأمر دنياكم”.
معلومٌ أنه لا يوجد صبي من صبيان المدينة لا يعلم بتلقيح النخل، فكيف يجهل ذلك مَن بُعِث مُعلِّماً وهو أرجح الناس عقلاً قبل الرسالة. وهو الذي يعلم ممَّ خلقت النخلة فقد جاء عنه صلى الله وبارك عليه وآله أنه قال “أنها خلقت من بقية طينة آدم” وهل كان لا يحسن تدبير الدنيا؟ فالإخلال بتدبير الدنيا هو إخلال وتضييع للعمل الذي يمكن أن يستفيد منه الإنسان لآخرته قال تعالى ﴿…وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا… ﴾ . ولا يوجد معنى لهذا الحديث إلا أن يكون قد قُصِدَ به نفي العِلم عن رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، أو إثبات نقصٍ له في العِلم الدنيوي ليكون لغيره – فيما يقولون – عِلمٌ أفضل مما عنده: وهنا انقسموا إلى فريقين: بعضهم يقول إن النقص في العلم عند رسول الله هو في غير الوحي، كالذين قالوا عن نزوله بالجيش خطأ في معركة بدر، وتصحيح أحد أصحابه له بالمكان الأليَق لمُنازَلة العدو. ولكن يجيء أمر تحديده لأماكن مصارع القوم في تلك المعركة نافياً لاتهامهم له في معرفة المكان!!
ويقول آخرون إنّ النقص في علم رسول الله يشمل حتى ما يُوحَى به إليه صلى الله وبارك عليه وآله، وذلك فيما ينسبونه له في حديث أسرى بدر حيث يقولون أنه تصرَّفَ دون موافقته للوحي حتى صححه عمر، وجاء الوحي موافقاً لعمر!!!
فالاتهام في هذا الحديث وفي صلاته على ابن سلول هو أنّ النبي صلى الله وبارك عليه وآله ليس أرجح الناس عقلاً وأنّه تدخل في شؤون أهل المدينة الزراعية دون علم منه وخرّب عليهم محصولهم!!
هكذا يُتّهم النبي بالتدخُّل في أمر لا يعلمه فيدلي بفتوى مدمرة لاقتصاد البلاد!! فلو افترضنا كما قالوا إنّه لم يكن له علم بالزراعة أليس هو أرجح الناس عقلاً؟ أليس أقل أحد من صبيان المدينة يعلم تأبير النخل؟ ثم فوق كل ذلك أليس من العقل عدم التدخل في أمر لا يعلمه الإنسان؟ وكيف لا يوجد ذلك العقل عند رسول الله؟

شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *