الرئيسية / نصوص / نقطة الصفر

نقطة الصفر


حنان بيروتي *

 لا يعرف لِــمَ يتلبّـسه حزنٌ ورهبة، غالبَ أحاسيسه وشرعَ برسم الخطوط العريضة للعملية الآتية التي اعتاد وضعها بحرفية محايدة، تحديد مكان الضحية المفترضة، والزمان بالضبط كي لا يحدث أي خلط، وضع نقطة الصفر: لحظة تنفيذ عملية الاغتيال!
كان بارعاً في عمله، ومتقناً لاقتناص الفرص ودراسة جميع الاحتمالات، وتقليص نسبة الخطأ إلى معدله الأدنى، لم تكن عمليةً سهلة! كان يقوم بالتخطيط للاغتيال كأنه يحلّ مسألة حسابية معقدة، لا بد أن يصل إلى النتيجة المطلوبة منها، يجمع الحقائق والمعلومات حول المطلوب ويحولها إلى أرقام؛ ساعة خروج الضحية من منزله، عودته للبيت لتناول طعام الغداء، أو ذهابه إلى المطعم الذي يرتاده. لكنه يتجنب التنفيذ في مكـان عام ومغلق.. ساعة نومه والأماكن التي يرتادها.. لا! هو لا يحب لفظة «ضحية»، يرمز لها بـ «س». نعم.. يحول الضحية إلى رمز، جميع ضحاياه السابقين واللاحقين هم رموز! لم يفكر بأن أيّاً منهم من لحم ودم، فكل ضحية مجرد رمز محاط بأرقام يرتبها حتى يصل إلى نقطة الصفر: التنفيذ.
لم يكن يستطيع أن يمنع نفسه من الفرح الممزوج بالفخر، فخره بنفسه وهو يشاهد اللحم البشري والدم المتناثر على شاشة التلفاز، لا بل كان ينتظر المديح من رئيسه، ويتمنى لو يستطيع إخبار زوجته بأنه هو! هو المخطط والعقل المدبّـر الذي يقف خلف هذه العملية الناجحة.
يتذكر عندما رآها تبكي أحد ضحاياه أو رموزه، فقال لها دونما تفكير: «تبكين فرحاً؟!»، لكنها أجابته بغضب وبدت مستفزة وهي تزعق بوجهه بحدة لم يعتدها منها: «فرح فرح بماذا؟! بهذه الوحشية وهذا الغدر؟! الله يلعن القتلَة!».
منع نفسه من أن ينهال عليها بالضرب. سريّة عمله توجب عليه التحكم حتى بنظراته. اكتفى بأن غيّـر المحطة!
أدمن التعامل بحياد، كأن لا علاقة له بالأمر! كأنّه ليس مَن رسم حدود المشهد، يحسّ أنه أشبه بزر يتم الضغط عليه من أصابع عليا خفية، هل يُـلام صمام الأمان على انفجار القنبلة؟! يُـلام على الصوت المدوي والشظايا الملتهبة وهي تنغرس باللحم البشري؟! هكذا دجّـن نفسه على التملّـص من أي إحساس بالتورط أو الذنب!
نظر لعدسة الكاميرا المثبتة في الزاوية المواجهة لمكتبه، تخيّل نفسه بهيئة زر نشط، يعرف أنّ ثمة من يرقبه ويتتبع مكالماته ويراقبه من هناك من تلك العين التي تترصّد حركاته وأنفاسه، لا بل تستطلع أفكاره وهمساته، حتى أسئلته عن «س» تُقابَل بنوع من التحفظ، لا يحق له السؤال عن اسم الضحية! كلّ شيء محاط بالسرية، توضع أمامه المعلومات لتؤول إلى أرقام ومعادلة حسابية تتوصل إلى نقطة الصفر، عملياته المعقدة لا تخضع لقوانين ثابتة، المهم ضمان وجود «س» في المكان والزمان المحددين لكي تتم عملية التصفية بنجاح، هكذا بكل بساطة لا يكون الجواب صحيحاً إلا إذا كانت المحصلة «س» فوقه إشارة (x). بعد الانتهاء كان يمسك الملف ويرسم بزهو واستمتاع إشارة (x) على الرمز، تتوهج أمامه بألق النجاح الثمين وينظر للعين الراصدة بزهو!
تسلّـى في إحدى المرات برسم قبر «س» ووضع إكليل أزهار، لكنه أحس بالعجز أمام الدموع والشهقات واللوعات كأنّـه لا يفهمها، أو ربما يخجل منها،لم يضعها ضمن معادلاته الحسابية! استشعر بعض التورُّط والذنب، فأمسك بالورقة ومزقها وغادر مكتبه مسرعاً!
يحسّ أنه أصبح أكثر ضعفاً، لا بدّ أنه كبر في السن وقد شهد الكثير من عمليات الاغتيال التي خطط لها ببراعته المشهودة! ولم يتنبّـه تلك اللحظات لعين الكاميرا التي تركّزتْ باهتمام على وجهه، ورصدتْ حركاته بكثير من علامات الاستفهام والتعجب! لكنه لم يستطع أن يقمع فيض أفكاره، لون نجاحه أحمر قانٍ.. ماذا أصابه؟! هل صحا ضميره؟! رسم معادلة في ذهنه تفيد بأن الإنسان كلما تقدّم في العمر وتعمّقت تجربته يصحو ضميره! علاقة مطّـردة! اللعنة! وأيّ ضمير لإنسان مثله أدمن الاغتيال بدم بارد.. وهل للضمير منبّـه يجعله يصحو؟!
إحساسه هذه المرة غامض وغريب!
جاءته المعادلة شبه جاهزة، المعلومات محوّلة إلى أرقام مرصودة بدقّـة متناهية، ونقطة الصفر معدَّة، الأسلوب نفسه الذي أدمن على اتباعه، طريقته، حتى رمزه «س» مثبت على الورقة! هكذا إذن؟! استطاعت عين الكاميرا امتصاص ابتكاراته ومعرفة الخبايا والأسرار لبراعته؟! أسلوبه أصبح مستهلكاً؟! نظر بغضب لعين الكاميرا المثبتة أمامه بوقاحة! حاول أن يبعد إحساسه بالضعف.. عبثاً يبعد التصورات التي تتدافع لمخيلته هذه المرة بالذات!
اللعنة! يكاد هذا الـ «س» يخطو أمامه على الورق، يتحرّك، خطاه متريّثة ساعة ومتسرّعة أخرى كأنّه يهزأ به وبأرقامه، يقلب معادلته ويركل نقطة الصفر مقهقهاً ومشيراً له بأصابع تتقطر منها الدماء! يكاد يسمع أنفاسه، دمه ولحمه وصوت الانفجار أو الطلقات، والشهقات.. ويحس بحرارة الدموع! نفّـذ العملية الحسابية بسرعة دون أن يدقق، أغلق الملف بسرعة وهرب من مكتبه كالممسوس!

• إضافة مـا:
بعد خروجه، دخل مكتبه شاب يرتدي بدلة أنيقة، ويُلصق بإذنه خليوياً، بدا متحمّساً وهو يمسك بالملف الموجود على المكتب، ويسجّل عليه ملاحظاته، قبل أن يهمس بأنّه غيّر نقطة الصفر لأنّ «س» خرج للتوّ!
 

• القصة الفائزة بجائزة نازك الملائكة للإبداع النسوي، وزارة الثقافة العراقية، 2012
* قاصة من الأردن

(الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *