الرئيسية / قراءات / قراءة في كتاب تحطم الثقافة الغربية ل جون كارول

قراءة في كتاب تحطم الثقافة الغربية ل جون كارول




وفيق غريزي *

ساهمت الحركة الانسانية في بناء الحضارة الغربية كما نعرفها اليوم. وتتضمن الانجازات التي حققتها تحرر الفرد والديمقراطية والحقوق العالمية وانتشار معالم الازدهار ورغد العيش. اما شعراء هذه الحركة فهم، ابطال الثقافة المعاصرة من امثال ابراسموس وهولباين وشكسبير وفيلاسكيز وديكارت وكانط وفرويد.
اما هؤلاء الذين عملوا جهدا لاحتواء كبرياء الحركة الانسانية في اطار حقيقة اسمى، من امثال لوثر فتمكنوا من ايقاف التطور السريع بهذه الحركة. في حين انه تم اختبار هؤلاء الذين سعوا الى تحقيق الاصلاحات من امثال ماركس وداروين ونيتشه، بتنبؤاتهم الشخصية والنجاحات التي حققتها هذه الاخيرة.

والموضوع الرئيس في تحطم الثقافة الغربية، في الاساس، هو تاريخ الغرب الحديث الروحي. وطوال الحركة الانسانية التي امتدت لنصف الفية، كان البروز الاعظم للروح من خلال الثقافة العالمية، وللثقافة العالية تسلسلها الهرمي الخاص، حيث تضع بعض التحف الفنية الاهم في الاعلى.

شعراء الموت

لم تكن الحركة الانسانية بحاجة الى مارتن لوثر ليشير الى حالتها المتزعزعة، اذ كانت هواجس داخلية عدة تنذر بذلك منذ البداية. ماذا يحصل اذا لم يتم العثور على ما يمكن الوقوف عليه؟ استعصي على العقل الواعي الاجابة عن هذا السؤال. لكن حسب رأي المؤلف، مؤشرات عدة كانت موجودة. وتتخلل في الواقع مؤشرات الشؤم البائسة هذه اعمال اثنين من اعلام الحركة الانسانية، كلاهما من الشمال. عندما وقف هاملت وفي يده الجمجمة، مخزونا من فكرة الموت بعد ان تحطم عالمه الماورائي كله وصرخ: واحسرتاه على يوريك المسكين. توازي الحركة الانسانية العبارة: إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟.
ويشير المؤلف الى ان هولباين راودته الرؤية نفسها، قبل ثمانين عاما، عند رسم لوحة جسد المسيح المسجّى في الضريح. ذلك كان العمل الذي عُرض في بازل الذي، بعد قرون عدة طارد فكرة دوستويفسكي الذي وصفه بانه افظع شيء على الاطلاق قد رآه في حياته. الا ان رؤية هولباين استغرقت احدى عشرة سنة اخرى لتنضج، حين رسم في العام ١٥٣٣ تحفته الفنية الضخمة الشعراء التي تُعرض الآن في المتحف الوطني في لندن.
يقول المؤلف: ان هولباين وشكسبير قد اوقفا الحركة الانسانية في مسارها، وفي ربيعها، فكان ان تعافت لتصبح بمثابة فكر سائد وازدهرت لقرنين اضافيين قبل ان يبدأ انحطاطها الذي تغدر قلبه. كان تعافيها يعود بجزء كبير منه الى وصل ذاتها بمصدر قوة آخر، مصدر اشار اليه لوثر وكالفن. لكنها وجدت ايضا بعض الالهام في داخلها، في شخصية انبثقت من ازمة اواخر عصر النهضة نفسه.
وكان سرفانتس ايضا يقبل تحدي ارخميدس. فقد رأى انه لكي يحيا البشر، عليهم ان يتصرفوا، ولكي يتمكنوا من التصرف، عليهم ان يجدوا شيئا يقفون عليه، ويتساءل المؤلف: اين هو هذا الشيء في كون لا اله فيه؟ كان الخيار الوحيد ايمان دون كيخوت بالشرق. وبالفعل كان كيخوت الشيء الوحيد الذي تحرك في الملحمة الاسبانية التي تمتد على طول الف صفحة. وكان رفيقه سانشوبانزا، ذلك الفلاح المتواضع الذي يهتم بالنبيذ والطعام والثوم قبل كل شيء، يحب سيده وبذلك ضحّى براحته كلها ليتبعه. كان سانشو لنصف الوقت مؤمنا بدون كيخوت، اما في ما تبقى، فأخذ يشتبه في انه رجل مخبول موهوم.
لم يكن ثمة فرق عند سرفانتس بين الخيال والحقيقة، او بين كون المرء نائما او صاحيا، اذ كان دون كيخوت السائر في نومه هو من مزّق اوعية النبيذ الجلدية وهو يظن انها ماردة، على انه لم يتصرف على نحو مغاير عندما يكون صاحيا. بعد دخوله كهف مونتيسينوس، غفا واخذ يحلم بمغامرته. كانت بالضبط كما لو خاضها فعلا، ولم يكن الا الشهود في الحياة العادية مهتمين بما اذا كان قد حصل الامر فعليا ام لا، وهو همّ في غير محله خطر لأولئك الذين لا يمكنهم التحرك بنفسهم، القريبين من تفكير هاملت عديم الجدوى. ولكن مهلا، ان بديل هاملت الآن هو تصوّر للتصرف حيث بطولة المحارب مطابقة لهلوسات رجل مجنون الى اقصى الحدود.
الحركة الرومانسية وعصر الانوار
ثمة محاولة واحدة جدية لانقاذ عصر الانوار في النهاية تماما. فقد ادرك عمانوئيل كانط انه لم يكن صحيحا ان المنطق يمكنه الصمود من دودن اساس اخلاقي، وادرك ايضا ان تقليص المنفعية الليبرالية للفضيلة الى لذة لم يؤد الا الى اظهار سطحية المنطق عندما يكون بمفرده. وفي المبادىء الاساسية للمعرفة الميتافيزيقية، ونقد العقل العملي، شكل اجابته، اخلاقيات عقلانية. ويرى المؤلف ان اخلاقيات كانط كانت التحفة الفنية لعصر الانوار وقد اعطى الحركة الانسانية فرصتها الحقيقية الوحيدة لتقف على رجلها. فضلا عن ذلك، يقول المؤلف: تعود مع كانط الى بروتس. كان قد شدد في السبعينات من القرن الثامن عشر على ان هذه الحقيقة هي النهاية العالمية للجنس البشري، وهي الكمال الاخلاقي، وان في الاخلاق، الشرف هو فوق كل شيء. ليس من الضروري ان نعيش بسعادة، لكن من المهم ان نعيش بشرف. فالحياة المجردة من الشرف لا تستحق العيش، غير ان اخلاقيات الحركة الانسانية هذه المرة مستقلة عن الجذور الارستقراطية وهي مدنية الان بشكل اساس الى سقراط والنظرة التي نسبت اليه في محاكمته على يد افلاطون، بأن الحياة الاسمى يجب ان تكرس لمعرفة الخير للتمكّن من التصرف بعدل.
ويشير المؤلف الى ان نظام كانط يتمحور حول القانون الاخلاقي. ذلك مختلف عن القانون الطبيعي، قانون الطبيعة الذي تدرسه العلوم – مجال المنطق المحض. انها مدونات اخلاقيات عالمية بديهية، لا تستند الى الخبرة البشرية وغير متحدرة من الطبيعة البشرية. تصح في الاوقات كلها للبشر كلهم الذين يتمتعون بالعقل والارادة. المهمة الرئيسة للعقل البشري فهم القانون الاخلاقي الذي هو في خدمته – هذه العقل العملي. يتعارض القانون الاخلاقي مع الحب الذاتي، يتعارض العقل مع الغريزة.
وفي توضيح لمدى الجدية التي يأخذ فيها العقل مهمته الاخلاقية، يشير كانط الى ان الموضوع الوحيد الذي يبقى مهماً عندما تنخرط مجموعة في محادثة هو القيمة الاخلاقية لفعل ما وكيف ينعكس ذلك على الشخصية. فالبشر يهتمون كثيرا، سواء في ثرثرة سطحية او في محادثة جدية في تقييم السلوك الحسن والسيىء.
كان كانط اهتم لموت الموت، بالفعل، اكمل مناصر روسو هذا، حتى بعد ان اطلع على عهد الارهاب، في الدفاع عن الثورة الفرنسية على انها علامة انتصار العقل التدريجي. أكمل في الدفاع عن الرجال الذين احدثوها، لانه وفقا لتحليله الاخلاقي، جعلتهم مُثُلهم الرفيعة الشأن رجالا صالحين، مبررا بذلك واقع انهم باسم الحرية، كانوا قد عذبوا وقتلوا بشكل بربري دون بشري.
لقد ابطل عصر الانوار بالفعل فكرة الجحيم التقليدية التي كونها الخيال الديني، لكن ذلك بغية تمهيد الطريق لتجسيدها على الارض. كان ديكارت، الاب المعاصر المؤسس للعقل قد امضى سنوات بمفرده يتساءل ما اذا كان أي شيء موجودا، لم يتمكن كانط، اعظم ابنائه، مع كل استقامته وبصيرته، ان يواجه الحقيقة بشأن الواضح والجليّ في السياسة وبذلك هو أيضا إنسحب في النهاية الى كرة العقل الخالص الزجاجية الطليقة.

في قلب الظلام

المنظران الكبيران للانهيار الثقافي للحركة الإنسانية، فريدريك نيتشه وكيركغارد، كانا من اصل البروتستانتي. فالفيلسوف الدانمركي سورن كيركغارد القادم من وسط اللوثرية، هو الذي سيتعرف بوضوح أكبر الى عواقب الفشل في إستعادته دينه، فان لم يتمكن من ايجاد طريقة اصلاحات جديدة، سينتهي كل شيء. كيركغارد كرّس حياته لتحقيق موت الموت. عاد الى معقل البروتستانت، الذي كان في وقته نوعه الخاص من الظلمة، للبحث عن الإيمان الذي يتملّص منه. خلال ذلك، ينهي العمل الذي بدأه رامبرانت، للتأكد من وجود مكان لهم. ونشير الى ان رامبرانت فشل لأنه فقد الثقة بان الانسانية كانت اهلاً للنداء الإلهي. ابو الإيمان، ابراهيم، فقد عقله بسبب الإنتهاك الشخصي المطلوب من الله.
يؤكد كيركغارد ان التجربة الانسانية في الحداثة قد تقسمت الى ثلاثة مجالات: جمالية، اخلاقية، ودينية. لقد اصبحوا في مراحل الانحطاط الحضاري، مع الإنهيار الديني اولا تلاه الانهيار الاخلاقي ومخفضا المستوى الجمالي للحياة. فقام كيركغارد بمحاولات الترميم. الاعمال الرئيسية هي الخوف والارتجاف، والملحق الختامي غير العلمي، على الرغم من اجزاء من الصورة تظهر في اماكن اخرى.
ويرى المؤلف ان المشكلة لكيركغارد والحداثة، هي كيفية تحقيق قفزة الايمان. كل شيء آخر هو تافه. لكن كيركغارد خارج عن طوره بشك، شك لاحظناه لدى كالفن. كيركغارد صريح حول شكّه، ويضعه في وسط سعيه الروحي. هو الوحش الذي لا يستطيع العيش من دون الذين يقتلهم. انه يتوق الى عالم الطفل او الكاثوليكية البسيط، والذي يجدي العقاب معهم نفعاً. فذنبه جامح.
فاذا كان الايمان مستحيلاً واذا كان اساس الايمان مخادعاً، فلا شك عندئذ ان الاخلاقيات ستنهار بدورها، وكل ما يبقى هو شكل جمالي لا أساس له. تلك هي الحياة المعاصرة. وقد
وجد كيركغارد الامر مضحكاً مصوراً شباباً في العشرينيات
من عمرهم يعتقدون بانهم حققوا قصارى جهدهم. فلا
يوجد هنا اي إنطوائية او جدية. ويرى المؤلف انه تم
تعريف الخوف على انه مرض للجسد. ولم يعد الناس
يدعون القس خوفاً من ان يموت المريض من الفزع. واصبح
الدين اشبه باستعمال الرافعة في المستنقعات. والعاطفة تموت ايضا لانها خسرت جذورها، والايمان هو اعظم شعور يحسّه الانسان.
اما نيتشه فانه يشخّص الحداثة العدمية من وجهة نظر مماثلة، ومع ذلك، فهو يحرّف الحكم ويعكس الحل. وبالتالي، تصبح المسيحية البروتستانتية السبب الرئيسي للمشكلة. لا بد من القضاء عليها بشكل كامل، مما يتيح ولادة جديدة لفرد النهضة العظيمة. يتبع نيتشه مذهب الانسانية وهو الاغرب بين الذين يتبعون هذا المذهب.
يقول المؤلف: في الحداثة، باءت الثقافة بالفشل، إما ان هناك تجاوزات ديونيزوسية غير منضبطة من الروماشيكية، شعوراً متدفقاً من دون اي مبدأ آمر، او التعليم المبتذل للعقلانية – العالم المتحفظ، الكاهن الممل، البيرقراطي المجتهد، بغض النظر عما هو شيطاني. والنتيجة هي العدمية.
ما من فهم او إدراك تام ممنوع بالنسبة الى نيتشه، وان فلسفته والشوكة الرثانة ادت الى الاستنتاج ان الحقيقة بذاتها ليست سوى وهم. ثمة وجهات نظر عقلية حول الواقع فحسب. ما تراه هو حيل لاستحضار الوعي. تحكم العواطف العين، وهي غير موضوعية. الشر هو مجرّد تفسير، وكذلك الخطيئة، حتى افتراضنا حول احداث مفتعلة هو خيال مناسب، وكما على سبيل المثال في القول، انها تمطر، ما هي ال ها؟ يسأل نيتشه. الوجود هو إما فظيع او منافٍ لعقل. كل شيء يتبع المظاهر، كل شيء نسبي، لا توجد نقاط ثابتة. يظهر نيتشه شعار القتلة، لا شيء صحيحاً، كل شيء مباح. هو متروك مع فكرة داروين، الارادة الى السلطة، التي تقود الانسان الفرد. إن مسار المعرفة يدور وينحدر نحو الاسفل – نحو قلب الظلام.

العقل اللاواعي

يحاول سيغموند فرويد التوفيق بين العقل والرومانسية. وهو يتسم بكونه واقعياً ومتشدداً في واقعيته بالنسبة الى طبيعة الرومانسية. فهو يرى اساسها القطري في اللاوعي تتحكم فيه قوات شيطانية اطلق عليها نيتشه اسم ديونيزوسية. فمرضاه محاصرون في اللاوعي، الغريزة والطابع القمعي اللذان اصبحا من العوامل الجديدة للضرورة. وهذه ضرورة نفسية تحكم الحياة اليوم. لم يتقيّد فرويد بأي امر في الحالات التي درسها، محبّذاً الاختزال، ولا سيما في حالتي الرجل الذئب ورجل الجرذان، لوصف اثنتين من الحالات النهائية والحاسمة، وكان غالبية مرضاه من الإناث يعانون الهستيريا. وقد اشار الى ان هذه الحالة ترتبط بالاحباط الجنسي، وحلّلها بدون تحفظ، وعند التطرق الى اللاوعي، تختفي صفة الاستقامة وكل الآداب، الإكراه خلال المرحلة الشرجية، البرودة الجنسية، والسادو-مازوشية، هذه الخصائص التي اصبحت عدّة التحليل النفسي. في الواقع حسب رأي المؤلف تصبح صفة الاستقامة بحدّ ذاتها سببا للعُصاب، فالتهذيب والتحفظ صفتان تُعتبران من اعراض العصبية المتحضرة. لا بد من الاشارة هنا الى نظرة نيتشه القائلة بان الفضيلة تجعلنا مرضى، قد تم استقراؤها على نطاق ضخم.
لا عجب في انه، بعد سيزان، وفان غوغ، وفرويد، عمدت الثقافة الغربية الرفيعة، بفنونها واعمالها الادبية والموسيقية والفلسفية، الى تصوير الحياة ككيان عقيم هو اسوأ من الموت. في الواقع، يتمثل رمز هذه الثقافة بجرذ ينزف من ذيله تحت وجه بومة تمثل الجمجمة، وهو شعار العدم. انتهى عصر النزعة الانسانية مع هاملت، ومن ثم هاملت، ولا احد غير هاملت.

*تحطّم الثقافة الغربية، تأليف جون كارول، ترجمة مارك عبّود، منشورات الانتشار العربي بيروت، ٢٠١٢.

( الأنوار )

الصور على التوالي :نيتشة ، كونراد ، فرويد

شاهد أيضاً

صدر حديثا… “تدريس الأدب الرقمي بالجامعات ثقافته – وسائطه”

خاص- ثقافات صدر مؤخرا كتاب جديد للناقد والباحث المغربي الدكتور محمد العنوز تحت عنوان “تدريس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *