الرئيسية / نصوص / الاسئلة وبلاغة القمح

الاسئلة وبلاغة القمح


زياد شاهين *

( ثقافات )

 

…وحلمْتُ بأنّي رأيتُ بلاداً ونهراً مُنساباً/ جارٍ يتفرّعُ منهُ سبْعةُ أنهارٍ / يتدفّقُ منْها قمْحٌ أشقرُ/ أكداساً .. أكداساً/ موجاتٌ تتهمّشُ تُرغي / تعبُرُ أوطاناً .. أوطاناً شاسِعَةً بالجُوعِ العابسِ/ تعْدو في خَببٍ/ وعلى كلّ ضفّةِ نهرٍ/ طفلٌ منبوذٌ جائعٌ يلهُو/ أحياناً يعْبثُ في ماءِ النّهر السَّـاجي/ كحصانٍ/ وأحياناً يستلُّ الخريرَ كَـسُنبلةٍ منْ غمدٍ صخريٍّ أو أكثرَ/ ينثرُها حبّةً حبّةً/ بينَ الأعْشابِ وفوق الصخّر/ تحدّقُ افواجُ النمّل مسْعورةً/ تَتدافعُ فوقَ موائدَ تبنٍ قاحلةً/ تتنزّهُ في الظلّ/ تحملُ في زهوٍ ما استطاعتْ منْ قمحٍ فوق أكتافها/ تتأنّقُ/ تبرحُ/ كم تتمنى لو تمْضي/ لو تُمسي بعيداً/ سبعُ حماماتٍ بيضاءَ تُحاصرُها/ تنقضُّ عليها تأكلُها/ سبعُ حباتِ قمحٍ باقية/ تنجو/ تتعانقُ في رحمِ الأرضِ المخصابِ/ تشقُّ الأرضَ اليبابَ وتنمو/ فأصحو أغازلُ حلمي النهريّ/ وتُخلعُ أغلالُ الأبوابِ/ ويُخلى سبيلُ القصيدةِ/ غاربةً تَشْرُقُ/ أحْرفُها: قمحٌ ودمي/ ومطالعُها نهرُ حرّيتي/ وتكونُ الحياةُ بلا عَـدَمِ.
-1-
هل تمنحُني ماءً كافياً أيّها النهرْ؟
ظمَأٌ عُمْري وحَنيني الجّمَرْ
أنتَ تُخيّبُ صَبْري،
فاعْذُرْني ..ما مَعنى الصّبرْ؟
تجْري مَعتوقاً وتـُدْركُ أنّكَ تجْري وأينَ سَتجْري!
وأنا أجْري لا أدْركُ أنّي أجْري ولا أينَ سأجْري ولا كيفَ سأجْري!
فكلانا نقيضانَ في جَسَدٍ واحِدٍ مُلقىً في ذاتِ البئرْ
وسبعةُ غربانٍ تنـقضُّ وتـنْـقرُ في شفتي!
قبلاتِ أبي!
ودموعَ أبي!
فاعْذرْني ما معنى الصّبرْ؟
الصّحراءُ تعْـلَـقُ فوقَ لسانِ فَمـي، تُلقي
أسمالَ الرّمل وأصدافَ الحرّ القاسي
فوقَ أديـمِ دَمي!
والشّمسُ تُربّتُ ساعاتٍ وتنامُ على كَـتفي
تتأمّلُ قمحـاً أشقرَ أشقر ينبتُ
منْ جَسَدي البالي
أضلاعاً مكسورةً فوق الصّدرْ
وحبيبةُ قلبي لم تأتْني بدِلاءِ الغيمِ الباردْ
أو بسبعِ ورودٍ حمراءَ مثلَ انشقاقِ الفجرِ
ولم تأتني بفطوري بسبْعةِ أرغُـفةٍ من خبزِ النّهرِ
كما وعـدَتْـني وعرافةٌ تتسفّعُ بالفقرِ
تظمأُ فوقَ رصيفِ الريحِ القاحلِ
في وطنٍ مدرارٍ يرضعُ من اثدائه ذئبٌ
يربضُ في صدْرهِ قلبٌ من صخرْ
وأنا يا نهرْ
لا أمْلكُ مأوىً حتى في القبرْ
لا أملكُ نخـلاُ أو سَــعَـفـاً !
يتعجرفُ في لغتي
كي أقرأَ في كفّ سَرابِ الدهرْ!
-2-
هل تمنحُني وقتاً كافياً أيّها الموتْ؟!
أوْ لا وقتٌ لديك لتمنحُني ؟! الأعداءُ
الأعداءُ هُمُ الأعداءُ يُـقيمونَ في حقْـلي
يعْبثونَ بزرْعي وأثماري
يُطلقونَ ثعالبَهُمْ بذيولٍ مُشتعلة
– منْ أضاءَ المكانَ بكلّ بهاءِ السّنابلِ ؟!
– منْ قد أراقَ الزّيتَ وصلّى فوقَ فتيلِ المجازرِ؟
لم أحترقْ .. كنتُ محظوظاً
كنتُ مخموراً
وأنا جالسٌ قربَ نافذةٍ في المَقهى أرقُبُ ما يجري
– ماذا يجري؟
كأسٌ أخْرى لكَ يا موتُ مني ولي كأسٌ أخرى!
فلنشربْ نخبَ القمْحِ الحافي فوقَ الجّمرْ
جدرانُ المقهى باردةٌ
هلْ يحْترقُ القمحُ المتناثرُ في الصوتْ ؟
ما زال الفجرُ بعيداً يا موتُ بعيداً،
يعجُّ المَقهى بالمَوْتى
برداءِ الّليلِ المُلقى ظلُّهُ في لهَبِ الخمرِ القاني
وأنا في ركنِ النورِ المتنامي منتظرٌ كأساً أو أكثرَ فارغةً بالشهدْ
أو مَمْزوجة بالدّمع الشاكي
مِنْ كفِّ نادلــةٍ شــقراءَ، أراها مبتورةَ اليدْ
يدُها المنسوفةُ عُمراً تلوبُ
وبينَ دخانِ الأثاثِ المُغْبرّ تؤوبُ
وتبحثُ عن موطنٍ في جسدْ!
-3-
هل عظامي مَدادٌ سـرّيٌ
يتطايرُ مطحوناً ودقيقاً في البريّة أوْ فوقَ النهرْ؟
أعني: هلْ لغةٌ من جَسَدي؟
أوْ أطلالٌ منْ بلدي؟
لا يقرأُ دودُ التاريخ الأمّـيُّ كتابَ النّهرْ
لا يقرأ وشمَاً منقوشَاً
فوقَ حبّاتِ قمْحٍ مكتوباً بِدَمي:
– بلدي جسـدي ويدي!
واختصارُ النهرْ
في حبّةِ قمحٍ تنبتُ في القَـفرْ
-4-
هل يبدو رخامُ حُطامِ المقابِرِ لي أملاً ؟!
ولـَكُمْ أملاً؟!
أملٌ يتدافعُ مثلَ النّملِ السّؤومِ على كبدي!
أملٌ يتكاثرُ مثلَ النّملِ المجنونِ في جسدي!
جسدي كيسٌ مملوءٌ بالقمحِ البلدي
وذراعايَ قاماتٌ وسنابلُ شامخةٌ
لا أدري كيفَ استهدى النّملُ الضالُّ الطريقَ إلى جسدي!
جسدي حِصْنٌ محروسٌ يرقدُ فيه قمحٌ نَـبَيْ
في الفجرِ سأفتحُ عينَيْ ،
لم أدرِ بأنّ القمحَ المدفونَ في عينيَّ يَرى
ألقَ الطرقاتِ الّـتي أعواماً لم ترَها قدمايْ !
-5-
هل أكتبُ عن وَرَقِ الصفْصافِ الساقِطِ
فوقَ عِظامِ الدّهْـشَةِ ؟
أوْ فوقَ هياكلَ تاريخٍ يتآكلُ!
يُشْبهُني!
لم أخترْ تاريخي، لا أريدُ شبيهاً لي، سيمرُّ الوقتُ رشيقاً، لم تُسْعفْـني مهارةُ
ذاكرتي، ماذا تبغي؟
ماذا أبغي؟ قالها القمحُ المتراكمُ مثلي تحتَ الرَّحى ! لم أعرفْ إن كانتْ
أكوامُ القمحِ الطالعِ في حقلنا، سهواً سقطتْ شلالاً من جُـثثِ القتلى في
الحَصاد الأخيرْ؟
أم هِيَ القتلى تختالُ بلا جُثثِ؟!
لم أعرفْ مَنْ هذا الرأسُ المقطوعُ الماكثُ فوقَ دفاترَ مكتَـبتي؟
هـُوَ رأسي؟
أم رأسٌ قد تَخلّصَ من أمَّتي؟
لم أفقهْ
لم أفقـهْ كيفَ لم أدركْ ما سرُّ الحكمَةِ في دهْشتي ؟
مرّةً أخرى سوفَ أرسُبُ دونَ اجْتيازِ الذّهولِ،
سأرسبُ في ترْكيبِ العالمِ منْ شمْعٍ لا يذوبُ ومنْ شمْسٍ لا تغيبُ ومنْ
أطفالٍ تتعانقُ في فرحٍ، راسبٌ ، راسبٌ، راسبٌ، أتقلّبُ في وحدتي، في
زاويةٍ منْ هذا الوَجَعِ الموْبوءِ أنازعُ، أقبعُ أرقبُ مشدوهاً فوقَ أيّ تُرابٍ
سيندثرُ القمحُ المتراكمُ في جثّـتي ؟
-6-
هل أصْرخُ طفـلاً حـرّاً؟
أو أندُبُ بلــداً حـرّاً؟
أو أفرحُ قمْحاً ينبتُ كيفَ يشاءُ وأينَ يشاءْ!
لن أصمتَ، كانَ بودّي أنْ أخْتارَ مَحاراً مُحْتـدِماً لصُراخي، كانَ بودّي أنْ أختارَ فَضاءً مُخْتمِراً لندائي، أقيمُ على جسْرٍ خَـشبيٍّ مَعْزولٍ بي، يسْبَحُ فوقَ فراغٍ مُلْكي وَليْ، بينَ شطريِّ نهرٍ مُسْترسلٍ ليسَ ليْ. الوحوشُ على شطرٍ والحريقُ على شطرٍ، والتّماسيحُ تظمأ في الموجِ الجاري، السّماءُ تُعيدُ حِساباتِها: خطأٌ .. خطأٌ، لا تحْرُسَني، لي أغصانٌ كانتْ تَتَـدلّى منْ تعاويذِها، لي سُنبلةٌ أرخَتْ ظلَّها فوقَ شرياني، لي أمنيةٌ لا حدودَ لصَحْرائِها، لي هُناكَ سِراجٌ يحْمِلُهُ القتْـلى في الطّريقِ المُعْتمِ يومَ نُشُوري، لي عنكبوتٌ تنْسجُ حولَ بيادرَ قمْحي النبويِّ خيوطاُ شائِكة، لي اوطانٌ جائعةٌ أعواماً تحْمِلُها اسْرابُ النّمل على أكتافِها، وتطوفُ تطوفُ بها.
-7-
هل أعْبأُ بالآتي؟
فرحـي قدْ فارقَ مهدَ حياتـِـهِ؟
مُلقى طافٍ في قاعِ النّهرْ؟
هل أبلغُ ذروةَ نارِهِ يومــاً
أم قدْ أبلغُ أدْنى الصبرْ؟
من يركضْ خلفَ جنازةِ صمتـِـهِ يعدمْ
لا يُعدمْ من يصرخُ في وجه القهرْ
إنْ تَقْرَأْ- صوتـُكَ في غَبشِ الفجرِ صَافٍ – تُدْركْ انّكَ لا تحلمْ
هل نهرمْ ؟
هل تهرمُ أحزانُنا؟
القمحُ سيتركُ سبعَ نوافذً للحلمِ مفتوحةً،
القمحُ نبيٌّ لا يسأمْ
القمحُ نبيٌّ لا
القمحُ نبيٌّ
القمحُ ………………………….!

 

 

* شاعر من دالية الكرمل -فلسطين

شاهد أيضاً

أغنية محشوة بالريش

خاص- ثقافات *عبد الرحيم التوراني في غرفة الانتظار ظلوا مدثرين بالصمت، وبقوا على حالهم هذا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *