الرئيسية / كتب / شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 7 )

شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 7 )


( ثقافات )

تبدأ ثقافات نشر كتب كاملة على موقعها في مجالات الآداب والفنون والفكر التنويري، وسيكون النشر على حلقات لايصال المادة إلى اكبر عدد من القراء، وستكون فاتحة هذه الكتب ” شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ” للمفكر السوداني الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، الذي سيصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، متمنيا أن تكون هذه الكتب موضع اهتمام ونقاش من القراء، وترحب ثقافات بدورها بنشر كتبكم الكاملة بالطريقة نفسها وستخصص زاوية لهذا الأمر.

قامت الدنيا ولم تقعد في الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية احتجاجاً على الرسوم الهزلية في الدنمارك، والفيلم المسيئ للنبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله واقتصرت ردود فعل ما يسمى ” علماء المسلمين ” على التنديد والشجب والتهديد بالقوة أسوة بالهبات الشعبية العفوية، والدفاع بشكل عام عن الاسلام والمسلمين لا عن ذات النبي الشريفة، ولم ينتبه الكثيرون إلى أن معظم موضوعات تلك الإساءات تستند إلى مرجعيات واضحة في الكتب التي وصلتنا من السلف، وكان الأولى أن تتم مراجعتها وتفنيد الإساءات التي لحقت بالنبي الكريم صاحب الخلق العظيم، ولكن سكت الجميع عما حفلت به الكثير من كتب الحديث والتفاسير مما نسب إلى النبي زورا وبهتانا، أو جهلا وسوء تقدير…!
والكتاب الذي بين يدينا للمفكر السوداني والمجدد الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون يتصدى لنماذج من هذه الاتهامات أو الإساءات علها تكون مقدمة جريئة لمراجعة شاملة لما وصلنا فيما يخص سيد الخلق وإمام الأنبياء، فلا مجاملة أو مهادنة مع مثل هذه الاتهامات أو سوء التفسير وركاكة التأويل حتى لو وردت في الصحاح أو نسبت إلى كبار الصحابة…!
أما صاحب هذا الكتاب فقد سبق له أن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والمراجعات الجريئة والتي شهدت الكثير من النقاش حولها، ومنها :كلَية الإنسان، الإيمان بمحمد، الإسلام والدولة، نبي من بلاد السودان، مراجعات في الفكر الإسلامي…وغيرها
وقد تربى المؤلف النيّل أبو قرون في بيت علم وتصوف في السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم، وتولى وزارة الشؤون القانونية في زمن النميري، وساهم في صياغة القوانين الإسلامية…، ولأجل أفكاره الجريئة وطروحاته المغايرة للسائد فقد تعرض وما يزال إلى الكثير من المحن والمضايقات ومنع كتبه في بلاد عديدة

8))

اتهامه بالشك في احياء الله الموتى

جاء في الحديث عن النبي صلى الله وبارك عليه وآله “تعلموا اليقين” وقال علي عليه السلام “الصبر رأس الدين ولا إيمان كاليقين” فالإيمان إذا بلغ غايته صار يقيناً فينتفي حينذاك الشك وتزول الظنون. والإيمان يزيد وينقص حتى يصير يقيناً فيستقيم التأرجح باليقين. واليقين يكون بالتعلم – ولذلك لا بد من شيخ خبير- وذلكم يعني نوعاً من السلوك أي أن العلم النظري وحده لا يفضي إلى اليقين وغايته الإيمان. والسلوك لا بد له من مرشد يعرف مدارج السالكين وعقباتها في منازل الإيمان واليقين. والإيمان يتعلق بالغيب فهو علم نظري متعلق بالمعنى لا بالشهادة.
والله سبحانه وتعالى هو عالم الغيب والشهادة والغيب متعلق بالمخلوقين، لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يخفى عليه شيء، ولا يوجد غيب يحتاج هو للاطلاع عليه. فالأمر عنده كله شهادة لأنّه هو الصانع للكل. فالغيب بالنسبة للمخلوقين أمر تتوق الأنفس للاطلاع عليه ومعرفته بحثاً عن اليقين. وإذا وصل الإنسان إلى الشوق لمعرفة الغيب فقد صار الإيمان بالغيب يقيناً عنده يشتاق لمعرفته وذلك علم اليقين ووراء ذلك حق اليقين ثم عين اليقين. وكل ذلك جائز إدراكه للعبد ما لم ينكر. فإذا أنكر العبد الغيب وقف حيث هو في معتقده وعلمه ﴿… وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ .
لأن العلم مخزنه المجهول العظيم الذي هو الغيب أو عالم الغيب. فمنكر الغيب واقف عن البحث والتفكير الذي هو العبادة التي لا تعدلها عبادة. ولا يزيد بإنكاره إلا جهلاً لأن الإنكار ليس علماً. وقد جاء “تفكُّر ساعة خير من عبادة سنة” ومدح الله جل جلاله المتفكرين في محكم تنزيله في قوله ﴿… وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وسئل الجنيد رضي الله عنه عن اشرف المجالس فقال “مجالسة الفكرة في ميدان التوحيد”.
وإذا وصل المرء إلى اليقين انتفى عنه الشك فلا وجود له عنده. وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله “لو كشفت لي الحجب ما ازددت يقيناً” وهذا منتهى ما يصل إليه العبد حيث لا يزيده ولا ينقصه أمر من الأمور فيما وصل إليه من اليقين. ولا يتأثر بالحوادث كعامة الخلق!.
والرسل صلوات الله وسلامه عليهم هم قمم أممهم لاختيار الله لهم، ولو كان بين الأمة من هو افضل من نبيهم لكان هو الأولى باختيار الله له إذ يستحيل أن يختار الله لنفسه رسولاً ويصطفيه ويكون هناك من هو احسن منه وافضل في علم أو خُلق أو خَلق، كما يقول الضالون بأفضلية أحد الصحابة على افضل رسل الله كلما اختلفا؛ فيؤيد الله ذلك الصحابي ويؤاخذ النبي!! كأن الله قال لنبيه فليحذر الذين يخالفون عن أمر ذلك الصحابي أو ما آتاكم ذلك الصحابي فخذوه ‍!!
فالرسل هم كلمات الله التامات التي يخرج الله بها عباده من الظلمات إلى النور، وكان منهم عيسى عليه السلام ﴿… رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ وهم الذين يأخذون بأيد العباد إلى الإيمان وإلى اليقين من مزابل الشك وجحيم التأرجح. فيستحيل عليهم أن يوصف أحدهم بشك فيما هو عليه من ربه بعد أن يختاره الله رسولاً إلى عباده لهدايتهم إليه تعالى وتعريفهم به. ومن يقول بغير هذا فقد وضع نفسه حكماً عالماً فوق الأنبياء والرسل؛ وأجرى حكمه عليهم بمعرفته القاصرة جداً؛ وتعالى وتكبر بعلم يستحيل أن يمده الله به ويحجبه عن رسله وأنبيائه المصطفين، الذين اصطنعهم الله لنفسه وحبّاهم وصلى على أفضلهم!!
فقد نسبوا إلى أفضل رسل الله الذي بعث معلماً أنه قال “نحن أولى بالشك من إبراهيم” وذلك حينما ذهبوا في تفسير قول الله تعالى في حقّ إبراهيم ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ وظن الكثيرون منهم أن إبراهيم عليه السلام شك في قدرة الله على إحياء الموتى. ومن يعتقد ذلك فقد كفر لأنه كفّر نبياً هو أبو الأنبياء!!! وحاول بعضهم أن يلين الحكم فقال إن إبراهيم شك في استجابة الله له في سؤاله!! وكيف يكون ذلك وهو تعالى القائـل ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وقد سأله إبليس فأجابه حيث قال ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مـِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يـَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ فكيف يشك أبو الأنبياء في استجابة الله له وهو خليله؟.
إنّ إبراهيم عليه السلام ما كان سؤاله عن صلاحية القدرة الإلهية وحاشا أن يشك فيها. بل سؤاله دلالة على عمق إيمانه بها. حيث طلب معرفة كيفية إحياء الموتى. وطلب معرفة الكيفية دلالة على اليقين بإمكانية حصول الأمر المراد مع عدم معرفة كيفية حصوله. والكيفية لا تتم معرفتها إلا بالممارسة فسؤاله كان طلباً لمعرفة ممارسة إحياء الموتى. وهذا أمر يكون لكل من يصل إلى مقام الخلة… مقام إبراهيم… ومن دخله كان آمنا من كل شيء فلا يعمل عملاً يخشى فيه خللاً. وفي هذا المقام يحيي الموتى كما كان عيسى عليه السلام يفعل. ورغم أن إبراهيم عليه السلام كان في هذا المقام ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ لكنه لم يمارس إحياء الموتى. وطلب الإذن من الله تعالى ﴿…رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى…﴾ تأدباً في الإقدام على عمل بين يدي الله. فكان السؤال من الله تعالى﴿.. أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ وليس المقصود به الإيمان بالقدرة أو الإيمان بالله بل أن من كان في هذا المقام يحق ويمكن له أن يمارس إحياء الموتى وهو أمر يعرفه إبراهيم عليه السلام وكل من اختصه الله برحمته فالسؤال من الحق جلّ وعلا بـ ﴿.. أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ﴾ هو تزكية من الله جلّ وعلا وشهادة لإبراهيم أنه ممن يحق له إحياء الموتى فلماذا يشك في مقامه وقدرته ﴿.. أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ بأنك من أهل ذلك وأنت خليلي؟ ﴿قَالَ بَلَى…﴾ أي أني مؤمن بذلك يا رب ﴿…وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ على ذلك بشهادة منك على أني من أهل ذلك. قال ﴿ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فقام إبراهيم عليه السلام بمباشرة إحياء الموتى بنفسه وهي الكيفية التي كان عليها مدار السؤال وهو أمر بعيد كل البعد عن شك يكون من خليل الرحمن عليه السلام. ولا يقول بذلك إلا من يحمل رجساً من علم لا ينفع وما أجرأهم!
ثم جاؤوا في علمهم بدم كذب وقالوا إن أفضل الرسل قال “نحن أولى بالشك من إبراهيم” كبرت كلمة تخرج من أفواههم… فإن كانت الرسل تشك فمن يُعلّم الناس اليقين ومن يُعرّفهم بالله؟؟ وبهذا الذي قالوه يريدون أن يثبتوا الشك عند إبراهيم عليه السلام وعلى أفضل الرسل صلى الله وبارك عليه وآله. ولو قيل لأحدهم أو نسب إليه الشك في اعتقاده ودينه لتبرأ من ذلك بكل ما يقدر بل لقاتل من ينسب إليه ذلك فنسبة الشك إلى النبي جائز عندهم، ولا يجوز عليهم ولا على أئمتهم في مذاهبهم التي يأخذون عنها أو مصادرهم التي يستندون إليها.
اللهم إنّا نبرأ إليك أن ننسب إلى رسلك شكاً في إيمانهم أو نقصاً في يقينهم.

(9)

الاتهام بأن العلاقة مع الله تكون بدونه

قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ .
فهِم مطموسو البصيرة من عظمة هذه الآية التي استبطنت مدح النبي صلى الله وبارك عليه وآله وأشارت إشارة دقيقة إلى سمو معرفته دون غيره بالله جل وعلا ليكون دليلاً للسائلين عنه تعالى، فهموا منها لكثافة حسهم وتبلد فهمهم، وغلف قلوبهم الاستغناء عن المعلم!!!
ولو نظروا بعين مستبصر غير متعجل، ومتدبر غير مستدبر، لوجدوا أنفسهم في حاجة للمعلم حتى في كتب الجغرافيا والفيزياء والحساب بل في لغتهم التي يتحدثونها!!! فكيف لا تكون بهم حاجة للمعلم الأكبر في أعظم وأهم كتاب ما فرط من شيء في الوجود من كل علم وكل موجود؟
قام هذا المعلم بترجمة هذا الكتاب من كلام الحق سبحانه الذي تكلم به بغير جارحة ولا لغة ولا صوت مما يعلم الناس، إلى لغة عربية بلسان عربي مبين. وكان كما قال تعالى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ .. كيف يستغني مستغن عن هذا المعلم الذي ترجم عن الله هذا الكتاب وما فيه من كل العلوم ويقول: لا حاجة لنا بهذا العالم والمعلم الذي عقل كل ما في هذا الكتاب عن الله الذي يحوي كل شيء وكل علم في الوجود، وقام بترجمته إلى اللغة العربية؟؟ كيف لا تكون هناك حاجة ماسة وملحة لهذا المعلم في اكبر العلوم التي جاءت بها كل الرسل ألا وهي معرفة الله جل شأنه؟!!
إنها الأصل في كل الرسالات السماوية التي جاءت بها رسل الله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ . فكانت الرسل صلوات الله على نبينا محمد وعليهم جميعاً هم كلمات الله التامة. قال تعالى في عيسى عليه السـلام ﴿… رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ..﴾ فالرسل هم كلمات الله التامة وأفضلهم سيد ولد آدم الذي أُخذ عليهم العهد للإيمان به ولنصرته ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ وهوالقائل “بعثت معلماً” وما العمل إلا بالكلمات ومن الكلمات التامة التي من تمسك بها أعيذ من الضلال ومن الشيطان، وأعين الأنس والجان، وهوام الزمان، وبدأ سيره في السر والإعلان، تابعاً طريق من أرسله الرحمن، لهدايته وهداية كل الإنس والجان، سيدنا وشفيعنا وحبيبنا محمد بن عدنان، الذي جعل الله محبته هي الإيمان.. وطاعته طاعة القوي الديان، والأخذ منه عن الله لا مباشرة من الملك الديان كما اعتقد أهل التكبر والجهل والخذلان، الذين قالوا إن الله لا يحتاج إلى دليل. وما الدليل إلا الواسطة..
الحق أنّ الله لا يحتاج إلى أحد فإنه غني عن العالمين، ولكن يتخذ من يشاء لما يشاء ولا يُسأل عما يفعل.. وما كان يعجزه سبحانه وتعالى أن يلقي مصحفاً لكل إنسان في منزله، وما كان يعجزه أن لا يكون هناك جبريل بينه وبين رسوله الكريم، حيث أن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله أقرب إليه من جبريل؛ إذ مبلغ جبريل سدرة المنتهى ومحمد صلى الله وبارك عليه وآله في مقام “أدنى” من قاب قوسين لأن كلمة “أو” الواردة في الآية ليست للتشكيك، تعالى الله أن يكون في كلامه شك أو في بيانه تشكيك ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ، .. وما كان يعجزه سبحانه أن لا يكون هناك رسول أصلاً فتكون علاقة كل إنسان بربه مباشرة دون الرسول كما يعتقد أهل الأفهام المنكوسة والبصائر المطموسة. ﴿…إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ .
فالرب جلّ شأنه في هذه الآية ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ يوجه عباده إلى رسوله إن أرادوا معرفته، كي يستجيبوا له ويستجيبوا لرسوله الكريم فالتوجه لمعرفة الله وكيفية التعامل معه لا تكون لبشر إلا عن طريق من أرسله وأحبه ومدحه. وقد فهم مطموسو البصيرة أن الآية هي (وإذا سألني عبادي فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) لم يفطنوا بل لم ينظروا بعين متدبر ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فكلام الله جل شأنه هنا هو خطاب للنبي عن أولئك الذين يرغبون في معرفة الله تعالى وكيفية التعامل معه.. لم يوجه الحق سبحانه الخطاب هنا إلى عباده مباشرة، بل لنبيه الكريم ليبين لأولئك الذين يسألونه بأدب المتعلّم مع معرفة قدر المعلم عن كيفية تعاملهم مع الخالق الذي أرسله حيث قال تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي…﴾ فعلى عباد الله التوجه إلى رسول الله وسؤاله؛ لا تخطيه والتعامل مع الله دونه! فهو الذي يُعرِّفهم بالله، بإنّه يقول عن نفسه ﴿… فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. فالمرجع هو النبي صلى الله وبارك عليه وآله ليعرفهم القرب من الله الذي به يجيب من دعاه فإنّ الله لا يقبل الدعاء من قلب لاه ولا يجيب دعاء من أكلُه حرام وملبسه حرام. ولا يقبل الله أحدا إلا عن طريقه لأنه المعلم بل “مدينة العلم” كما قال هو عن نفسه صلى الله وبارك عليه وآله. وبين الحق ذلك في أمر الذين يظلمون أنفسهم ثم يريدون اللجوء إليه تعالى والاستغفار من سوء ما عملوا في ظلم أنفسهم. فإن من يجيء إلى الله عن طريق حبيبه ورسوله يجد الله تواباً رحيماً… ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وفهم مطموسو البصيرة من هذه الآية أيضا (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم استغفروا الله) لم يتدبروا ولم يروا كلمة ﴿.. جَاءُوك…﴾ التي عليها المدار فإن من يذهب إلى المدينة – ولو بعد ارتحال الحبيب إلى الرفيق الأعلى- ويستغفر الله عند مرقده يختلف أمره عمن يذهب إلى البيت العتيق ويستغفر هناك رغم أن الحسنة هناك بمائة ألف ضعف لأن شرط أن يجد الله تواباً رحيماً مقروناً بالمجيء إلى رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله في المدينة لا إلى بيت الله الحرام!!!
قال تعـالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وحكم الآية باق إلى قيام الساعة لم ينته بارتحال النبي صلى الله وبارك عليه وآله إلى الرفيق الأعلى وإلا لأصبحت من القصص التي تحكى عن عهده وتعامله مع أصحابه كقصص الأمم السابقة.
قال تعالى ﴿…فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي…﴾ فهل استجاب العباد له تعالى؟ وكيف يعرفون انهم استجابوا له إن لم يؤمن النبـي علـى ذلك وهـو الـذي ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ…﴾ ويصلي عليهم لأن صلاته سكن لهم لأنه حريص عليهم وبهم رؤوف رحيم!! قال تعالى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقال عز من قائل في حق أحب خلقه إليه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيم﴾ فهل استجاب العباد لله تعالى؟؟ إن الاستجابة له جل شأنه هي الاستجابة لرسوله حيث قال ﴿…اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ…﴾ كيف يفكر المنقطع بكبريائه ويظن أن علاقته مع الله لا يحتاج فيها إلى النبي المعلم صلى الله وبارك عليه وآله؟ وما أرى هذا إلا ظلم النفس بعينه. والله سبحانه يبين له انه إذا استغفره عند الحبيب لوجده تواباً رحيماً. ألا يعني هذا التوجيه الإلهي عظمة منزلة الحبيب عند الله سبحانه وتعالى بأن جعل أداء عبادته عنده مشروطة بالقبول لا كما تؤدى في أي مكان آخر ولو كان بيت الله الحرام. فلِمَ يستنكف المستنكف عن اتخاذ النبي دليلاً ومعلماً ويقول لا حاجة له به في علاقته بربه؟؟ وقد جاء في الحديث أن النب النبي صلى الله وبارك عليه وآله دعا أحد الأصحاب وكان يصلي فلم يجبه حتى أتم صلاته فسأله النبي عن تلكؤه فقال كنت اصلي يا رسول الله فقال له الحبيب (ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿…اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ…﴾)؟ لأن طاعة النبي هي طاعة الله دون تفريق. ومن لم يعط طاعة النبي هذا القدر وهذا الحق فقد خالف الله لأن الله لم يفرق بين طاعته وطاعة النبي محمد صلى الله وبارك عليه وآله واحذر أن تكون ممن انحرفوا عن القصد ﴿…وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ…﴾ بدعواهم ﴿…وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ لذلك لا يمكن لأحد أن يكون طائعاً لله بينما هو مخالف للنبي صلى الله وبارك عليه وآله كالذي لا يقصر في صلاة السفر ويعتقد أن ذلك سنة بينما هي مخالفة لسنة النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وهي تعني عدم طاعته، أي عدم طاعة الله جل شأنه، فهي إذا معصية وليست عبادة. ولا سنة لأحد مع سنة النبي صلى الله وبارك عليه وآله!!! ولا عبرة بمن بدأ عدم القصر في السفر لأنه قد بدأ أمراً مخالفاً لما شرعه مَن طاعتُه طاعة الله وعليه وزرها ووزر من عمل بها!! وكلّ من يخالف النبي فقد خرج عن طاعته، وكل من خرج عن طاعته فقد خرج عن طاعة الله ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ…﴾ !!
قال تعالى ﴿…وَلْيُؤْمِنُوا بِي…﴾ والإيمان بالله جل شأنه يستوجب الإيمان بكتابه وبرسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ…﴾ وقد أمر تعالى الذين آمنوا في كتابه العزيز بالتمسك بالنبي صلى الله وبارك عليه وآله وانه المرجعية فلا يأخذون إلا عنه ويتركون كل ما نهى عنه وفوّض إليه الأمر كله، قال تعالى ﴿…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…﴾ وحذر تعالى من مخالفته ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ…﴾ وجعل طاعته طاعته دون فصل بينهما ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ…﴾ فمن خالف فقد خرج عن طاعته أي طاعة الله جل وعلا. ولا يدعي أحد انه يمكن أن يخالف النبي ورغم ذلك يظل طائعاً لله لأن في هذه الدعوى يكون النبي – عنده – هو المخالف لله ومخالفته للنبي هي طاعة الله!! فينتفي الإيمان برسول الله وطاعته وينتفي الإيمان بالرسالة وتنعدم الضوابط والمرجعية ومعرفة الله تعالى. لأنه سبحانه يبين أنّ طاعة الرسول صلى الله وبارك عليه وآله هي طاعته بينما هذه الحالة تقول إن مخالفة النبي هي طاعة الله كما قالوا في حديث أسرى بدر حيث قالوا إن المخالفة للنبي كانت هي طاعة الله ولا حول ولا قوة إلا بالله!!! وكما قالوا في مخالفة من خالف النبي واعترضه في الصلاة على عبد الله بن سلول انه كانت مخالفته كذلك طاعة لله. وذلك يعني عندهم أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله كان مخالفاً لله!! وهذا هو المحال بعينه لأن طاعة النبي لا تنفك عن طاعة الله، ولا يوجد على وجه الأرض من يحكم بأن النبي خالف ربه لأن كل ما يأمر به ويفعله تجب طاعته فيه من حيث انه طاعة لله فكيف الخروج عليه واعتراضه اعتقاداً بأن طاعته في موقف من المواقف ليست هي طاعة الله؟؟ ومن الذي له الفوقية على النبي حتى يحكم أن النبي في هذه الحالة خالف ربه ولا تجب طاعته ثم يقترح هو غيرها!!؟
ومن هم أتباعه في هذا الفهم ليقولوا لنا إن الله قد غيّر أمره من طاعة النبي إلى طاعة هذا المقترح الفوقي في ذلك الأمر أو تلك الحالة بنسخ الآية ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ..﴾ أو يقولوا بنسخ حكمها ليتسنى لهم قبول مخالفة النبي ويقولوا بأنها طاعة لله!!! ثم يقوموا بتعظيم ذلك المخالف للنبي ويقولوا إن الله وقف معه في هذه الحالة وترك النبي بل آخذه لعدم قبوله رأي من خالفه!!! اللهم إنا نبرأ إليك من هذا الاعتقاد وعليك صلاة الله يا رسول الله وعلى آلك الكرام فوالله “ما أوذي نبي مثلما أوذيت”.
إنّ العمل ابتغاء الأجر هو مقصد الأكثرين من الأمة لِظنِّهم أن دخول الجنَّة إنما يكون بالأعمال لا برحمة الله. والأجير لا يكون مستحقاً للأجر إلا إذا تم العمل بإتقان وإخلاص. فكان من توجيه الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” والإحساس بالسعادة لدى طالبي الأجور يكون عندما يُوَفّى العامل أجره لأنه علامة الرضاء من صاحب الحق ودلالة النجاح والفوز. وإذا كان المحاسب بصيراً فالنجاح عسير ولذلك قيل: “من حوسب هلك” وفي الحديث “الكَيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت” لأنّ حقيقة الأعمال – وإن كانت معاملات اجتماعية كالبيع والشراء والنجارة والحدادة والبناء- فيها العِوَض والأجر الأخروي وتَصُبُّ في ميزان المسلم صالحةً كانت أو طالحة. وإن صَحِبَها حسن الخلق فهو أثقل الأعمال في الميزان يوم القيامة. فمن أُعطي أجره فقد غنم وسعد. قال تعالى ﴿…وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ…) وبعد وفاء الأجور وهو الميزان لا يدخل الجنة أحد إلا بالرحمة (…فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ…﴾ .
وبما أن الفوز هو دخول الجنة، فقد جعل الله لنا الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله سَنَداً وذُخراً لذلك خاصة للذي يتأرجح ميزانه من كبائر الذنوب. قال صلى الله وبارك عليه وآله “شَفَاعَتِي لأهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أمّتِي” فاجعلوا يا أحباب النبي أملكم فيه لأنه المنقذ والمنجي لمن وجبت له النار.. ولا تجعلوا أملكم في أعمالكم التي قد تُرفض لِعيبٍ أو عدم إخلاص أو عدم إتقان أو رياء أو لعدم فتح باب القبول لها.. بل اجعلوا أعمالكم كالكبائر عندكم حتى تكونوا ممن يشفع لهم الحبيب.. أدُّوا أعمالكم إتباعاً للحبيب لا ابتغاء الأجر حتى لا تتعرضوا للحساب لأن طالب الأجر محاسب على عمله ومن حوسب هلك. واللجوء إلى الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله يستَجلِب توبة الله على العبد. قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وحُكم هذه الآية باقٍ لا يزول ووعد الله حق ومن أوفى بعهده من الله؟ ولن يخلف الله وعده بارتحال الحبيب إليه والشرط باقٍ في هذه الآية إلى يوم القيامة: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ… جَاءُوكَ..﴾. فمن يذهب إلى المدينة المنوَّرة ويستغفر الله عند المرقد الشريف فإن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله يستغفر له ويكون قد استوفى الشرط.
إنّ ذكر الله مطلوب في كل وقت وكل مكان وعلى كل حال ومطلوب فيه الإخلاص لله، والبراءة من الرياء، وهو الشرك الخفي. والبراءة من العُجب الذي قال فيه المعلم صلى الله وبارك عليه وآله “لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من الذنب العجب” والبراءة من الغرور وهو حظ النفس المفضي إلى الكبر الذي قال فيه المعلم صلى الله وبارك عليه وآله “لا يدخل شيء من الكبر الجنة” كما يجب أن يكون الذكر قد تم بإتقان. ففي الحديث “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه” على أن يسبق ذلك كله نية صالحة فقد ورد “نية المرء خير من عمله”… وبعد ذلك يقدم العمل إلى الملك العظيم البصير جل جلاله ذي العزَّة والجبروت إن كان يليق بأن يُقدَّم إليه مثل هذا العمل. وهو الذي بحوله وقوَّته أديته لا بحولك وقوتك.. فهل أدّيت الشكر في أنه وَفَّقك لهذا العمل الذي ليس لك منه شئ بحولك وقُوَّتك؟؟ أما كان يمكن أن يجعلك جل جلاله من أهل المعاصي والذنوب؟؟!.. إذن فإنْ رَفَضَ عملك فهو العدل بعينه لأنه لا حول ولا قوة لك فيه. فهذا العمل الذي تم ولو تم بصورة جيدة ومتكاملة فهو بين الرد والقبول!!! فالذي يتمسك بعمله ويعتمد عليه لينجو به فقد وضع نفسه في موقف لا يدري أين ينتهي به لأنه لو لم يقبله مَن ﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ…﴾ فقد هوى وأمه هاوية. ورفضُه تعالى عدل وكل فعله عدل لأنه لا حول ولا قوة إلا به. فكيف النجاة؟؟
أتقِن العمل وأخلِص فيه لله وابتعد عن الغرض ثم لا تطلب أجراً. فإنّ الأجير محاسب ومن حوسب هلك فلا تجعل نفسك مع الهالكين.. ليكن عملك الذي ترى أنك أتقنته وأخلصته في معدود السيئات بل من الكبائر حتى تطمئن إلى النجاة. لأن أهل الكبائر هم الذين يتولى أمرهم من لا يَرُدُّ الله له شفاعةً فيحول الرسول صلى الله وبارك عليه وآله بينهم وبين النار. ذلك لأنهم يئسوا من نفع أعمالهم فلم يعتمدوا على أنفسهم ورأوها في عداد الهالكين والتجأوا إلى الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله الذي قال “شَفَاعَتِي لأهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أمّتِي” فهم الذين ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ…﴾ {من أعمالهم صالحة كانت أو طالحة} والذي يرى أعماله صالحة يستغفر من نسبتها إليه لأنه ليس له فيها حول ولا قوة فهو إذن صفر اليدين ولا عمل له!! فإلى من يلجأ؟؟ يقول أدعياء التوحيد يلجأ إلى الله. ولكن الله إذا أحببت أن تجده تواباً رحيماً فالجأ إلى من أرادك أن تجيء به إليه ليستغفر لك، لتجده تواباً رحيماً. وأما إذا جئته بنفسك – دون حبيبه – فقد تجده جباراً منتقماً شديد العقاب. فأراد الله أن يطلبوا غفرانه وتوبته عن طريق مجيئهم إلى الرسول صلى الله وبارك عليه وآله فيستغفروا الله عنده – لا عند بيته الحرام – ويسألوه أن يستغفر لهم. ولو اتّبعوا هذا المنهج وسلكوا هذه الطريقة فإن الله وعدهم بأن يجدوه كما يحبّون تواباً رحيماً. قال تعالى ﴿…وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ . فإن لم يتيسر لك الذهاب إلى المدينة فاطلب ممن ترى فيه الصلاح ليستغفر لك ذنوبك. فقد قال إخوة يوسف ﴿…يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا…﴾ .
لقد ضمن أهل الكبائر الشفاعة بالنص “شَفَاعَتِي لأهْلِ الكَبَائِرِ مِنْ أمّتِي” فما أفضل من أن يحسن المرء عمله ويؤدي واجبه بإتقان ثم يحسب نفسه من أهل الكبائر ويكثر الصلاة على الشفيع المشفع الذي به النجاة يوم يقول الرسل: نفسي نفسي. إن الذي يلقى الله بالنبي معتمداً عليه يائساً من نفع عمله واثقاً بشفاعته فقد دخل في ظل جاهه العريض وضمن النجاة به.. ومن يظن أنه من الموحدين ولا حاجة له بالنبي صلى الله وبارك عليه وآله وشفاعته، بل يشك في أمر الشفاعة ذاتها، ويريد أن يلقى الله بعمله، فليعلم أنه ليس لله حاجة في عمله ولا يزيد عمله في ملك الله شيئاً. وقد عرَّض نفسه للحساب أمام الناقد البصير العليم بالنوايا الذي لا يُسأل عما يفعل وما أقسى الحساب في يوم الحساب!! يوم يُعرض الناس على رب العالمين، ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًاً…﴾ . ثم ماذا بعد الحساب؟ فإن الجنة لا يدخلها أحد إلا برحمة الله لا بعمله. فالذي لم تدركه الرحمة بعد الحساب فلا نجاة له وإن كان عمله كأعمال الملائكة!! فالذي يعتمد على عمله ولا يرجو رحمة الله هلك. ومن عرف الرحمة فعليه بها لأنها سبب دخوله الجنة وهي محمد صلى الله وبارك عليه وآله قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ وقال صلى الله وبارك عليه وآله “يا أيّها الناسُ إنما أَنَا رحمةٌ مهداةٌ” .
اللهم صلّ على سيدنا محمد رسولك الرحمة المهداة للعالمين وعلى آله الطاهرين أجمعين، وأرض اللهم عن صحابته المنتجبين، واجعلنا مِن أحبِّ الناس إليه وآله وأكثر الناس حُبّاً فيه وآله، واجعلنا إماماً للمتقين، وأرفع بنا كلمة الحق وراية الدين، واجعل أعداءنا أعداءك وانصرنا عليهم أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.

شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *