الرئيسية / نصوص / كارمن ….وأنثاه المشتهاة

كارمن ….وأنثاه المشتهاة


إسراء عبد التواب *

“ثقافات”

 

كان الجو نادر البرودة .برودة انتظرتها “كارمن ” وهى تودع صيفا قائظا شديد الضجر .الشتاء يفجر صدرها بالأماني وبالأحلام المستحيلة .تمشي كل يوم فى شوارع وسط البلد والهواء المندفع بقوة يضرب حلمتها الوردية ويهدهدها .تعانقها نسمات الهواء وهى تتنفس بقوة أكبر قدر منه ، وتتمنى لوتتحول كل نهارات القاهرة لليل أبدي حتى لا ترى ضوء النهار الذى يزعجها ويحدفها فى دوائر من الإكتئاب المستمر .تدفع قدمها بقوة وهى تريد أن تغرسها فى الشوارع التى تفشل دائمأ فى حفظ أسمائها وتتمنى لو سميت الشوارع بإسم التفاصيل التى تعشقها .لا تعرف ما هو مسار طلعت حرب ولكنها تعرف جيدا “أيس كريم العبد ” التى تحب أن تتوقف عنده ،
وهى تلتهم منه المانجو المثلج بشراهة وهى تتذكر جدتها التى كانت تتوقف عنده مرارا وتكرارا . كانت تتسلل عيونها من شباك عربة خالها التى كانت تقلهما وهى صغيرة وتتبع خطواته وهو يلبي طلب الجدة وقلبها ينفجر خوفأ عليه من الزحام الممتد والمخيف الذى كانت تكره ضوضائه وحين تعود إلى بلدتها الصغيرة ويسألها أولاد الخالات عن القاهرة تقول لهم أنها أكبر من أحلامهم وأن بها أضواء كثيرة تزغلل العين، يضحكون فى الليل وهى تسرح بهم كثيرا وتقص عليهم تفاصيل من اختراعها فيصدقونها بالإجبار وترتفع الضحكات الشاهقة لتزعج مزاج الجدة فى بيتها وتصرخ فى وجه “كارمن “: نامي بقى يامضروبة إنتي وهو . فينغرس الأطفال فى سرائرهم خوفأ وينامون وهم ينفجرون فى الضحك ويكتمون أفواههم بأيديهم حتى لا تسمعهم ،بعدها تسكب الجدة أكواب القهوة المحوجة بالبندق فى فنجانها الفرنسي، وتلتقط السبحة وتشرع فى الصلاة الممتدة حتى الفجر.وهى تتنفس هواء الفجر فى الفرندا وعطورالورد البلدى بحديقة بيتها تذكرها برائحة حبيبها الذى ودعها وهى تتلمس الطريق لعشقه
تتذكر “كارمن ” كل تلك التفاصيل وهى تعبر من شارع طلعت حرب وتحن للماضي الذى رحل بلا رجعة .تمشىي فى شارع “قصر النيل” لا تعرف ما هى بدايته ولا نهاية مساره . تميز الشوارع بالشبهه وحين تتوه في تقاطعات “طلعت حرب “تسأل المارين عن مكان التمثال وتعود إليه لتقف تحت مركزه مباشرة ،وتكتب فى رأسها كل التقاطعات يمينا ويسارا لتعود نفسها على التذكر وحين تمر إلى شارع لا تعرفه تتداخل كل التقاطعات مرة واحدة وتنفجر الفوضى فى رأسها وتدفعها للضجر المؤلم وتلعن ذاكرتها غير القادرة على الإستيعاب المستمر لفلسفة القاهرة فى البناء.الفلسفة التى تبقيك دائما خارج السياق ما دمت لا تفهم منطق ” اللف والدوران “.تبكي بداخل ذاتها على هذا التعثر الدائم والملازم لشخصيتها فى حفظ عناوين الشوارع. تحاول التجاوز وهى تؤكد لنفسها أنه لا يهم ما دام هناك وقت للتعلم،وتصبر نفسها أن القادمين مثلها من الجنوب لا يجيدون حفظ شوارع القاهرة بنفس السرعة التى تطمح إليها.
تمشى “كارمن ” بإتجاه مكتبة”دار الشروق” وهاتفها يرن فى يدها لصديق تعرف أنه مل من إنتظارها بعد مرور نصف ساعة على موعدهما …..لا تريد إخباره أنها قادمة فى الطريق وتقرر العزم على تجاهل الرنات وفى لحظة شجاعة تنقر بيدها على زر الفتح وتعتذر “معلش والله قدامي بس خمس دقايق وأكون عندك ” وقبل أن تكمل إعتذارها يهاجمها “أوبااااااااااااااا هى مواعيدك كده “!!
تهدئه وهى تقول له :خلاص فضلي دقيقتين وأكون عندك بالضبط …الصبر بس
يرد بتنهد :هو أنا ليه إلا الصبر.
تضحك بينها وبين ذاتها،وتستمر فى المشي وتحب ليل القاهرة الذى يأثرها وفى طريقها للمكتبة تشم رائحة الكتب عن بعد .تفتح بابها وتشعر أنها فى حضرة العظماء ،تغريها الرائحة المعتقة والمنبعثة من كل كتاب وأوراقه التى تلتصق بأرواح أصحابها لتمتزج بداخلها وتميز روحها وجسدها المنهك من القراءة .تلتقط رواية “أكابيلا ” لمي التلمساني تتذكر وجهها وروحها الملتهبة بالوعي وهى تتحدث بثقة أمام مجموعة من النقاد فى إحدى الندوات الثقافية التى حضرتها وهى تنظر للجميع من تحت نظارة فرنسية بشانبر أحمر أنيق وتعري الجميع من وراء العدسات ،ترسم ملامحها المتمردة فى خيالها وهى تفر صفحات روايتها وتتذكر بطلتها “عايدة” المثقفة التى أودت بها التجارب لمصحة نفسية تقرأ ملامحها على عجل ،ويدعوها صديقها لمغادره المكان وهى تضع الرواية بسرعة ،وتنسى شرائها .
تمشي معه فى شوارع وسط البلد ويتوقف عند عمارة كانت تسكنها “ليلى مراد” ويسألها : تعرفي مين كان ساكن فى العمارة دي …؟؟
ترد بجهل : لاء …….مين ياعني ؟؟
ليلى مراد معقولة مش عارفة العمارة دي مشهورة جدأ إسمها ” إيموبيليا”
ـ آآآآآآه …والله… معقولة…. بجد ….طيب
ينحرف بها عند ناصية مجاورة للعمارة وهو يشير بيده على قهوة مغلقة ويلقي بكلماته : “دى قهوتي “
تفتح فمها ….معقولة بجد
ينفجر فى الضحك “أه أصل أنا بأشتغل فيها صبي بالليل “
تمنحه مزيد من السخرية وهى تصدر له الدهشة …بجد
يمسح رأسه بيده وهو يضحك :تعرفي كام “بجد” قولتيها فى الدقيقة الواحدة .
تضحك “كارمن ” بقوة وبعدها يغمرهما الصمت التام .تعرف أنه يتتبع مشيتها، وهو يرافقها ويصر على أن تكون على يساره المجاورللرصيف ويترك يمينه موازي لمرور العربات.يشعرأنها طفلته المفقودة وأنثاه المشتهاه المتلاشية فى سحابة كبيرة من الضباب. يمر بها من أمام البنك المركزي وبينها وبين ذاتها تترحم على الكنوز التى نهبت والتى ستنهب منه بإسم الشرعية .
تسأله بعد مرورهما بشوارع كثيرة : هو إحنا رايحين فين ؟؟
يجيبها “رايحين الجنة بتحبيها يا”كارمن “….؟
تكتم ضحكة منفلتة وتقول له : أنت مش هتبطل تريقه بقى
يجبيها : لاء عندك مانع …
تستمتع بصمتها وأفكار كثيرة تدور فى عقلها وتتلاحق وتشعرأنها فى حاجة لفضاء كبير ولرائحة برد تغمرها لتشعرها بالضعف فهى منذ شهور عديدة وهى تكره صلابة تغمرها .
يمران فى شارع منغلق على نفسه وتحتضن الجدران كراسى تمتد بالطول على جانبيه ويطلق لها العنان لإختيار المكان الذى يعجبها تختار الجلوس فى وسط الطابور المترامى بكراسي صفراء لا تؤجج غيرتها ،وتترك بدايات الطابور وتبتعد عن ضجيج مريدي القهوة.
وقبل أن يجلسان يهاجمهما صبي القهوة :تأمر ياباشا
ـ يقول له :عايز شيشة تفاح و…….
وقبل أن يكمل تلمح “كارمن “بيدها وكأنها تقبض على كوب ماء وتطلب “نسكافية “
يرد الصبي الصغير : تمام ياباشا
تفاجئ بسرعة مجئ النسكافية ورغاوى كثيرة تتكاثف على سطحه وكأنها أنثى تطفو بجسدها الخمري أعلاه، وصدرها مغطى بقطع من الشوكولاته .يلتقط بيده معلقة صغيرة تلملم الإغواء،وقبل أن يضعها على فمها الصغير المنمق يسألها بحنان : بتحبى الشوكولاتة…..؟؟
ترد :آه
ينفث دخان الشيشة فى وجهها بهدوء قاتل،تشعر أنه يضاجع إمراة فى الشيشة تضحك بقوة .ينظر لها فى تعجب : بتضحكي ليه ؟؟
ـ حاسة إن مبسم الشيشة أنثى
يرفع حاجبيه الأيمن ويواجهها : حلو التعبير ده
تضع قدمها فوق بعض وتنظر بتعجب وتضحك فى مكر .وتجلس فى ثقة خجلة تتركه مع أنثاه وتسرح فى السقف الذى يغطى القهوة ويشبه الكوبري وتتذكرأغنية “عاصي الحلاني “يمكن “.الشارع الذى يحتضن ” القهوة ” يشبه نفس الشارع الذى غنى فيه “الحلاني ” أغنيته .تندن بينها وبين نفسها …”يمكن أنا الغلطان يمكن عمرهربان ياكلمة إللى يمكن”…. ينظررفيقها إليها وهى تدندن وسحابة من الغموض تغطي وجهه. وكلمات كثيرة تنبعث من عينيه تارة يدفعها للصمت وتارة يحررها بالتعبير.تنظر فى فهم وترد إليسا عليه ” فى عيونك لغز وأسرار فى عيونك رحلة ومشوار ” ……..فجأة يواجهها : عايشة ليه ؟؟؟؟
تقول له : عشان أكتب
يواصل : وإيه كمان …….؟
ترد :وعشان أحب وأتحب
يلاحقها : وإيه كمان …..؟
مش عارفة
ينظر فى وجهها بفراسة :ليه مش عارفة ..ياعني إيه الجملة دى مش فاهمها ؟؟
تجيبه: مش عارفة فى مشكلة …إنت ليه بتسألني كل الأسئلة دى ؟؟
ينفث مزيد من الدخان وهو يرجع برأسه للوراء قليلأ ويرد عليها :”بس عشان أفهم” تلاحقه هذه المرة ….تفهم إيه بالظبط .يتجاهل الرد ويقول لها : على فكرة إنتي دماغك حلوة يا”كارمن” بس للأسف عندك ضباب …..عايز تتنفضي وترجعي تبدئي من أول وجديد.
تعبر عن دهشتها له :بمعنى !!
ـ هأقولك بعدين
لا تقاومه :أوك …….
تنغلق المسافات ببطئ شديد بينهما ويعود إلى أنثاه بمبسم الشيشة ويعانقها بقبلات حارة متأججة .تعرف “كارمن ” أنه يحترق بالداخل ومعه تحترق أحلامه وينهمر الغموض بسلالة بينهما ويعترف لها : على فكرة أنا عارف إنى هأموت بمجرد ما خلص الكتاب إللى شغال عليه.تتعجب “كارمن ” من كلماته وتسئله ” ليه بتقول كده “
يحادثها :كل شخص بيخلص مشروعه ويموت بعده كان ليه واحد صاحبي كان شغال على سيناريو لشخصية جاسوس مصري فى إسرائيل ومات بعدها بمجرد ما إنتهى منه بثلاث شهور وأنا هيحصلي كده بعد ما خلص كتابي .
ترد بثقة : مش شرط …..وكل إللي هأعمله معاك هأعطلك عن الكتاب عشان ما تموتش بسرعة
.ينفجران فى الضحك ويعود لمبسم الشيشة من جديد وينفث دوائر من الدخان تنساب بنعومة من فمة الذى يرسم من أنفاسه جسد إمراة تتمدد فى راحة وكلما تلاشى جسدها فى الهواء وإختفى ينفث من أنفه مزيد من الإناث الراقصة والتى تزحم رأسها بالخيال الحر.يجلس صديقها وهو إبن منطقة ساحلية باردة فى مواجهة “كارمن ” القادمة من الجنوب الحار وبينهما تولد أفكار كثيرة .يعدها أنه سيبقى فى ظهرها ولن يؤذيها يومأ ومعه تتذكر أصدقاء لها كثر رددوا مثل هذه العبارات وتركوها عند أول تعثر ولم تجدهم فى ظهرها كما وعدوها مثله .لم تعد “كارمن ” تصدق أحد ولم تصارحه بتلك الحقيقة البائسة بل اكتفت باعترافها له أنها لم تعد تحب أو تكره ، ولم تعد تنتظر أن يعدها أو لا يعدها فالخيانات الكثيرة قبله جففت النبع تماما .
اكتفت “كارمن ” بالقول : لا تحمل نفسك مزيد من الوعود فقط اترك الزمن يمر واتركه يحكم واتركني بنبعي الذى جف ولا تجدد البحيرة الآسنة.
كانت كلماته شراره لغضبه المندفع وهو يقول لها : يبقى ما عرفتيش رجالة قبلي بحق وحقيقي.
كانت تريد أن ترد عليه أنها لم تعرف حتى الآن كيف يكون شكل الرجل الحقيقي فالملامح اختلطت تماما والفوضى تحكمت فى رأسها ،وما تبقى من الآمال ليس سوى “دهشة منكسرة عند حلقة الرجل الذى صار يشكل لها لغزا غير مفهوم بتقلبه وانفعالاته غير المتوقعة .
اكتفى هو بتوجيه المزيد من الوعود التى كانت تتلقاها بمزيد من الهدوء الآمن الذى يسبح فى دائرة من الشك.ومع قراءته المستمرة لها صرخت فى وجهه فجأة : لا تحاصرني بتلك النظرات أنا عايزة براح ممكن ……
يلملم عينينه ويعيدها له مرة أخرى ويفهم الرسالة جيدا وهو يطأطئ رأسه ويرد عليها :حاضر….
ولكنه يعاود التحدث مرة أخرى : بصى أنسي كل شيئ عدى تماما ،وللأسف إنت خايفة ولازم تتخلصي من خوفك ده وما يحصركيش فى حكمك على البشر سيبي لنفسك مساحات للإكتشاف عشان تكتبي أكتر .اقتلي الناس وحبيهم ودوبي جواهم واخرجي منهم فهمانى ياراداااااااار
كارمن : فاهماك
هو : تمام
هو : لازم يكون انتمائك لنفسك فين كارمن؟؟ طول الوقت تسألي نفسك السؤال ده ولما تتوهي إسأليه كتير برضه وهترجعلك تاني وهتلاقي الموضوع سهل جدأ وساعتها بس مش هتخافي إنك تدخلي جوه حد فاهماني ياجميل
كارمن : فاهماك
هو : طيب
يندفع هواء بارد إلى القهوة يخفف من جسدها ملابسها التى ترتديها قطعة قطعة يضغط بقوة على أناملها وهو يودعها بعدها تلتقط حقيبتها السمراء وهى تؤكد له رغبتها فى الإنصراف.يمد يده لها وهو يودعها ويضغط بحب عليها ويسألها :هأشوفك إمتى
تودعه وهى تقول له ” لما يجيلي مزاجي “
هو :أوك سلام
كارمن : باي باي

* كاتبة من مصر

شاهد أيضاً

القضية..فلسطين / إلى..عهد التميمي

خاص- ثقافات *محمد الزهراوي دجَّنوهاǃ؟ ألا ترَوْن؟.. بيْضاءُ هذِه الفْرَسُ فِي الرّيحِ وأنا الشّاعِرُ.. مهْمومٌ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *