الرئيسية / كتب / شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم (6 )

شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم (6 )



( ثقافات )


تبدأ ثقافات نشر كتب كاملة على موقعها في مجالات الآداب والفنون والفكر التنويري، وسيكون النشر على حلقات لايصال المادة إلى اكبر عدد من القراء، وستكون فاتحة هذه الكتب ” شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ” للمفكر السوداني الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، الذي سيصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، متمنيا أن تكون هذه الكتب موضع اهتمام ونقاش من القراء، وترحب ثقافات بدورها بنشر كتبكم الكاملة بالطريقة نفسها وستخصص زاوية لهذا الأمر.

قامت الدنيا ولم تقعد في الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية احتجاجاً على الرسوم الهزلية في الدنمارك، والفيلم المسيئ للنبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله واقتصرت ردود فعل ما يسمى ” علماء المسلمين ” على التنديد والشجب والتهديد بالقوة أسوة بالهبات الشعبية العفوية، والدفاع بشكل عام عن الاسلام والمسلمين لا عن ذات النبي الشريفة، ولم ينتبه الكثيرون إلى أن معظم موضوعات تلك الإساءات تستند إلى مرجعيات واضحة في الكتب التي وصلتنا من السلف، وكان الأولى أن تتم مراجعتها وتفنيد الإساءات التي لحقت بالنبي الكريم صاحب الخلق العظيم، ولكن سكت الجميع عما حفلت به الكثير من كتب الحديث والتفاسير مما نسب إلى النبي زورا وبهتانا، أو جهلا وسوء تقدير…!
والكتاب الذي بين يدينا للمفكر السوداني والمجدد الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون يتصدى لنماذج من هذه الاتهامات أو الإساءات علها تكون مقدمة جريئة لمراجعة شاملة لما وصلنا فيما يخص سيد الخلق وإمام الأنبياء، فلا مجاملة أو مهادنة مع مثل هذه الاتهامات أو سوء التفسير وركاكة التأويل حتى لو وردت في الصحاح أو نسبت إلى كبار الصحابة…!
أما صاحب هذا الكتاب فقد سبق له أن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والمراجعات الجريئة والتي شهدت الكثير من النقاش حولها، ومنها :كلَية الإنسان، الإيمان بمحمد، الإسلام والدولة، نبي من بلاد السودان، مراجعات في الفكر الإسلامي…وغيرها
وقد تربى المؤلف النيّل أبو قرون في بيت علم وتصوف في السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم، وتولى وزارة الشؤون القانونية في زمن النميري، وساهم في صياغة القوانين الإسلامية…، ولأجل أفكاره الجريئة وطروحاته المغايرة للسائد فقد تعرض وما يزال إلى الكثير من المحن والمضايقات ومنع كتبه في بلاد عديدة




الاتهام بنطق الشيطان على لسانه


أجمل الخلق على الإطلاق.. ولم يخلق الله البارئ سبحانه أجمل منه منذ بدأ الخليقة ولم يصور المصور مثله في كل ما أبدع من صور الجمال والحسن والبهاء “وليس في الإمكان أبدع مما كان” كما قال الغزالي رحمه الله حتى قال فيه من أحسن شعراً:
أجمل منك لم تر قط عـيني وأحسن منك لم تلد النساء
خُلقت مبرءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشـاء

وبلغ في حسن الخلق ما كان محل المدح ممن خلقه حبّاً في ذاته الشريفة وانزل فيه قرآناً يتلى ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ولحبه له كان وكيلاً له فيما يفعل﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ ومن عظمة حبه له قال له ﴿ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ..﴾ حتى يكون وكيله هو الفاعل عنه فيما يراد.. فيكون ما يريد فعله يفعله الوكيل سبحانه.. بل حتى ما يريده، هو الذي يريده الله الوكيل عزّ وجلّ ويفعله… وصلى عليه هو وملائكته ولم يصلِ على نبي من الأنبياء قبله تحديداً بل صلى على من يصلى عليه أضعافاً، وأمر الذين آمنوا كذلك بالصلاة عليه ومن يخالف أمر الله في الصلاة عليه فقد وضع نفسه في مكانة من أَمَرهُ الله بالسجود لعبده ولـم يفعل فطـرد إلى يـوم الوقت المعلوم.. وحذر من مخالفته ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ… ﴾
لأنه ليس له من الأمر شيء فالأمر أمر الله، وأقسم على سلب الإيمان ممن يجد حرجاً في قضائه إذا احتكم إليه ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ كما نفى الإيمان عمن يحتكم إلى غيره.. ويبدو من ذلك انه الغاية من الخلق والمقصد الأسنى الإلهي حيث أخذ العهد على جميع رسله من آدم إلى عيسى عليهم السلام أن يؤمنوا بمحمد صلى الله وبارك عليه وآله بجانب إيمانهم بالله وينصروه قال تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾ وفضله عليهم جميعاً . رغم عدم التفرقة فـي الرسـالة ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾ وجعله خير الأنبياء صلى الله وبارك عليه وآله “يا فاطم نبينا خير الأنبياء وهو أبوك وشهيدنا خير الشهداء وهو عم أبيك ومنا من له جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء وهو ابن عم أبيك ومنا سيدا شباب أهل الجنة سبطا هذه الأمة الحسن والحسين وهما ابناك والذي بعثني بالحق لأبوهما خير منهما ومنا المهدي” .. بل اتخذه نبياً قبل إكمال خلق آدم أبي البشر عليه السلام. ففي الحديث “جُعلت نبيا وآدم بين الروح والجسد” وقرن إسمه بإسمه في كلمة التوحيد وفي عبادته تعالى في أهمها وهي الصلوات والنداء لها.. وجعل طاعته طاعته وبيعته بيعته وفعله فعله ولا يقبل أحدا خلا جوفه من حُب محمد صلى الله وبارك عليه وآله لأنه لا إيمان لمن لا يحبّ النبي وآله. اللهم إنا عاجزون عن أن نصلي عليه كما تحب أنت أن يصلى عليه فصلي اللهم أنت عليه وعلى آله فإنه حبيبك الأوحد الذي تقبل شفاعته في من ينزل عليه غضبك..

وإذا المُذِل إلى جهنم ساقكم هل غير أحمد من يُجير ويُسعِد

اللهم بلغنا الغاية في حبّه حتى لا نرى ولا نسمع غيره.
أشار الحبيب إلى بعض ما حباه الله به رفقاً بنا لمعرفة قدره حتى لا نسقط في التقليل من قدره الشريف فلا تقُبل لنا توبة بعد ذلك. فيقول وهو مُعلم التواضع واكثر الخلق زهداً في الدنيا، حيث كان يرقع ثوبه ويخصف نعله وينام على حشو الليف، يقول مشيراً إلى سمو مكانته وعلو رفعته وفضله على المرسلين أجمعين “لو كان موسى بين ظهرانينا ما وسعه إلا أن يتبعني” وذلك حينما رأى عمر بن الخطاب يقرأ في صحيفة من كتاب اليهود. وقال صلى الله وبارك عليه وآله “آدم فمن دونه تحت لوائي” “أدبني ربي فأحسن تأديبي” “أنا مدينة العلم وعلي بابها” “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر” “أنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي” “والذي نفسي بيده لو أن أحدا صفن بين الركن والمقام وصلى وصام ومات على ذلك وهو مبغض لنا أهل البيت دخل النار” “لست كأحدكم فإني أبيت يطعمني ربي ويسقيني” .
قالوا عن قمة القمم.. رغم ذلك.. إنه ليس له فضل على بقية المرسلين ونسبوا إليه حديث “ولا يقولن أحدكم أني خير من يونس بن متى” وأعطوا العصمة لراويه وحاربوا من يطعن فيه لينتقصوا من علو قدره رغم قول الله تعالى ﴿… وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ ورغم إثبات تفضيل الله لبعض الرسل وأفضلهم الحبيب النبي محمد صلى الله وبارك عليه وآله ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ…﴾ ولا يعني الإصرار على صحة هذا الحديث إلا الإصرار على الانتقاص من فضله على يونس عليه السلام لا محبة فيه!!
وجعلوا للشيطان عليه سبيلاً بينما ينفون سلطة الشيطان عن أحد أصحابه إذا سلك فجاً.. قالوا إن الشيطان ألقى على لسانه وهو يصلي ” تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتها لترتجى” لينفوا العصمة عنه !! ليقولوا أنّه نطق بآيات شيطانية وذلك تفسيرهم لقوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ…﴾ رغم قول الله تبارك وتعالى ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ في السورة نفسها التي نسب إليه فيها حديث الشيطان على لسانه ولقد نسبوا إليه بهذا ما جعل غير المسلمين يتطاولون على أشرف وأعظم الخَلق ويستهزؤون استناداً على هذه الأحاديث ليقولوا أنّه نطق بآيات شيطانية!!!
وكذلك قالوا تحداه الشيطان وهو واقف بين يدي الله ليقطع عليه صلاته حتى اضطر لقتاله وخنقه “فخنقته فإني لأجدُ بَرْدَ لسانِهِ على ظهرِ كَفَّيَّ، ولولا دعوةُ أخي سليمانَ لأريتكمُوهُ مربوطًا بالساريةِ تنظرونَ إليهِ” !! بينما نسبوا إليه قوله في عمر بن الخطاب “ما سلك فجا إلا سلك الشيطان فجّاً غير فجّه” . ولا يستقيم وجود هذين الحديثين مع صحة العقيدة لأنّ ذلك يعني أنّ المعلم صلى الله وبارك عليه وآله الذي قال “بُعِثت معلماً” أقل درجة ممن أخذ عنه العِلم وأنّ علاقة صاحبه عمر مع الله أقوى من علاقته هو مع الله الذي اختاره رسولاً يهدي به عمر بن الخطاب من ضلالة الشرك ودفن ابنته حيّة إلى الايمان بالله ورسوله!! فكيف يهرب الشيطان من عمر ويعترض رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله؟ فإذا اعتقدنا صحة هذين الحديثين فمن يكون المؤيد من الله؟ الذي يهرب الشيطان من طريقه أم الذي يعترضه في صلاته ويقاتله؟ وقالوا إن مع النبي شيطان كافر حين أرسله الله ولكن الله أعانه عليه فأسلم فلا يأمره إلا بخير!! يعني انه يتلقى الأمر بالخير من شيطان أسلم!! لا ادري هل بجانب الأوامر الإلهية توجد أوامر خير من الشيطان المسلم؟ وكيف التفريق بين هذه الأوامر؟ وما هي حدود الخير الذي يأمر به هذا القرين وهل تصل إلى التشريع؟ فإنّ التشريع خير والقرآن خير!! جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله قال لعائشة”… أقد جاءك شيطانك؟ قلت يا رسول الله أو معي شيطان؟ قال نعم. قلت ومع كل إنسان؟ قال نعم. قلت ومعك يا رسول الله؟ قال نعم ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم” وفي حديث آخر “ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرين من الجن قالوا وإياك يا رسول الله؟ قال وإياي إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير” وقالوا إن الشيطان يجري منه مجرى الدم ففي مسند أحمد بن حنبل “لا تلجوا على المغيبات فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك يا رسول الله قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم” .
فتكون صورة النبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله عندهم أنّ كلامه -إن لم يكن بعض آيات القرآن أيضا كما قالوا في آية الغرانيق- يمكن أن يكون من شيطان يلقي على لسانه ما يقول فالسنة -إن لم يكن القرآن- يمكن أن تكون كما يزعمون من أوامر شيطان اسلم لا يأمره إلا بخير!!! ولذلك يعتقدون في حديث الكتف والدواة وصحة ما ذهب إليه عمر بن الخطاب في ذلك الحديث “أن الرسول غلبه الوجع” و”إنه ليهجر”!!! ورفض أن يؤخذ عنه ما يقول – ولا يكون ذلك إلا في حالة اعتقاد عدم وجود العصمة في هدي النبي صلى الله وبارك عليه وآله- وقال عمر حسبنا كتاب الله! وقالوا أن عمر أصاب وانه كان ينصح لله ولرسوله!! فإنّ الآية عندهم هي فليحذر الذين يخالفون عن أمر عمر حتى ولو كان النبي المعصوم!!! لأن العصمة لا وجود لها عندهم بعد أن ثبت عندهم إلقاء الشيطان على لسانه ما يقول؛ وتغييب اليهود لعقله بالسحر، وهل الشيطان الذي ألقى إليه هو الشيطان الذي أسلم أم شيطان آخر لم يُسلم لأن كلام الغرانيق ليس خيراً بالتأكيد، وذلك يعني عندهم أن هناك شيطاناً آخر لم يسلم أيضا له سلطان عليه ولا يأمره بخير!!!
غفرانك اللهم أو أن ذلك الشيطان كما يقولون كان منافقاً أظهر الإسلام وهو يبطن الكفر ولا يأمره بخير!!! ولا حول ولا قوة إلا بالله!!


(7)

الاتهام بأنه كان يهجر


هل يوجد في علماء المسلمين من يعتقد أن في أُمَّة محمَّد صلى الله وبارك عليه وآله من يفضُل النَّبي في علم أو معرفة أو دين أو خلق؟ وهل هناك من يؤيده الله تعالى دون النَّبي ويفضل أفعاله على فعل النَّبي ويؤيد مواقفه دون النَّبي إذا اختلفا؟ وهل يعاقب الله النَّبي إذا رفض أن يأخذ برأي أحد أصحابه؟؟! وهل يوجد أنّ أحد أكابر الصحابة وردت عنه مخالفة النَّبي عمداً في حضرته وحال دون تنفيذ أوامره ورغم ذلك أطاعه الناس؟ وهل يصح لصحابي أن يتهم النَّبي في عقله ويصفه بالضعف في حضرته؟؟!
كل المسلمين يقولون إن النَّبي صلى الله وبارك عليه وآله لا يوجد من هو أعلم منه في أمته ولا من هو أكرم منه ولا أعز ولا أفضل عند الله تعالى، لا في أمته ولا في الرسل والأنبياء السابقين ولا مُشرِّع غيره في رسالته. وهذا هو الاعتقاد الصحيح الذي يجب أن يكون عليه كل مسلم. فهل هذا مثبت في كتب السنة التي وصلتنا؟
كيف بك أيُّها المسلم إذا قيل لك إن النَّبي أمر من كانوا معه من الحاضرين بفعل شيء ما فاعترض أحدهم أمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وقال للحضور لا تفعلوا ولا تستجيبوا لأمر الرسول فهو رجل مريض غلبه الوجع وإنه ليهجر، ولا حاجة لنا بما يريد أن يفعل وعندنا كتاب الله!! ألا يعني هذا مخالفةً ومعارضةً لله تعالى لنص القرآن في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ؟ ترى هل هذا موجود في كتب السنة؟ وإن وُجد فهل هو مدسوس فيها؟ وهل يوجد مسلم يقول إن هذا القول موجود في كتب السنة وإنه صحيح ولا غبار عليه وغير مدسوس فيها وإنه يمكن عصيان النَّبي واتهامه في حضرته في قواه العقلية بأنه يتكلم من غلبة الوجع لذلك يجب أن لا يؤخذ بكلامه؟؟!!!
أيصح هذا القـول مـن صحـابي محترم يُحب النَّبي مطيع لله في قوله ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ.. ﴾ أيكون هذا القول من رجل يؤمن بأن النَّبي صلى الله وبارك عليه وآله معصوم كما قال تعالى ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ؟ أيقول مثل هذا من يعتقد عصمة النَّبي؟ وهل المرض يؤثر في عقل النَّبي حتى يُرفَض أن يُؤخذ منه؟ وذلك يعني أنه يتهمه في عقله!! وكيف يعلم من قال هذا القول الشنيع أن المرض اثَّر على عقل رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله؟؟ هل أطلعه الله على دواخل النَّبي وعقله فعلم أن النَّبي يهذي من المرض ولا يتكلم عن وعي وسوف يُخَرِّب الرسالة التي جاء بها من عند الله وانه سوف يغير كلام الله ورسالته لأنه يتكلم من غلبة الوجع فهو يهذي؟؟!! قالوا إن الذي منع الحاضرين من الاستجابة لأمر النَّبي ووصفه بالهذيان وغياب العقل هو عمر بن الخطاب!!! فقد جاء في البخاري عن عبيد الله أبن عبد الله عن ابن عباس قال:”لما اشتد بالنَّبي صلى الله عليه وسلم وجعه قال “ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده” قال عمر إن النَّبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال “قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع” فخرج بن عباس يقول “إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين كتابه” وفي رواية صحيح مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “ائتوني بالكتف والدواة (أو اللوح والدواة) اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبداً فقالوا “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يهجر” وإذا كان عمر قد رفض أمر النبي بإحضار الكتف والدواة ومنع الحاضرين من أن يستجيبوا لأمره بحجة أنه مريض غلبه المرض ويهذي فلماذا لم يرفض أمر النبي حينما قال لهم “قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع” لنفس السبب الذي رفض به الأمر السابق ويرفض الخروج من عنده؟؟!!.
القول “إنّ النبي صلى الله وبارك عليه وآله غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله” يشكك فيما يأمر به النبي صلى الله وبارك عليه وآله حتى لا يؤخذ عنه ما يريد أن يوصي به لهداية الأمة! بل هو اعتراضٌ على ما يريد أن يفعله النبي صلى الله وبارك عليه وآله في أمرٍ هو خاصٌ برسالته، ألا وهو هداية الأُمة من الضلال، وهو أمرٌ لا يكون لغيره الحُكم فيه لقول الله تعالى ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ . فما زال نبياً ورسولاً رغم مرضه حتى يلقى الله، وواجِبٌ على كلِّ مسلم طاعته واتِّباع أمره لأنّ طاعته هي طاعة الله سبحانه. فكيف يُعصَى مِن قِبَل المُسلمين ويرفضون قوله، وهو – كما قال تعالى – ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ والله سبحانه يقول ﴿…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا…﴾ ؟ وكيف يرون أن الأصوب أن لا يأخذوا عنه؟ هل هو الشك فيما سيقول لهم أم أنه أصبح متهماً في صحة عقله! أو ربما يخرب عليهم ما جاء في كتاب الله أو يأت بشيء يخالفه؟! وهل يصح صدور ذلك من عمر(رض)؟ وإذا قال عمر “حسبنا كتاب الله”، فكتاب الله يُلزمهم بالأخذ عن النبي، لا رفض ما يقول لهم ويأتيهم به ﴿…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ…﴾ !! فصورة النبي صلى الله وبارك عليه وآله عندهم هو ذلك المريض الذي لا ثقة لهم فيما يقول لما اعتراه من المرض، فلا يؤخذُ عنه كرسول كأنّ المرض قد أنهى رسالته ورفع عِصمته عنه وجرّده عن نبوّته ورسالته، وأصبح شخصاً عادياً مريضاً لا يُقبَل منه رأي!! وأصبح قول غيره عندهم أفضل من قول النبي وأمره!!
فإذا اعتقدنا بصحة هذا الحديث وأنّه غير مدسوس واعتقدنا صحة نسبته لعمر فماذا أبقينا لعمر من الإسلام؟ لأنه لا يستقيم إسلام أحد مع معارضته للنبي ورفض أوامره واتهامه في عقله!!! فالنَّبي صلى الله وبارك عليه وآله أمر بإحضار الكتف والدواة، وعمر أمر بمخالفته وعدم إحضار الكتف والدواة!!!! فإذا قيل إنّ عمر محق فيما قال إذاً من المؤيد من الله الذي يجب اتباعه وعدم عصيان أمره؟؟


شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *