الرئيسية / إضاءات / جميلة عمايرة : المجتمع الشرقي‮ ‬يجيد ‮ ‬تكميم الرغبات‮.. ‬وتحريم الأحلام‮

جميلة عمايرة : المجتمع الشرقي‮ ‬يجيد ‮ ‬تكميم الرغبات‮.. ‬وتحريم الأحلام‮


حوار : اسامة حبشي – القاهرة



القاصة الأردنية جميلة عمايرة‮ ‬،‮ ‬تعد من أهم كاتبات القصة القصيرة،‮ ‬تتميز كتاباتها بالتمرد‮ ‬والجرأة‮ ‬والدقة‮ ‬،عبر رصد تفاصيل التفاصيل في انفعالات المرأة،‮ ‬وقد صدرت لها صرخة البياض عن دار أزمنة للنشر والتوزيع بعمان عام‮ ‬1993،‮ ‬وسيدة الخريف عام‮ ‬1999‮ ‬ثم أشهر مجموعاتها القصصية الدرجات عام‮ ‬2004‮ ‬وأخيرا عام‮ ‬2012‮ ‬مجموعة امرأة اللوحة،‮ ‬وأيضا كتبت جميلة عمايرة النوفيلا فنشرت لها دار الشروق‮ ‬بعمان رواية بالأبيض والأسود‮ ‬2007،‮ ‬وكان لنا معها هذا الحوار‮:‬



زمن الرواية



‬ثمة هل توافقين علي مقولة‮ »‬نحن في زمن الرواية خاصة‮ ‬وأنت تفضلين كتابة القصة القصيرة؟ وألم تغرك كتابة الرواية القصيرة للدخول معترك الرواية؟



‮‬اوافق أن هذا هو‮ ‬زمن الرواية،‮ ‬وان مدونة العرب الجديدة‮ ‬لم تعد الشعر،‮ ‬بل انتقلت‮ ‬او تحولت‮ ‬الي الرواية‮. ‬لعدة اسباب،‮ ‬لعل ابرزها كم الانتاج الكبير والهائل من الروايات التي انتجها العرب خاصة في العشر سنوات الاخيرة‮ ‬بشكل لافت للقارئ المتابع والناقد والباحث الراصد‮. ‬
بالنسبة لي‮ ‬احب القصة القصيرة‮ ‬وأزعم انني‮ ‬اتجلي في كتابتها بحب كبير‮ ‬،‮ ‬لكنني‮ ‬في الوقت نفسه ابتعد عن التأطير او القالب‮ ‬او الصورة الثابتة،‮ ‬بمعني وضع نفسي ككاتبة وذات‮ ‬داخل اطار ضيق ومحدد ومرئي للحميع،‮ ‬وخاصة ان هناك تداخلا بالاجناس الادبية‮ ‬كقصيدة النثر،‮ ‬الشعر والتشكيل‮ ‬والموسيقي وغيرها،‮ ‬ولانني‮ ‬اعلم جيدا ان‮ ‬هذا الاطار لا بد أن‮ ‬يضيق علي ولا‮ ‬يتسع لي،‮ ‬ذلك ان روحي‮ ‬تسعي للطيران خارج الاطر المتعارف عليها والمسلمات بالجمعيةا‮ ‬المتفق من الجميع‮ ‬نقادا وقراء‮ ‬وباحثين برسوخها‮. ‬
‮ ‬لدي هاجس‮ ‬يتمثل‮ ‬في السعي‮ ‬بأن اغرد خارج الاطار والتأطير،‮ ‬اي التميز والاختلاف عن الاخرين كتابا وكاتبات،‮ ‬ولا‮ ‬يهمني كثيرا ما‮ ‬يضعه النقاد او‮ ‬غيرهم من اطر ومرحعيات‮ ‬ومقولات محددة وضاغطة علي جنس العمل برمته‮. ‬من هنا جاءت‮ ‬كتابتي‮ ‬للرواية‮ ‬أو‮ »‬لنوفيلا‮« ‬القصيرة،‮ ‬والتي بالوقت نفسه‮ ‬فرضتها‮ ‬شروط‮ ‬كتابة الرواية‮ ‬الفنية‮ ‬وليس استجابة‮ ‬لما‮ ‬يسعي اليه البعض من كتاب وكاتبات القصة‮ ‬لكتابة رواية‮ ‬او اللحاق‮ ‬بما‮ ‬يسمي موضة الرواية‮«‬،‮ ‬اذ ليس‮ ‬بالنسبة لي‮ ‬بكتابة الرواية اي امتياز،‮ ‬كذلك‮ ‬وبالمقابل‮ ‬ان‮ ‬يكتب‮ ‬روائي‮ ‬قصة جيدة فهذا شيء جميل،‮ ‬ولا‮ ‬تعنيني‮ ‬التسميات او المحددات‮ ‬بالقصة او الرواية‮ ‬بقدر ما تعنيني‮ ‬الاستجابة لشرط الكتابة‮ ‬التي‮ ‬يفرضها العمل الادبي من داخله واجادتها‮ ‬سواء اكان العمل قصصيا أو روائيا‮ ‬لهذا‮ ‬اجدني سعيدة بكوني قاصة،‮ ‬ولا افكر بالذهاب للرواية الا استجابة‮ ‬للظروف التي‮ ‬يفرضها العمل بنفسه‮ ‬طوعا او فرضا لما تمليه اشتراطات الحالة الابداعية‮ ‬في كثير من المواقف الكتابية التي تحدث اثناء الكتابة‮ .‬تماما كما‮ ‬حدث معي‮ ‬في نوفيلا ببالابيض والأسودا اي ما تمليه او تفرضه كتابة العمل‮ ‬الروائي‮. ‬



تعرية للمرأة والرجل‮ ‬



‮ ‬تملكين بمجموعاتك القصصية مشرط الجراح في رصد المرأة‮ ‬انفعاليا وجسديا وأيضا في ضديتها وعلاقتها بالرجل فكيف ترين المرأة من المنظور الإبداعي؟‮.



‮- ‬عندما تكتب المرأة الكاتبة تماما كما‮ ‬يكتب الرجل الكاتب،‮ ‬متفاعلة مع المناخ العام والواحد الذي‮ ‬يجمعهما،‮ ‬فإنها وأثناء الكتابة تكتشف ان لذاتها كأنثي وضعا اعتباريا مغايرا لزميلها الكاتب داخل سلم القيم والأفكار والقيود والمحددات المفروضة،‮ ‬والتراتبية في مجتمع اسمه بالشرقا المحافظ الذي‮ ‬يجيد ليس تكميم الأفواه فقط بل تكميم الرغبات،‮ ‬وتحريم الأحلام،‮ ‬وتجريم الأشواق والأمنيات وإخراس العذابات إذا ما ارتفع صوتها‮. ‬الأمر الذي‮ ‬يدع المرأة داخل بالصندوق الأسودا المغلق دائما،‮ ‬أو بالتواطؤ والسكوت عما‮ ‬يتضمنه أو‮ ‬يحتويه‮. ‬
لهذا فإن المرأة الكاتبة تحاول أثناء الكتابة ان تذهب إلي ابعد الحدود وأعمق الأغوار لتعبر عن ذاتها وتعلن كينونتها الحقيقية والفاعلة‮. ‬فالكتابة وضمن هذا التوجه‮ »‬الواقع‮« ‬فعل كشف وتعرية‮. ‬الكتابة كشف للذات وبحث عنها في الوقت نفسه‮. ‬لهذاومن الطبيعي ان‮ ‬يكون هناك رصد وتعرية للمرأة والرجل وما‮ ‬يعيشانه معا‮.‬
بدونها أفقد توازني‮ ‬



‮ ‬ما الومضة التي تنطلقين منها للامساك بشخوص‮ ‬مجموعاتك؟



‮-‬لا أعرف علي وجه التحديد ما الذي‮ ‬يستفزني للامساك بحالة الكتابة وشخوصها،‮ ‬لكني أحس بثورة في داخلي علي كل ما هو نمطي ومكرس،‮ ‬وفي نفس الوقت التناقض الكبير الذي نعيشه علي المستوي العام،‮ ‬يثيرني الزيف والنفاق وعدم الصدق والتحولات الصغيرة التي تمس العائلة دون أن نشعر بها،‮ ‬والمقولات الاجتماعية الكبري مثل محاولة منع الاختلاف وإسكات الصوت الآخر ونفي الغير‮.‬
هناك مجموعة من القيم في المجتمع لا تتقبل التغيرات،‮ ‬فنحن جتمع لا‮ ‬يتغير بسرعة من الداخل لأننا محكومون ومأسورون لقيم‮ ‬وعادات توارثناها‮. ‬ورغمتالتقدم الكبير الذي نشهده فإننا في دواخلنا نحاول ممارسة دور الحكماء والرقباء علي الآخرين الذي‮ ‬يحاولون الاختلاف معنا،‮ ‬ولا نتقبله تحت اي مسمي سوي انه‮ »‬عدوي«لمجرد عدم التشابه،‮ ‬اي الاختلاف‮ ‬وليس الخلاف،‮ ‬من‮ ‬هنا‮ ‬تجيء حالة الكتابة،‮ ‬فالكتابة بالنسبة لي توازن،‮ ‬وبدونها أفقد توازني‮. ‬
هوس‮ ‬التناقضات
‮‬دائما ما نلاحظ أن شخصيات جميلة عمايرة تقع فريسة‮ ‬للتناقض الهائل المحيط بها والذي‮ ‬يكمن بداخلها فهل نحن في مجتمعات تغوص في هوس‮ ‬التناقضات؟
‮- ‬نحن مجتمعات تعيش وتتعايش في هوس التناقصات التي تقود للازدواجية في الرأي والقيم‮ ‬والافكار التي تتغير بتغير سرعة الرياح في كثير مما نعايشه في هذا العصر المتبدل‮. ‬لا‮ ‬ينطبق هذا علي النخبة فقط اية نخبة في اي مجتمع بعمومه بل‮ ‬يمتد للافراد بغض النظر عن موقعهم التراتبي في المجتمع‮ . ‬



شخصيات متورطة



‮ ‬هذا‮ ‬يعود في جوهره للواقع القابل للتحول في كثير من‮ ‬المواقف والقيم للتحول الي ما‮ ‬يشبه المتخيل او بالفنتازياا بأبهي صورها،‮ ‬الامر الذي‮ ‬يقود الفرد،‮ ‬او الكائن الحي،‮ ‬هذا‮ ‬الفرد‮ ‬غير مهيأ في احسن حالاته للتلقي والتعامل مع مثل هذا المتحول،‮ ‬اي انه‮ ‬غير محصن من داخله،‮ ‬الامر الذي‮ ‬يقودنا جميعا للتأثر دون محاولة التلقي بهدوء وبمعرفة ودراسة ما‮ ‬يحدث بتأن‮. ‬
‮- ‬بالنسبة للكتابة وازاء توصيف كهذا او الحالات التي نمر بها جميعا‮ ‬،‮ ‬ماذا تتوقع ان تكون شخوص او شخصيات القصص التي اكتبها؟‮ ‬الشخصيات هي وليدة هكذا محتمعات،‮ ‬وهي علي صورته‮. ‬لنتفق انه هذه الشخصيات قابلة للتأويل لدي القاريء،‮ ‬وهذه كما اعتقد مميزة لصالح هذه الشخصية،‮ ‬وبالتالي للكاتبة‮ ‬وللكتابة،‮ ‬هي شخصيات متورطة لانها فاعلة في المحيط وفي القلب من الفعل الحادث حولها وبقربها بل وما تعانية بجوهرها‮ . ‬



الزهد الإبداعي



‮ ‬من الواضح بأعمالك مايمكن وصفه بالزهد الأبداعي أي أننا‮ ‬نادرا مانجد جملة أو كلمة أو وصفا خارجا عن السياق أو زائدا‮ ‬يمكن حذفه‮ ‬،‮ ‬فهل ذلك نتيجة قواعد القصة القصيرة أم أن ذلك محض اختيار لاسلوب تصرين عليه ؟



‮- ‬سؤالك‮ ‬دقيق‮. ‬ولهذا سوف احيلك لما كتبه‮ ‬القاص والروائي‮ ‬الاردني بالياس فركوح ‮ ‬في معرض تقديمه لمجموعتي بسيدة الخريف بخصوص اللغة‮ : ‬ان لغة جميلة عمايرة تكاد تحاذي القطع في تحديدها واشعار المتلقي‮/ ‬القاريء بأن الخاتمة جاءت اثر نفاد الصبر،‮ ‬من هنا تجيء المباغتة في كتابة جميلة عمايرة حيث ان لغتها رغم قطعيتها وإهمالها شبه الكلي للتجمل الا ان حصيلة بنيتها تمنح القاريء مساحات اضافية ليملأها بتأويلاته،‮ ‬ليس هناك من‮ ‬يقين،‮ ‬اي‮ ‬يقين‮ ‬،‮ ‬تتحول رحلة القص باتجاهه لتكون اشبه بالرحلة الي بايثاكاا فبالوصول الي‮ »‬ايثاكا‮« ‬اليقين لا‮ ‬يعود هو الغاية،‮ ‬انما الرحلة ذاتها بما‮ ‬يكتنفها من سبل وطرائق وتقليب اوجه واكتشاف للذات اولا واخيرا‮. ‬



سؤال موجع وساخن



‮ ‬استقلت من رابطة الكتاب احتجاجا وتضامنا مع الوضع‮ ‬السوري‮.. ‬كيف قررت ذلك وهل كان هناك ردة فعل مضادة لك وكيف ترين الوضع بسوريا؟



‮- ‬سؤالك موجع وساخن‮ ‬،‮ ‬ومع انني احب ان أنأي بنفسي عن الفعل‮ »‬لسياسي‮« ‬إلا انني اجدني متورطة به إلي حد العمل المباشر بطريقتي الخاصة بي‮ .‬
‮ ‬جاءت استقالتي اثر موقف رئيس رابطة الكتاب الاردنيين الداعم لسلطة الطاغية الذي بدأ منذ اليوم الاول للثورة السلمية الشعبية والتي انطلقت من درعا‮ ‬،‮ ‬درعا المجاورة لنا هنا في مدينة الرمثا الاردنية‮ ‬،‮ ‬بدأ بالعلاج الامني القمعي للمواطنين الثائرين لكرامتهم الممتهنة منذ زمن طويل‮ . ‬وهذا ليس مهما بالنسبة لي كثيرا كونه‮ ‬يعبر عن رأيه بوضوح‮ ‬،‮ ‬فالاختلاف بالرأي لا‮ ‬يفسد للود قضية‮ . ‬وهذا متفق عليه بيننا نحن الكتاب ابناء الرابطة وبناتها‮ ‬،‮ ‬لكن الذي حدث ان موقفه هذا انسحب علينا نحن اعضاء الرابطة وبدا وكأنه‮ ‬يتحدث باسمنا‮ ‬،‮ ‬من هنا وجدت ان علي ان احدد موقفي وأعلنه علي الملأ‮ ‬الامر الذي حدث بحذافيره تماما بل واعلن هنا عن تشكيل جبهة تقافية من زملاء وزميلات تساند وتدعم وتعمل علي تعزيز موقف الداخل السوري،‮ ‬واللاجئين بين ظهرانينا،‮ ‬والثورة السورية المطالبة بالكرامة والحرية ورحيل نظام طاغية قمعي وراثي شمولي‮ ‬يحرم علي الشعب السوري ابسط حقوقه تحت مسميات زائفة مثل المقاومة والممانعة فيما الجولان‮ ‬الجريح‮ ‬ينتظر ولو رصاصة‮ ‬واحدة منذ اربعين عاما لتعيد له ولابنائه حريتهم المقيدة،‮ ‬مما احدث‮ ‬انشقاقا في موقف الزملاء الكتاب،‮ ‬هناك زملاء مع هذا النظام للاسف وهناك زملاء والحمدلله ان عددهم وثقلهم اكبر‮ ‬ينحازون بالضرورة للثورة وللانسان الفرد السوري وحريته وكرامته‮. ‬لكن هذا الوضع احدث شقا في صف الكتاب هنا لكن كان لابد من اتخاذ موقف واضح واعلانه علي الملأ فالكاتب في جوهره وكتاباته لابد وان‮ ‬ينحاز للحق والحرية والكرامة والا فليصمت ولتذهب اراؤه وكتاباته للجحيم


( أخبار الأدب )

شاهد أيضاً

خلدون الداوود: مثابر بلا كلل.. يعتصم بالفن في مواجهة الخراب

 خاص- ثقافات   يحيى القيسي*   في منتصف التسعينات من القرن الماضي قادني الصديق الشاعر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *