الرئيسية / قراءات / (فرصة ثانية) لأمجد ناصر: أن نكتُب هو أن نرتطم بأنفسنا في زمان فائت

(فرصة ثانية) لأمجد ناصر: أن نكتُب هو أن نرتطم بأنفسنا في زمان فائت



زياد عبد القادر *

 
1- لم تكن نقطة بل مثلثا غير متساوي الأضلاع:

إنه خاتمٌ.

« خاتمٌ مختلفٌ اشتريتـَهُ من بائعةٍ جوّالةٍ قالت لكَ إنه استفتاحٌ كريمٌ: خذهُ ولن تندم».

هكذا يبدأ سِفرُ أمجد ناصر « فرصة ثانية». عنوان غادرٌ ومخاتل كثعلب الصحراءِ. إنها فرصتي الأخرى لاكتشاف كيف تصبح الكلماتُ حوانيتَ تـُملأ سُكّرا، شايًا وخبزا، ملحا خشِنا، زيتا نباتيّا، ألواحَ صابون وتبغا طريّا. إنها فرصة الشعر الحقيقيّ إذ يورّط قارئا، يدّعي أنه ماهرٌ، في المزيد من الدّيون.

القراءة دينٌ مُسجّل في دفتر المعنى. لكنّ شاعرًا يتقن إخفاء معانيهِ يعرف كيف يورّط قارئه في المزيد منها. ثمّة طريقة لتسديد ما تأخّر من الحسابِ: أن تحبّ ديونكَ. أن تمسّح دفتر الحساباتِ في حُنوّ بالغ. هذا الحُبّ سيتيحُ لك أن تعمّر ما ظلّ فارغا من الخاناتِ بذكرى مكان بائدٍ أو بنظرةٍ سقطت من عين صاحبها واختلطت بالتراب.

ثمّة أمكنة في الكتاب تحاول إسماع ما في صوتها من لاحاضر. ثمّة الكثير من التراب يحتاجُ مَن يُصفـّيهِ مِن النظراتِ ويعيدهُ إلى عابرين مجهولين لم يولدوا بعدُ، عابرين يملأون الفارغ من الخاناتِ بأسمائهم وتواريخ غيابهم. في المقابل عليكَ أن تفكّ اللغز، فالعابرون الذين لم يوجَدوا بعدُ يتركون خلفهم ديونا أنتَ مجبرٌ على تسديدها.

« لم تتأكد ممّا عنته الشاعرة المتحدّرة من بطن عربي قديم عندما كتبت إليك تلك الكلمات، أثناء زيارتها للبلاد التي غادرْتها، خلسة، وعدتَ إليها بجناح تساقط منه ريش كثيرٌ…أنتَ، فعلا، لا تدري. فالشاعرة المتحدرة من بطن عربي قديم لم توجد تقريبا. وتلك الرسالة لم تصلك إلاّ في حلم أو ما يشبهه، وليس صعبا على ثلاثة، أو أربعة، يعرفونك أن يردّوا حيرة كلماتها إليك».

عليك حقـّا أن تفكّ اللغز. ربّما سيعينك رولان بارت على هذا: فالآخر غائبٌ كمرجع، لكنه حاضرٌ كمخاطَب. من هذا التفاوت ينشأ نوع من الحاضر غير المحتمل ، إنه الزمنُ الشاق، قطعة صافية من القلق.

هكذا يُفهم العالمُ بوصفه جُزءا من فينومينولوجيا المتخيَل لا جُزءا من الذاكرة. فالغائبُ مِن حيث يستدعي التذكر، فإنه يوقعنا في فخ الذاكرة المستندةِ إلى الصور الباقيةِ ممّا كان قد فاتَ. لكنّ ما فات يظلّ عالقا في منطقةٍ لا يبلغها التذكر، وهو ما يجعله زمنا فائتا لم يحدُث بعدُ.

شأنَ الثقبِ الأسود فإن التذكر هو المايحدثُ على الحدود الخارجيةِ للذكرى، أمّا فيما يخصّ الذكرى نفسها فلا أحد يمكنه الوصول إليها أو ادّعاء معرفتها. بالإمكان القول إنها طاقة خارج كلّ نحو: لا تقبل الخضوع لأيّ عملية تحوّل بنيوية ولا تتساوى بأيّ شيء من بدائلها.

ما من نظام لغويّ قادر على تحويل البقايا. فقد سبق للنظراتِ والعواطف الخائبةِ أن تحوّلت في الطبقات السفلى للذاكرة إلى شظايا نقاط وأنصاف دوائر وأضلاع مثلثاتٍ متباعدةٍ.

النقاطُ والدوائرُ وأضلاعُ المثلثاتِ ليست سوى مقاربات هندسيّة لخيباتٍ عاطفية لم نتقن التعبير عنها فحاولنا رسمها أو روائحَ لم نكن قادرين على وصفها فاكتفينا بتجريدها.

أتوقف عند الصفحة 102 أكثر من عشرين مرّة لأقرأ ما يؤكّد لي هذا المعنى:

« تتذكّر وشما على نُحاس مؤكسدٍ، أو ربّما على كاهل مغبرّ، كان يشبه فراشة زرقاءَ. رأيت يومًا فراشة زرقاءَ ترفرف على منحدر خطر، قريبا من شِقّ أو هاويةٍ حيث تثوي رائحة عضوية مبيّتة، رقص الوشمُ على نحاسه المؤكسدِ، فتحرّكت في ذاكرتك النقطة التي تودع فيها الرائحة سرّها. لم تكن نقطة بل مثلثا غير متساوي الأضلاع، بل صدعا بنفسجيّا قاتما، بل خاتما في صندوق….

تصاعدت الرائحة تأججت، ولكنها لم تبُح بمكنونها. ظلّت مثل الطلسم والحلم وغموض الحيوان».

إذن، لا تتزعزع، فثمّة ما سيفاجئكَ.

الدرسُ الأوّلُ: ثِق بالذكرى لا بالتذكر!

الدرسُ الثاني: انسَ الدرس الأوّل!

2- عن النقطةِ التي ترفض أن تجفّ:

إنه خاتم!

بسلاسلَ من سردٍ مصهُور يجرّكَ أمجد ناصر صوب الشِّعر. لكنّه شِعر يكاد لا يُرى في توهّج الحرارةِ البركانيّة للسّرد.

ماذا سأسمّي هذا السّردَ؟ سأسمّيهِ سردًا عضويّا، حيث بوسعك أن تقلِب لفظة كما تقلب صخرة أو ترمي بها باليُسر الذي ترمي بهِ فتاتَ خبز إلى قاع بحيرةٍ أين يهجع البطّ. بوسعكَ أن تبصر حرفا يعكسُ ضوء الشمس كلوح زجاج في مقهى أو تسمع مفردة تهدرُ في خلاء الصفحاتِ كمحرّكِ شاحنةٍ بقوّةِ ألفِ حصان.

عالمٌ بأسره يجرّه أمجد بسلاسلَ من مرويّاتٍ وحكاياتٍ. المرويّاتُ هنا تلعبُ دورَ مولّداتٍ كهرُوشعريّةٍ. يتعلّق الأمرُ إذن بتوليد الماضي في الزمن، بالتالي فالأمر يتعلّق بالطاقةِ، بتحويل الآثار الذاكرية إلى ذاكرةٍ لم تعُد تستندُ إلى آثار. الأمرُ أشبه بتحويل الماء أو الهواء إلى طاقة كهربائية.

ربّما كان هذا الرّهانَ الأهمّ في الكتابِ: استعادة الماضي كأنه لم يقع وزيارة المستقبل كأنه زمنٌ فائتٌ. الماضي لم يقع بعدُ، لذلك لا فائدة من التذكر. الرّاوي ذاته ليس أكثر من صَدى فراغاتٍ ومتاهاتٍ، لذلك يحضرُ في صيغة المُخاطـَب ليُغريكَ بالمشي على خطاه متوّهما أنك المعنيّ بالأمكنة والأزمنة، حتى إذا علِقتَ اصطدمتَ بضميرك الغائبِ:

« لكنك لن تطوف في طول البلاد وعرضها بحثا عن اسم ضائع أو معنى مطمور، فإن كان لابدّ من خطّ يقودُ خُطاك ويستحثّ بصرك، هناك واحدٌ ستسلكه بتعرّج. خطّ – طريق له أسماء بعدد أغراضه، وأحيانا باسم عابرين لم يُولدوا بعد ُ».

ثمّة أكثر من غائبٍ في الكتابِ. في ذلك الغياب أكثر من نقطةٍ كانت فيما مضى بئرا أو مقعدا أو قاطعَ طريق أو قلعة أو مسرحا. هكذا ينظم الرّاوي نقاطه ليصنع طريقا تبخّر في الفضاء تاركا في الهواءِ بُخار طريق. الأمرُ أشبهُ ببُخار عدَس يُطبخ أو قميص يُكوى.

ما أكثر الطرُق التي تبخّرت. ما أكثر الماضي الذي تساقط كالكِلس:

« رُحتَ تسترجع، عن ظهر قلبٍ، علامات تبدّدت ولم تخلّف عبرة أو أمثولة. اختفت الطريق الدّولية التي جعلت المكان مفرقا للطرق ومحطة إجبارية لعابري البلاد من الشمال والشرق، اختفت الشاحناتُ والحافلاتُ التي كان يترجّل منها ركاب متعبون في الاستراحات الرثة…واختفت مع أولئك: اللهجاتُ العراقية، السورية، اللبنانية…».

ثـَمّة الكثيرُ من الكِلس في هذا الكتاب، لعلّه ما يبرّر هذا الدفق السرديّ وهذا الجُهد التوثيقيَ الذي يندرُ أن يُصادف قارئٌ مِثلهُ في أيّ من كتب الشِّعر.

دفقة سردية هائلة لا يُضاهيها أيٌّ من كتب أمجد السابقة، ما في ذلك شكّ.

للسّرد في هذا المقام وظيفة مدّ الخطوط بين رُقاقتين كلسيّتين تائهيتن في فضاء الماضي اللانهائيّ أو رصد تقاطع نقطتين طريّتين كانتا فيما مضى ضلعيْن منكسريْن.

لهذا، ربّما، تحضر المرويّاتُ كمُعادل سرديّ لما تساقط من كِلس وما تكسّر من ضلوع.

إذن لابدّ من كِلس ومن ضلوع متكسّرة ليرتطم الراوي بنفسهِ في زمان فائتٍ، بمقعدٍ أو نقطةِ حبر طريّة ليست أكثر من وجهٍ عراقيّ يرفض أن يجفّ. ما أكثر الوجوهَ التي ترفض أن تجفّ. إنه الألم يعودُ من إجازته الكبرى مستعيدا عافية قد تساعده على التذكر، تذكّر اسم التي لها غمّازتان وذيل فرس، تذكّر وجه الولد البدويّ الذي سكب تنكة كاز على ثيابه وأشعل النار بنفسه لأنهم لم يزوّجوه حبيبة قلبهِ، تذكّر أسفل الدّرج… لكن النقطة ترفض أن تجفّ، لذلك يبقى الالتباسُ بين الحلم والعلم قائما. التباسٌ لن يُفلح الشاعرُ، قط، في حلّه.

ترفض النقطة أن تجفّ.

في النهاية – لِحُسن حظّ القارئ – هذا ما سيُفسد على الألم هناءَ إجازته.

الدرسُ الثالثُ: المرويّاتُ حُطام ضلوع متكسّرةٍ. للحطامُ أصواتٌ وذبذباتٌ أثيريّة.

الدّرسُ الرابعُ: النثرُ راديو.

الدرس الخامسُ: الشّعرُ مؤشّرٌ لغويّ لضبطِ التردد. مؤشرٌ لتنقية صوت التحطّم وتصفية الأثير من شوائبهِ.

الصوتُ الذي ستسمعه في منتصف الدائرة هو نفسه الذي ستسمعه على الجانبين. المسألة ليست خداع نظر ولا خطأ في تقدير الأبعاد، السّرّ في القدرةِ على ضبط المؤشّر وترجمة الحطام إلى ما يساويه من ثقل التذكر أو خفة الذكرى.

الذبذباتُ وجوهٌ ترفض أن تجفّ وضلوع مكسورة ترفض أن تـُشفى.

3- لابدّ من سردٍ لينجوَ الشِّعرُ:

إنه خاتم.!

طوبولوجيّا، يُفرد أمجد للمقاطع صريحة الشعرية حيّزها الخاص في الكتاب: يُفرَد المقطع بصفحة مستقلّةٍ وغالباً ما يكون مقتضَبا ومقطّرا.

هذا إضافة إلى اعتماد بعض العناصر الشكلية في كتابة المقاطع، كاختيار مقاس حروفٍ أكبرَ ولون أدكنَ «taille de police + gras. وهو ما أعطى المقاطع فرادة شكلية ومعنوية:

«مائة فارس في ثيابِ الحداد يمضون تحت درب الحليب.

عيونهم تسيلُ فضّة وخيلهم تخبّ في الظلام.

إلى أين يغذون السير في ليل ملتفّ كغابةٍ مقفلة».

الملاحَظ أن المقاطع المميزة شكليّا، ليست أكثر من عتبات ناريّةٍ، حطبٍ يُوقدُ وبنزين يُسكبُ لصنع أرغفة الشعر. ما تبقى من متن الكتاب ليس أكثر من ارتدادٍ ساخن لشُعلة النيران.

السّردُ ارتداد الشعر.

الملاحَظ أيضا أن «فرصة ثانية» لن يترك لقارئه فرصة المراهنة على الشروط الأدبية في تمييز الشعر. ذلك أن الاجراءات السردية وبنية الحكي والرهان على استضافة الأمكنة والشخوص والأحداثِ موّهت شكلَ الشعر، صورتهُ وإجراءاته اللغوية والكتابية.

المتتبّع لمشروع أمجد ناصر سيلاحظ أن الشاعر معنيّ بـ«توسيع حدود التعبير». وهو نفسه قد عبّر عن هذا الهاجس في مقال له بعنوان « في البدء كان الشعر». المقصود بتوسيع حدود الشعر هو الاستفادة من الأنواع الكتابيّة الأخرى، ولا سيّما الرواية، التي جرّب الشاعر كتابتها.

لا شكّ أن الرهان على مصادر الرواية في كتابة الشعر من شأنه أن يعقـّد مهمة القارئ المراهن على الشكل. فالشكلُ في هذا المقام فخ جاهز لاصطياد الخيال. بالمعنى الفلسفيّ لم يعُد الشكل مفهوما، إنه أفهوم لا يكف عن خلق متاهاته ومجازاته، أرضيّة مشتركة من التأويل والتخييل، أثرٌ مستقبلي لأشباح بُداةٍ ورعاةٍ لا يكفّون عن زيارة الأحياء.

إنها قصيدة النثر في هبوبها الأقصى.

إنه التشكيل بدَل الشكل.

ثـَمّ أمر طريف في الكتاب. فأمجد، في مقاربة تمثله الجمالي للشعر، لا يكتفي بالاستفادة من تقنيات الرواية، إنه سيستفيدُ من حِيل البدويّ ومن خبرته الحياتية في مواجهة ندرة الحياةِ.

أنطولوجيّا، يتعلّق الأمرُ بتاريخ التيهِ المحسوب بالعشبةِ والقطرة.

جماليا، يتعلّق الأمرُ بعلم اقتصاد اللغة.

يقول الشاعر في الصفحة 68 من الكتاب: « كلّ حركاتِ البدويّ مصمَمة على أساس الاحتفاظ بالماء لا صرفهِ». بل أكثر من هذا، فما يتمّ صرفه يُعادُ تقطيرهُ، وفق آلية تبريد نادرةٍ.

هذا الوعي الوجوديّ المحكوم بالصرامةِ التي أملاها الشظفُ أثمر حساسية شعرية مختلفة. ففي خضمّ هذا السرد المليء بالفراغ والصّهد والجفافِ المطقطق، اكتشف الشّعرُ طريقة للاحتفاظ بمائهِ وتقنين منسوبهِ. في النهاية، لقد أوصله السّردُ المليء بالاحالات والأسماء إلى معرفة تطبيقاتهِ، إلى نصب آلات تبريدهِ وتحويل البخار الساخن للسرد إلى قطراتٍ مائية.

قصيدة النثر كثافة.

الدرسُ السادسُ: لابدّ من سردٍ إذن، سرد حارق، لينجوَ الشِّعرُ!

 

*شاعر وكاتب من تونس

( نزوى )
 
 

شاهد أيضاً

الواقعية السحرية في المجموعة القصصية ” عصا الجنون ” للروائي والقاص أحمد خلف

خاص- ثقافات *قراءة خلود البدري عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع صدرت المجموعة القصصية ” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *