الرئيسية / كتب / شفاء الذمم من إتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 5 )

شفاء الذمم من إتهامات المسلمين للنبي الأعظم ( 5 )






تبدأ ثقافات نشر كتب كاملة على موقعها في مجالات الآداب والفنون والفكر التنويري، وسيكون النشر على حلقات لايصال المادة إلى اكبر عدد من القراء، وستكون فاتحة هذه الكتب ” شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ” للمفكر السوداني الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، الذي سيصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، متمنيا أن تكون هذه الكتب موضع اهتمام ونقاش من القراء، وترحب ثقافات بدورها بنشر كتبكم الكاملة بالطريقة نفسها وستخصص زاوية لهذا الأمر.

قامت الدنيا ولم تقعد في الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية احتجاجاً على الرسوم الهزلية في الدنمارك، والفيلم المسيئ للنبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله واقتصرت ردود فعل ما يسمى ” علماء المسلمين ” على التنديد والشجب والتهديد بالقوة أسوة بالهبات الشعبية العفوية، والدفاع بشكل عام عن الاسلام والمسلمين لا عن ذات النبي الشريفة، ولم ينتبه الكثيرون إلى أن معظم موضوعات تلك الإساءات تستند إلى مرجعيات واضحة في الكتب التي وصلتنا من السلف، وكان الأولى أن تتم مراجعتها وتفنيد الإساءات التي لحقت بالنبي الكريم صاحب الخلق العظيم، ولكن سكت الجميع عما حفلت به الكثير من كتب الحديث والتفاسير مما نسب إلى النبي زورا وبهتانا، أو جهلا وسوء تقدير…!
والكتاب الذي بين يدينا للمفكر السوداني والمجدد الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون يتصدى لنماذج من هذه الاتهامات أو الإساءات علها تكون مقدمة جريئة لمراجعة شاملة لما وصلنا فيما يخص سيد الخلق وإمام الأنبياء، فلا مجاملة أو مهادنة مع مثل هذه الاتهامات أو سوء التفسير وركاكة التأويل حتى لو وردت في الصحاح أو نسبت إلى كبار الصحابة…!
أما صاحب هذا الكتاب فقد سبق له أن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والمراجعات الجريئة والتي شهدت الكثير من النقاش حولها، ومنها :كلَية الإنسان، الإيمان بمحمد، الإسلام والدولة، نبي من بلاد السودان، مراجعات في الفكر الإسلامي…وغيرها
وقد تربى المؤلف النيّل أبو قرون في بيت علم وتصوف في السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم، وتولى وزارة الشؤون القانونية في زمن النميري، وساهم في صياغة القوانين الإسلامية…، ولأجل أفكاره الجريئة وطروحاته المغايرة للسائد فقد تعرض وما يزال إلى الكثير من المحن والمضايقات ومنع كتبه في بلاد عديدة




5)

الإتهام بالعبوس في وجه أعمى


صدرت الإرادة الإلهية -لا مسبوقة بزمن- في أكمل إبداعاتها بإبراز تاجها الأجلّ الأعظم من حيث الخَلق والخُلق، عن علم إلهي، هو مطلب الحياة الأزلية. فأشرقت القدرة في الوجود بإظهار حبيب الأزل محمد بن عبد الله ، وصلى عليه الله وملائكته قبل بروزه في عالم الحسّ قبل الزمن! وما الزمن إلا الليل والنهار الناتج عن حركة الفلك الكبرى التي ليست هي عين الزمن ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فأحبه وأكرمه وصلى عليه وأعطاه حتى أرضاه، ومدحه بكلامه الأزلي القديم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فخلا طبعه الذي فطر عليه عن الغلظة التي تنتفي وجوباً لتضادها وجود المدح الإلهي له.
ويؤكد الحق سبحانه ذلك – خلو طبعه عن الغلظة- في قوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ…﴾ وكان إذا برزت حاجة إلى الغلظة لموقف من المواقف جاءه أمر إلهي بها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ…﴾ .
قيل إنّه جاء رجل أعمى إلى من جبل على عدم الغلظة، الممدوح من قبل خالقه العظيم بعظيم الخُلق، ليسأله عما بعث به، وهو مكارم الأخلاق. فقد قال صلى الله وبارك عليه وآله “إنّما بعثت لأتمم صالح الأخلاق” ” وكان عنده صلى الله وبارك عليه وآله أحد الكفـرة – قيل هو أُبي بن خلف وقيل عتبة بن ربيعة- يريد النبي صلى الله وبارك عليه وآله له أن يتزكى بالإسلام ، ويخرج عن ظلمات الشرك، فلم يكن منه صلى الله وبارك عليه وآله إلا أن مال بكليته إلى ذلك الأعمى الذي جاء يسعى إليه في خشية من الله. وهذه هي مكارم الأخلاق التي بُعث بها صلى الله وبارك عليه وآله ليتممّها والتي تنسجم مع ما مدحه به الله سبحانه من الخُلق العظيم ، ويستحيل أن يصدر عنه غير ذلك في تبليغ رسالته، وحاشا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله أن يعبس في وجه أعمى لا يرى، أو يتلهى عنه بتصدّيه لكافر لم يسلم بعد، كلا ثم ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ . فما على الرسول إلا البلاغ وليس الحرص على هداية من يبلِّغه. قال تعالى ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ…﴾ فغضب ذلك الكافر وعبس في وجه النبي صلى الله وبارك عليه وآله ، وتولّى كما عبس وأدبر قبله أخوهُ في الكفر الذي قال الله فيه ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ﴾ -إذ العبوس والإدبار صفة من صفات الكفار- وقام لعنه الله من مجلسه وتولى وأدبر مستغنياً عن هذا الذي يفضّل الأعمى عليه. والنبي صلى الله وبارك عليه وآله كان يتصدى له لإخراجه من ظلمة الشرك وتزكيته بنور الإسلام، وما كان الله تعالى وهو حبيب محمد صلى الله وبارك عليه وآله ليترك التصرف من ذلك الكافر في وجه حبيبه دون تقريع ولا إدانة فقال تعالى فيه ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ ذلك الكافر حين مجيء الأعمى إلى رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، ويتوجه الخطاب الإلهي إلى ذلك الكافر مباشرة مبيناً له جهله وان هذا الأعمى يرجى له أن يتزكى ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ ثم يتوجه الخطاب الإلهي إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ ما أعظم أخلاقك وأوسع حلمك الذي يجعلك تتصدى حتى لمن استغنى، إشفاقاً عليه، وما ذلك إلا لأنك الرحمة المهداة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . ولم يقل للمسلمين فقط..! وذلك يعني شمول الرحمة للكفار والجنّ وغيرهم. صلى الله عليك يا رحمة الله الواسعة، فلا تشغل نفسك ولا تهتم بتوليه عنك واستغنائه إذ ليس عليك إلا البلاغ، ولا تكلّف نفسك أكثر من ذلك ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ …﴾ . ثم يمدح الله نبيه صلى الله وبارك عليه وآله باهتمامه وعدم تلهّيه عمن جاءه يسعى. فتصرفه صلى الله وبارك عليه وآله كان عكس ما فعل الكافر.
فالكافر ﴿ عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ وأدبر عن النبي صلى الله وبارك عليه وآله الذي هو أعظم خلق الله وأجلهم وأشرفهم أما النبي فقد أقبل على الفقير الأعمى ولم يتله عنه ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا…﴾ فليس ذلك من طبعك الذي جبلت عليه صلى الله عليك وعلى آلك ﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ .

فانظروا الآن ما جاء في تفسير الطبري مما يخالف ما قدمناه هنا، وهذا نموذج من مئات التفاسير التي اتفقت على عبوس الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله في وجه الأعمى، بل تجد في التفاسير المترجمة باللغات الأخرى ما يعزز ما ذهبوا إليه من الإساءة الى الرسول العظيم جهلا بالتفسير أو تجاهلا : “أقبل ابن أم مكتوم والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بمن حضره من وجوه قريش يدعوهم إلى الله تعالى، وقد قوي طمعه في إسلامهم وكان في إسلامهم إسلام من وراءهم من قومهم، فجاء ابن أم مكتوم وهو أعمى فقال: يا رسول الله علمني مما علمك الله، وجعل يناديه ويكثر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بغيره، حتى ظهرت الكراهة في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لقطعه كلامه، وقال في نفسه: يقول هؤلاء: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد؛ فعبس وأعرض عنه، فنزلت الآية”.

إنّ العبوس من صفات الكفار كما قال تعالى في وصف كافر ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ ، وهو يلائم من كان يدعوه النبي صلى الله وبارك عليه وآله إلى الإسلام حينما رأى النبي قد اهتم بالأعمى الذي جاءه فعبس وتولى. أما إذا نسبوا العبوس إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله فيكونوا بذلك قد نسبوا إليه التصرف بعكس ما بُعث به، فقد قال صلى الله وبارك عليه وآله “إنما بُعثتُ لأُتمِّم صالح الأخلاق” وهذا التصرُّف لا ينُمّ عن عظيم الأخلاق التي مدحه بها من خلَقه في قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فذهبوا في تفسيرهم إلى اختلاق قصة لا وجود لها إذ يقولون “حتى بدت الكراهة في وجه رسول الله” ولا دليل لهم على هذا. فمن الذي شهد لهم بأنه رأى الكراهة في وجه رسول الله؟ الأعمى أم الكافر، أم أن المفسر كان حاضراً للواقعة؟! ثم يقولون “يقول في نفسه…” فمن الذي يعلم ما في نفس النبي غير الله؟ إن الذي يدعي تلك المعرفة فقد إدعى الإلوهية وعلم الغيب!! ودعوى علمهم بما في نفس النبي تظهر أيضاً في قولهم “وقد قوي طمعه في إسلامهم” وحاشا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله أن يُخالف ما أُرسِل به، فقد قال له تعالى ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ وذلك يعني قوله تعالى (لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) . فاختلاق “قوي طمعه في إسلامهم” ما هي إلا دعوى بمعرفة ما تخفي الصدور؛ فحسبنا الله لأن العلم بما في القلوب لا ينبغي لأحد غير الله سبحانه. وبهذه الدعوى الباطلة ينسبون إلى رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله مُخالفة ما أنزل الله إليه في نفسه، لأنه ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ فهذه حدود الدعوة إلى الله. وتصف ألسنتهم الكذب فيقولون في اتهامهم للنبي صلى الله وبارك عليه وآله “يقول هؤلاء: إنما أتباعه العميان والسفلة والعبيد”، فينسبون إليه أسوأ ما يمكن أن يصف به إنسان أصحابه. وما هذا إلا اختلاق لا أدري كيف جاءوا به وتجرأوا على الله ونبيِّه بذلك؟ ويفترون على الله الكذب في تفسير ما جاء به رسول الله الكريم صلى الله وبارك عليه وآله (وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) والقرطبي في تفسيره يقول “والعبس مخففا مصدر عبس يعبس عبوسا. والعبس هو ما يتعلق بأذناب الإبل من أبعارها وأبوالها”.
وقد ذكر أيضاً أنّ ابن أم مكتوم عاش في المدينة المنورة، وكان يؤذن فيها قبل بلال لصلاة الفجر ولم يكن آذانه بمكة ، وسورة “عبس” مكيّة بالاتفاق فإذا كان ذلك كذلك فلا يصح شيء أصلاً من نسبة ما قيل في هذا الأمر كحديث “أهلاً بمن عاتبني فيه ربي” وكل ما قيل في نسبة العبوس إلى رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله.
وقد ورد أيضاً أنّ ابن أم مكتوم كان يحمل راية سوداء في معركة القادسية فهل يا ترى أبصر بعد ذلك ومتى؟؟ ذكر ابن كثير “عن انس بن مالك قال: رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء يعني ابن أم مكتوم”.
كما أنّ الذين ذكروا ممن كان يعرض عليهم النبي صلى الله وبارك عليه وآله الإسلام – حين حضور ابن أم مكتوم للنبي صلى الله وبارك عليه وآله- وهم عتبة ابن ربيعة أو أُبي بن خلف كلهم من أهالي مكة. فكل ذلك لا يكون إلا بمكة وابن أم مكتوم عاش بالمدينة وكان مؤذن النبي صلى الله وبارك عليه وآله فيها.
إنّ التفسير الموروث هذا يقول عن أحب الخلق إلى الله تعالى أنّ الله بعثه برسالة اختصه بها فتصرّف بعكس ما أرسله الله به. ورغم أنّه بُعِث ليتمم صالح الأخلاق فلمّا جاءه من يسأله عمّا بُعِث به قابله بسوء الأخلاق حيث عبس في وجهه وأعرض وتولّى عنه أي أنّه خالف ربه ورسالته وتصرّف بعكس ما بُعِث به. هكذا وصفه تفسيرهم في أخلاقه التي مدحه الله بها وهي صفة سبّ الله بها كافراً في قوله تعالى ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾. أهكذا يوصف رسول الله بالعبوس في وجه المساكين وسوء الخُلُق ليكون خطأه أساسياً في تبليغ الرسالة وهو العمل بعكس ما بُعِث به فتنتفي طاعة الله الذي جعل طاعته طاعته وليكون مدح الله له بالخلق العظيم في غير محله وليعطوا من يعارضه الحق في معارضته – باعتبار أنّه لم يطع الله في تبليغ رسالته- رغم قول الله تعالى ﴿…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ…﴾ وقوله تعالى ﴿…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…﴾ .



شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *