الرئيسية / قراءات / الرواية ومغالطات التاريخ والجغرافيا

الرواية ومغالطات التاريخ والجغرافيا


د.سميح مسعود

 أغراني عنوان هذه الرواية، وعلى وجه التحديد اسم مدينة «بلغراد» التي عشت في جنباتها ردحاً من الزمن في صباي أثناء دراستي الجامعية، تعج ذاكرتي بصور كثيرة لها تتشعب وتتلاقى مع صور أخرى لمدن كانت تشكل في ما مضى دولة يوغوسلافيا الاتحادية، مثل: سراييفو وموستار وزاغرب ودوبروفنيك وبريشتينا وتيتو غراد وسكوبيا.. صور كثيرة يزدهي بها ألبوم ذكرياتي.
قرأت الرواية، فوجدتها رواية تاريخية، اعتمد فيها مؤلفها ربيع جابر على الأحداث التي واكبت نفي مجموعة من الدروز بعد الحرب الأهلية الطاحنة التي اندلعت في جبل لبنان في العام 1860 إبان الحكم العثماني. إذ صدرت الإرادة السنّية بنفي هؤلاء إلى بلاد الصرب عقاباً لهم على اعتدائهم على المسيحيين واستيلائهم على الجبل، ومعهم تم نفي شاب مسيحي مسالم اسمه «حنا يعقوب»، كان يبيع البيض المسلوق قرب ميناء بيروت حين كان الضابطُ المسؤول يبحث عن أي شخص لنفيه بدلاً من درزي آخر أطلق سراحه بعدما دفع والده رشوة للباشا العثماني المسؤول، وذلك لضمان اكتمال عدد السجناء الدروز قبل حضور القنصل الفرنسي لعدِّهم، ولأنه لن يُقبل ترحيلهم ما لم يكن عددهم كاملاً.
لسوء حظ «حنا يعقوب»، زُجّ به بريئاً مع بقية المنفيين في السفينة التي نقلتهم إلى «بلغراد»، فوجد نفسه مقيداً بين سجناء يعاقَبون لقتلهم أبناء طائفته.
تكشف الرواية بامتدادات وتفرعات سردية متشعبة، عن معاناة هؤلاء السجناء وهمومهم وأحاسيسهم على مدار اثنتي عشرة سنة من السجن في مدينة «بلغراد» الصربية، وفي سجون مدن ومناطق بلقانية أخرى تابعة للدولة العثمانية العليّة، مثل سجون الهرسك وكوسوفو والجبل الأسود وبلغاريا.. وقد تنوعت حولها مسارات السرد مشحونة بدلالات معبّرة عن ظروف حياتية قاسية في أقبية طينية مظلمة، دارت فيها عجلة الزمان برتابة تتكرر فيها أحوال السجناء الصعبة يوماً بعد يوم مثقلة بالأمراض والبرد والجوع والإهانات والأعمال اليدوية الشاقة.
وقد تساقط السجناء مع الأيام واحداً تلو الآخر، ونجا منهم «حنا يعقوب» وحده، إذ هرب من سجنه، لكن العسكر طاردوه وساقوه إلى السجن ثانية، ثم هرب بعد ذلك عندما احترق المكان الذي سُجن فيه، وهام على وجهه في فضاء مقدوني مسكون بالرحيل، وفي نهاية المطاف التقى بالمصادفة مع حجاج كانوا في طريقهم إلى مكة، فانضم إليهم، وانتقل معهم من مكان إلى آخر في فضاءات آهلة بأجناس مختلفة من الناس، وأخيراً قادتهم الدروب إلى دمشق، وهناك ودّعهم «حنا» واتجه إلى بيروت ليجد زوجته وابنته في انتظاره.
في الرواية تفاصيل لأحداث كثيرة، يتداخل التاريخ خلالها في شبكة بنائية واحدة مع فضاءات لأمكنة كثيرة، اعتمد الكاتب فيها على قائمة طويلة من المراجع التاريخية سجلها في نهاية الرواية، لإيهام القارئ بأن فضاءاته السردية بكل محاورها لها مرجعية زمانية ومكانية معروفة، تتصل بأحداث تاريخية بعيدة عن قبضة التخييل، وترتبط بفضاءات جغرافية واضحة المعالم تتوالى على امتداد صفحات الرواية.
حال انتهائي من قراءة الرواية، سرعان ما وجدتها على صعيد اللغة الروائية أقرب ما تكون إلى رواية مترجمة من لغة أجنبية، اعتمد المؤلف في بنائها على جمل كثيرة غير مترابطة، مليئة بكلمات عامية غريبة رددها الراوي الضمني في نسيج السرد خارج التراكيب الحوارية، وهي بعيدة عن حلاوة الكلام وطلاوته، وغير مألوفة في الأعمال الإبداعية، فقللت من جمالية السرد، وأصابته بتشويهات عديدة.
اللافت أيضاً أن الرواية على صعيد البنية الروائية تفيض بتركيبات نصية غير مألوفة بعيدة عن طبيعة اللغة العربية ودلالات ألفاظها وأبنية أساليبها الأدبية المعروفة، وهي ترتكز على اللعب اللغوي والشكلي والتقليد المباشر لبعض الاتجاهات الأدبية الغربية، ما أسهم في جعل الرواية ذات حبكة مفككة.
ثمة شواهد كثيرة تدعم صحة هذه النتيجة، منها نماذج التعبيرات التالية التي يمكن إيرادها هنا على سبيل المثال: «وانتظر دوره وهو يتلوى مثل عجل مريض. تدفق السائل الكثيف الحار من دبره كالشلال ولطخ الصندوق ومؤخرته وطرطش كاحليه» (ص 43)، «الإعياء تنقّل في أنحاء جسمه مثل قطيع ثقيل من النمل» (ص 55)، «أزّ الفضاء وراء رأسه. حين خرجوا من تحت عتمة الأغصان انكشفت السماء البرتقالية فجأة واقتحمت عينيه كانفجار البارود» (ص 56)، «عند ملتقى النهرين، حيث يرتفع تل بلغراد كبيتِ سلحفاةٍ بحرية تُتّوجه القلعةُ البيضاء، يلتف ضباب خردلي صامت أول المساء ويغمر السفح الغربي» (ص 61) و»كان الهواء نقيا ً يُشرب كماء» (ص 95).
تتوالى مثل هذه الجمل على امتداد صفحات الرواية، ويتابع الراوي ذكرها بتعبيراته اللغوية غير المألوفة. ويمكن الاستطراد بذكْر أمثلة أخرى في هذا السياق: «صهلت أحصنة الجنود بينما يشرفون على هاوية من صخور حمراء مسننة تتوزعها العظام» (ص 98)، «كلمات منتوفة كالريش من طيور مهاجرة» (ص 103)، «رجل نحيل لين كثعبان تهادى على فرس تنقاد للرسن الحرير بين أصابعه انقياد جارية. دخل وحده. انغلقت البوابة خلفه واختفت خضرة البرّية الملونة بالأصفر. لمحوا العالم الخارجي لحظة ثم عادوا إلى جوف الباحة عالية الأسوار. ضوء الغروب تكاثف إلى درجة السيلان، أحمر كالدم» (ص 110)، «شربوا الهواء النقي الكثير وسكروا» (ص 123)، «سمع عظمة تتطقّق على جمجمة. ارتفع صياح وأعقبته شتائم. مرة تلو أخرى طقّ العظم على العظم. ارتجف حنّا.. سيموت.. لكن الرجل لم يمت.. لم يضربه النائمون جنبه» (ص 208).
تناثرت مثل هذه الجمل في سياق سلسلة مكثفة من المشاهد التاريخية والجغرافية تم مزجها معاً بأسلوب صحفي، وفي ربط خطي متقطع، خالية من أي مزايا تشويقية كما هي الحال في الروايات التاريخية لأمين معلوف وعبد الرحمن منيف، كما أن الكاتب لم يوفَّق فيها باستخدام بنية الترجيع السردية إلى مشاهد زمنية سابقة، ضمن الأبعاد المكانية المختلفة للأحداث، ما أدى إلى وجود انفصام واضح في فضاءات السرد، وظهور حكايات بعيدة عن صلب الحكاية الأصلية مثل حكاية مصطفى مراد وبناته الثلاث، إذ تشكل إضافات لو تم حذفها لن تختلّ الرواية ولن يتخلخل بنائها.
من جهة أخرى هناك أخطاء في الرواية وقع بها الراوي الضمني في أكثر من موضع، وذلك عندما قدم معلومات مخالفة للواقع في مقاطع سردية كثيرة، منها: ذكره اسم شخصية صربية مهمة باسم «جورج»، بينما اسمه الحقيقي «كاراجورجي»، وإعطاء صور مشهدية جغرافية لمدينة بلغراد وقلعتها بملامح مكانية أخرى، وتسمية القلعة باسم «القلعة البيضاء»، والحقيقة أن اسمها المعروف منذ القدم «كلمكدان»، وترجمة بلغراد للّغة العربية تعني «المدينة البيضاء»، إضافة إلى جعل أرض بلغراد صالحة لزراعة الليمون والتين، وذكر نهر «درينا» في الجزء الخاص بالهرسك بدلاً من نهر «نريتفا»، وذكر «دوبروفنيك» بدلاً من مدينة «نيوم» الواقعة على الجزء الساحلي للبوسنة والهرسك.
تلعب الرواية التاريخية دوراً مهماً في تعريف الناس بالماضي، لهذا لا بد لمؤلف الرواية التاريخية من الإلمام إلماماً وافياً بظروف الزمن الذي تجري فيه أحداث الرواية، وهناك من الروائيين من يدرس الفضاءات المكانية دراسة ميدانية، فيزورها ويعيش فيها بعض الوقت، وهذا ما قام به عبد الرحمن منيف قبل كتابته روايته التاريخية المعروفة «أرض السواد»، حيث زار أماكن كثيرة في العراق لكي يخلق مُناخاً لروايته أقرب ما يكون إلى الواقع.
هذا يدفع إلى القول إن رواية «دروز بلغراد-حكاية حنا يعقوب» مجرد واحدة من السرديات التاريخية العادية، ولا تحمل علامة متميزة تعطيها حق نيل أهم جائزة عربية

( الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

أمجد ناصر شاعر الإقامة في الشعرية المفتوحة

*محمد العناز لا مراء في أن قارئ قصائد «شقائق نعمان الحيرة» ( منشورات المتوسط 2017) …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *