الرئيسية / قراءات / كافكا الآخر… بين الإبداع الادبي وتحريف السيرة

كافكا الآخر… بين الإبداع الادبي وتحريف السيرة




وفيق غريزي

 
 
لم يتعرّض أديب مبدع وأصيل حقاً، أثّر بشكل عميق في أجيال من الأدباء بعده، للتشويه والإفتراء وتحريف السيرة والإنجازات الأدبية، كما تعرّض الروائي التشيكي والكاتب باللغة الألمانية فرانز كافكا. فقد لعبت مجموعة من الظروف الخاصة والعوامل الاستثنائية والشخصيات ذات المواصفات المعنية والمصادفات الغريبة دوراً مهماً في نسج وتسهيل عملية التحوير والتعديل والمسخ لهذا المبدع وأدبه. ففي حين تقدم القراءة المتعمقة والرصينة لأدب كافكا صورة للأديب المهتم بالإنسان المأزوم وإبن عصره، الرافض للقمع والإستلاب والتغريب واختراق حرية وعزلة وخصوصية هذا الإنسان الباحث عن معنى وجوده والمحتج على بطلان وسلبية وسواد وعبث هذا الوجود، وعلى الصورة والنمط والمضمون الذي يكون عليه هذا الوجود، في هذا الحين والحال، أفلح شخص واحد، وضعته مجموعة من الظروف والمصادفات في بؤرة الأحداث والعلاقات التي مرّت في حياة كافكا القصيرة والحزينة، في دفن كافكا الحقيقي وتقديم نسخة أخرى شوهاء ومزوّرة عنه، هذا الشخص هو ماكس برود الصهيوني، والنصاب الكبير والأديب الفاشل.

الصورة النمطية الزائفة
منذ عقدين تقريباً، بدأت الصورة النمطية والبالغة السلبية للروائي فرانز كافكا بوصفه، بحسب تلك الصورة، كاتباً وإنساناً كابوسياً وسوداوياً، متشائماً ومضطرباً، عصابياً وعدوانياً الى درجة مرضية، وتلك هي الكلمات التي تلخص لنا أحد الوجوه التي تعنيها الكافكوية أو الكافكولوجيا بمعناها السلبي، بدأت هذه الصورة حسب قول المؤلف بالإهتزاز والتفكك فالتلاشي رويداً رويداًً. حدث ذلك تحت وطأة كتابات نقدية إيجابية مضادة للتنميط والبديهيات الشائعة والفاسدة مضموناًً كان من بين أهم المبادرين اليها كافكا ومواطنه ميلان كونديرا، غير ان هذا الحدث الثقافي الملهم ظل بعيداً عن التأثير والفعل في الساحة الثقافية العربية السريعة التأثير عادة بما يرد من الحواضر الأوروبية من غث وسمين بفعل آليات التبعية الحضارية والثقافية الشاملة. وهكذا بقيت صورة كافكا الظلامي وأدبه الجحيمي كما هي منذ سنين طويلة، بل فاقم من سوئها لدينا نحن العرب خصوصيات وثيمات ثقافية عربية، من بينها غياب أية تقاليد في التضامن الإنساني البديهي والخارج عن الغرض بين المثقفين عموماً والمبدعين منهم خصوصاً، وهيمنة القراءات السطحية اللاتاريخية وغير المتفحصّة لكل ما هو قادم من أقلام الأورومركزية الغربية التي فارق أغلبها التراث والجذور التنويرية الرشدية والتصق بعنصرية هتلر ومارغريت تاتشر. مضاف الى ذلك، سيادة نمط ايديولوجي من النقد الأدبي وغير الأدبي الذي لا يرى أبعد من أرتبة أنفه.
وأخيراً فثمة تأثر هذه الساحة الشديد والمباشر بافرازات الصراع العربي – الصهيوني مما أعطى ثقلاً ورنيناً خاصين للمزاعم التي تذهب الى ان كافكا كان مؤيداً متحمساًً للحركة الصهيونية إن لم يكن صهيونياً متعصباً، الأمر الذي أظهرت الدراسات السردية والوثائق والشهادات اللاحقة زيفه وتناقضه. وقد إنتشرت هذه القناعة الفاسدة لدى أفراد النخب الثقافية والمثقفة في بلداننا العربية مع ان شعوبنا هي الضحية الأولى لهذه الحركة العنصرية – الرجعية. ورغم ان هذه المزاعم، هي من حيث الجوهر والفعل والمصدر صهيونية بحتة يقف خلفها متعصب هو الكاتب التشيكي والاسرائيلي لاحقاً ماكس برود الذي جعلته مجموعة من الظروف والمصادفات الوحي الوحيد لكافكا.

عملية مسخ  كافكا وأدبه

مع ولادة العلوم السيميائية والمنهجيات التحليلية والتفكيكية والبنيوية الحديثة كفّ النقد الأدبي قبل أكثر من نصف قرن عن أن يكون شرحاً وبحثاً عن رموز ومعان معينة يقرر النقاد سلفاًً انها موجودة في العمل المنقود، واعتبار قراءة سيرة حياة الفرد المبدع هي الطريق لقراءة وفهم منجزه الابداعي وليس العكس. هذا التطور الحاسم في ميدانه، يقول المؤلف: كان له تأثيره في تلك القراءات التي تزعم انها نقدية، والتي تجعل صاحب النص أي الذرة المجتمعية المستذهنة، هو المحور والهدف الذي يقصده النقد ويظل يدور حوله جامعاًً الكثير من الحيثيات والنتف المنفصلة بعضها عن بعض في سيرة المؤلف والمنتج للعمل الفني والأدبي ولقد تمكنت المنهجيات النقدية الحديثة في قلب المعادلة، أو لنقل بالعبارة الأثيرة لدى الماركسيين تم إيقافها على قدميها بعد أن كانت تقف على رأسها، فقد أصبح الإنجاز الأدبي أو الفني ذاته هو المنطلق الحقيقي لفهم عوالم الفنان والمبدع الذي أنتجه لا العكس.
لقد أتت تجربة الروائي والناقد التشيكي ميلان كونديرا ووقفته التنظيرية النقدية لأعمال وشخصية كافكا ضمن مجموعة من الموضوعات الادبية التي إشتغل عليها نقدياً. ويؤكد المؤلف انه قبل أن تبدأ مقاربته لمحاولة كونديرا النقدية حول كافكا وأدبه، يرى من الضروري واللازم ان نتوقف لتسجيل شهادة شخصية حول قبوله لجائزة القدس الإسرائيلية الحكومية، فهذا الموضوع قد يبدو للبعض، وهو كذلك، شكل من الأشكال، ذا مساس بموقف كونديرا من كافكا لا محيص بالتالي من التطرق اليه حتى لا يفسّر صمتنا عن ذلك تفسيراً معيناً لا ينسجم مع بديهيات الكتابة النقدية ويخرج بشكل مباشر الى سياقات معيارية بعيدة عن الموضوعية وتلتصق بأساليب الوهم وتفتيش النيات والتحريف.
وبالعودة الى مقاربة كونديرا لكافكا وأدبه نلاحظ انه خصص الجزء الثاني من كتابه النقدي الوصايا المغدورة، وهو بعنوان ظل القديس ثمارنا… الخصاء لكتاب خطير رغم تفاهته الفنية والمضمونية. وهو عبارة عن رواية تحمل عنواناً ساذجاًً يقول: المملكة المقترنة بالحب لشخص يدعى ماكس برود عرف بأنه صديق وحيد تقريباً لكافكا. نشر برود روايته مباشرة بعد الموت المبكر والفاجع لكافكا. ومع ذلك يسجل كونديرا فضل برود في التعريف بكافكا وأدبه ولكن على طريقته الخاصة.
ويرى المؤلف انه وفقا لكونديرا فرواية ماكس برود الساذجة والقائمة على عنقود مصادفات غير مبررة سردياً وأقرب الى الثرثرة، ويشير الى ان برود ألف عشرين رواية وصفها كونديرا بأنها تقليدية بشكل محزن لأن مؤلفها لا يفهم شيئاً في الفن الحديث، ولم تترك أثراً أو ينتبه لها أحد طوال تاريخ الرواية التشيكية أو الأوروبية عموماً.
وتقوم هذه الرواية المملكة المفتونة، على الحكاية عن صورة مزخرفة لماكس برود نفسه. لقد فعل ماكس برود، بروح مقاتل، وبغياب شخص آخر يمكنه ان يفند أو يشكك في أفعاله وأقواله لجملة الأسباب العديدة، حتى نجح في تكريس كافكاه الخاص. نعني كافكا المفكر الديني المتعصب، والمؤيد للصهيونية، كافكا ذا الأدب السوداوي الجهنمي المريض الداعي الى الموت واليأس والعدم والإحباط. ويقول المؤلف: لقد أفلح ماكس برود أخيراً في تأسيس ما يسميه كونديرا الكافكاوية، أو علم الكافكاوية الذي يقوم على أساس الخطاب التحويلي المقصود الذي يستهدف تحويل كافكا وأدبه الى الصورة الشوهاء التي يرسمها له هذا العلم ذاته ليس كما هو في واقعه وواقع تضاعيف كثرة المنجز بل من خلال تمريره عبر مصفاة ماكس برود الإنتقائي والمغرض.

كافكا من منظور عربي

كثيرة هي الكتابات التي قدمتها اقلام عربية معروفة في الثقافة العربية المعاصرة، والتي تناولت كافكا وبعض جوانب أدبه وأفكاره وحياته الشخصية. في تلك الكتابات يقول المؤلف: تكرر الإنقسام الحاصل في الساحة الأدبية والفكرية الغربية بصدد كافكا وأدبه، ولكن بشكل أكثر تأزماً وحدّة، رغم انه لا يخلو من السطحية والتناول الأيديولوجي نظراً لخصوصية الصراع بين العرب والحركة الصهيونية ودولتها مما أعطى الإنقسام والإختلاف حول كافكا مذاقاً عربياً بامتياز. ففي معسكر المتهمين لكافكا نجد نقاد أو أدباء عديدين من بينهم كاظم سعد الدين وسعدي يوسف وسعيد الحكيم وفيصل دراج وأنور العتاني والدكتور محمد موعد، اما مؤيدو كافكا والساعون لتبرئته من تهمة الصهيونية فنجد نقاداً ومبدعين كثراً من بينهم الدكتورة بديعة الأمين والروائي واسيني الأعرج وصلاح حاتم والدكتور عبدو عبود.
يشير المؤلف الى ان أحدث ما في الساحة الثقافية العربية بهذا الشأن، فقد ترجمت وأصدرت هيئة متخصصة في التراث في أبو ظبي يوميات كافكا الممتدة بين ١٩١٠ و١٩٢٣ وهي اليوميات التي أهداها الى صديقته ملينا يسنسكايا، وكان ماكس برود قد حصل بطريقة ما على قسم من هذه الرسائل ونشرها سنة ١٩٣٧ ثم نشرها كاملة في مطلع خمسينيات القرن الماضي. وفي استعراض صحفي لهذه اليوميات المترجمة الى العربية، سجل الناقد المصري محمد شعير عدداً من الملاحظات المهمة والجديدة على المعهود النقدي العربي بخصوص كافكا، فرغم انه لم يتساءل عن مبررات هذه الصحوة الخليجية المفاجئة على أدب كافكا، لكنه يسجل ان هذه اليوميات تقدم لنا صاحبها بصورة غير التي عرفها النقاد. هو هنا الكاتب غير الحزين وغير المتشكك دائماً، المنعزل العاري في مواجهة قوى خفية فقط، بل ثمة كافكا آخر، ساخر وعاشق نكتة وشغوف بالمجلات الجنسية وبكل ما هو حياتي وواقعي وممتع.
هنا بالضبط في عبارات شعير، الذي رغم انه اعتاد الصورة النمطية لكافكا الخارج من معطف ماكس برود، نشعر بقوة المفاجأة وحيويتها وذلك حين نطل على الصورة الأخرى لكافكا الآخر، كافكا المختلف جوهرياً عن كافكا العابر من خلال فلتر برود. أما الكاتب والشاعر المغربي نجيب كعواشي كتب نصاً حول العثور على وثائق جديدة تخص كافكا، فكعواشي يخبرنا بأن كافكا نفسه يكشف في رسائله الى أصدقائه وعائلته، انه حضر وشارك في كل أعمال المؤتمر الصهيوني الحادي عشر، ويعترف بأنه مقتنع تماماً بالحركة الصهيونية ويؤيدها. والغريب يقول المؤلف: ان الذين ترجموا كافكا الى العربية لم يكشفوا لنا أي ضوء عن هذه الأمور التي تكشفها رسائله. ولم يقولوا لنا مثلاً إنه كان مهتماًً بالبيوت اليهودية. وانه حضر كل المؤتمرات الصهيونية التي عقدت في برلين وفيينا. هكذا، فيحكم على كافكا بالصهيونية بل وهو يعاتب، وربما ينقم على مترجمي كافكا الى العربية، لأنهم لم يحذروا القراء العرب من هذا الصهيوني المستتر. الطريف ان كعواشي حين يعثر على نقد لكافكا موجه للصهيونية او لفساد الحاخامات اليهود يستنتج فوراً بأن هذا النقد يؤكد، لا أحد كيف ولماذا، صهيونية كافكا، يؤكد كعواشي ان كتابات كافكا جزء من الأدب الصهيوني دون أن يقرأ ما كتبه ذلك الأديب، أو بعضاً منه. من جهته الشاعر العراقي سعدي يوسف واعتماداً على ما أورده يانوش في كتابه كافكا قال لي يصلح لأن يكون مناسبة لتأكيد الطابع الملفق والمشكوك فيه لما كتبه هذا الرجل ونعني يانوش.
وبالمقابل، فإن الناقد والمترجم العراقي جودت هوشيار نشر مقالة أورد فيها العديد من الآراء واللمحات الصحيحة ضمن توجه نقدي مفارق للتوجه السائد في الساحة الثقافية العربية. فهو يقول: أن كافكا، ومهما كان الموضوع الذي يكتب عنه، فانه في حقيقة الامر يتحدث الى نفسه وعلاقته بالواقع الإجتماعي الذي كان يعيش فيه، والشيء الذي لم يكن يعبر عنه حتى النهاية في رواياته وقصصه تجده في مسودات مؤلفاته وفي يومياته ورسائله، فقد كان المحور الوحيد الذي تدور حوله أفكاره وأحاسيسه هو المصير المأساوي للكاتب نفسه بكل ما فيه من معاناة وتوتر نفسي وعذاب وألم. ويرد على متهمي كافكا بالصهيونية مؤكداً ان اللغة عند كافكا وسيلة تعبير عن النفس في المقام الاول، ولم تستهوه قط الأفكار الدينية أو القومية الضيقة، وكان يتجاهل أي مسعى من هذا القبيل مهما كان مصدره، على النقيض من مزاعم بعض النقاد العرب ومحاولتهم إلصاق تهمة الصهيونية بكافكا زوراً وبهتاناً، ونتيجة للتأويل الخاطئ المتعمد لبعض قصصه مما يدل دلالة قاطعة على إنحيازهم الواضح ومدى سذاجة أفكارهم المسبقة وعدم إستيعابهم لأدب كافكا وعجزهم عن فهم عالمه الروحي.

كافكا الآخر، تأليف علاء اللامي، منشورات الإنتشار العربي – بيروت – ٢٠١٢

( الأنوار )

شاهد أيضاً

لورنز إراسموس: الحب ينتصر على لون البشرة

*خليل صويلح يراهن لورنز إراسموس في سيرته الذاتية «مزرعة كرة القدم» (دار أطلس/ دار ممدوح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *