الرئيسية / كتب / سلسلة الكتب ( إساءات المسلمين لنبيهم ) 1

سلسلة الكتب ( إساءات المسلمين لنبيهم ) 1


( ثقافات )

تبدأ ثقافات نشر كتب كاملة على موقعها في مجالات الآداب والفنون  والفكر التنويري، وسيكون النشر على حلقات لايصال المادة إلى اكبر عدد من القراء، وستكون فاتحة هذه الكتب ” شفاء الذمم من اتهامات المسلمين للنبي الأعظم ” للمفكر السوداني الشيخ النيل عبد القادر أبو قرون، الذي سيصدر قريبا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمان، متمنيا أن تكون هذه الكتب موضع اهتمام ونقاش من القراء، وترحب ثقافات بدورها بنشر كتبكم الكاملة بالطريقة نفسها وستخصص زاوية لهذا الأمر.

قامت الدنيا ولم تقعد في الدول العربية والإسلامية خلال السنوات الماضية احتجاجاً على الرسوم الهزلية في الدنمارك، والفيلم المسيئ للنبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله واقتصرت ردود فعل ما يسمى ” علماء المسلمين ” على التنديد والشجب والتهديد بالقوة أسوة بالهبات الشعبية العفوية، والدفاع بشكل عام عن الاسلام والمسلمين لا عن ذات النبي الشريفة، ولم ينتبه الكثيرون إلى أن معظم موضوعات تلك الإساءات تستند إلى مرجعيات واضحة في الكتب التي وصلتنا من السلف، وكان الأولى أن تتم مراجعتها وتفنيد الإساءات التي لحقت بالنبي الكريم صاحب الخلق العظيم، ولكن سكت الجميع عما حفلت به الكثير من كتب الحديث والتفاسير مما نسب إلى النبي زورا وبهتانا، أو جهلا وسوء تقدير…!
والكتاب الذي بين يدينا للمفكر السوداني والمجدد الشيخ النيّل عبد القادر أبو قرون يتصدى لنماذج من هذه الاتهامات أو الإساءات علها تكون مقدمة جريئة لمراجعة شاملة لما وصلنا فيما يخص سيد الخلق وإمام الأنبياء، فلا مجاملة أو مهادنة مع مثل هذه الاتهامات أو سوء التفسير وركاكة التأويل حتى لو وردت في الصحاح أو نسبت إلى كبار الصحابة…!
أما صاحب هذا الكتاب فقد سبق له أن أصدر العديد من المؤلفات الفكرية والمراجعات الجريئة والتي شهدت الكثير من النقاش حولها، ومنها :كلَية الإنسان، الإيمان بمحمد، الإسلام والدولة، نبي من بلاد السودان، مراجعات في الفكر الإسلامي…وغيرها
وقد تربى المؤلف النيّل أبو قرون في بيت علم وتصوف في السودان، ودرس القانون في جامعة الخرطوم، وتولى وزارة الشؤون القانونية في زمن النميري، وساهم في صياغة القوانين الإسلامية…، ولأجل أفكاره الجريئة وطروحاته المغايرة للسائد فقد تعرض وما يزال إلى الكثير من المحن والمضايقات ومنع كتبه في بلاد عديدة


الإتهام بأخذ الأسرى في بدر

قال تعالـى ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا…﴾ .
اللقاء هنا – ﴿ فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا…﴾ – مقصود به الحرب ولا شئ غيرها وهي لا تكون إلا ضد المعتدين. والكفار والمشركون معتدون بطبعهم على حرية الفكر والدين، ويصرّون على منع الناس من اختيار مُعتَقَد أو ترك مُعتَقَد، بل يعتدون على أصحاب الفكر والإصلاح، فيسخرون منهم ويستهزئون بهم وربما قتلوهم كما حصل لأنبياء الله على مر الدهور. فجاء الأمر الإلهي ليبين كيفية الحرب عليهم- ﴿…فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ…﴾ – والإثخان في الحرب هو إيصال العدو إلى حالة الإنهاك بحيث يقوم بعض أفراده بتسليم أنفسهم أسارى خوفا من القتل، أو أن يقوم الصف المنتصر بأسرهم بفعل حالة السيطرة في ساحة المعركة، ولهذا فالمطلوب من المسلمين اللجوء إلى أَسْر الكفار المنهزمين، لا الاستمرار في قتلهم، وضرب الرقاب. إذ ليس المقصود من الحرب في الإسلام الإبادة للعدو بل النصر عليه، فإذا بان النصر وأثخنوا العدو – ﴿…حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ…﴾ ¬- على المسلمين بعد ذلك اللجوء إلى أسر المنهزمين، وهو قوله تعالى ﴿…فَشُدُّوا الْوَثَاقَ…﴾ وهو الأسر. فالله سبحانه قد أمر بالأسر في الحروب لمنع إبادة الأعداء المنهزمين – ولكن بعد الإثخان- لأن الأسير لا يقتل، ومَن أُسِرَ وجَبَت معاملته بالحُسنى، لا القتل، لأن مكان القتل هو ميدان المعركة. وقد بيّن الله سبحانه وتعالى معاملة الأسرى بعد المعركة- ﴿… فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء…﴾ فلا وجه لقتل أسير في الإسلام، بل تجِب معاملته برفق وإحسان. ولم يمدح الله سبحانه قَتَلة الأسرى ولم يأمر بقتل الأسرى، ولكنه قد مدح الذين يُحسنون إلى الأسير، ووَصَفهم بأنهم من المُحبين لله بذلك السلوك؛ قال تعالى ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً﴾ . وأمر الله سبحانه وتعالى رسوله الكريم بمخاطبة أسرى بدر ودعوتهم إلى إحسان السريرة التي يتبعها إحسان التعامل كي يغفر لهم، لأن الدين المعاملة. فإن من حسنت سريرته حسنت أخلاقه وتعامله، وكان أهلاً ليغفر الله له، لأن صالح الأخلاق هي التي بعث النبي صلى الله وبارك عليه وآله ليتممها، ومن أجلها كانت البعثة. وهو أمر تجاهله أو جهِله الكثير ممن يتصدون للحديث عن الإسلام، فالحديث عن الأخلاق وحُسن التعامل هو الأقل حظاً عند كثير منهم، لأنهم أخطأوا أو جهِلوا أو تجاهلوا لماذا بُعِث محمد صلى الله وبارك عليه وآله، فيميلون لمدح من غلظ طبعه وخشن تعامله وخاطب الناس بالعصا. ولم يأمر الله سبحانه وتعالى النبي بسوء معاملة الأسرى الذين جيء بهم إليه، ولا حتى بغليظ القول، ناهيك عن قتلهم فقال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ وهذا هو أسلوب الدعوة إلى الإصلاح الذي جاء به نبي الرحمة ولم يأمره سبحانه بقتل من في أيديهم من الأسرى إذا لم يقولوا “لا إله إلا الله”! ولم يأمر كذلك المشركين بمكة بعد أن هزمهم وفتحها بأن يقولوا “لا إله إلا الله” بل تركهم طلقاء، من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، فما أعظمها من رسالة وما أعظمه من نبي!

فهو الرحمة المُهداة للناس كافَّة، صلى الله وبارك عليه وآله، والمؤسِّس لحقوق الإنسان سواء كان هذا الإنسان حياً أو ميتاً و بغض النظر عن دينه وجنسه، فقد وقف حينما مرت به جنازة فقيل له إنها ليهودي، فقال صلى الله وبارك عليه وآله “أليست نفساً” … وقيل له يا رسول الله أدع على المشركين قال “إني لم أبعث لعاناً وإنما بعثت رحمة” . فإذا كانت بعثته صلى الله وبارك عليه وآله لا يوجد فيها متسع للدعاء على المشركين فكيف يكون فيها من القسوة والغلظة ما يصل إلى قتل الأسرى الذين هم أحوج الناس إلى الرحمة التي يمثلها محمد رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله.
والقتل والأسر لا يُباشره إلا المُحارِبون في الميدان، الذين قد لا يلتزمون بما لديهم من أوامر من القيادة العليا، كما فعل الأصحاب في معركة أُحُد؛ حيث أمر النبي الرماة ألا يتركوا أماكنهم وإن تخَطَّفَهُم الطير “جعل النبي صلى الله عليه وسلم على الرجالة يوم أحد وكانوا خمسين رجلا عبد الله بن جبير فقال إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم”
فهل التزم الصحابة المقاتلون هنا بأمر النبي؟ كلا ثم كلا. فلم يلتزموا بالأمر بل خالفوه صراحة وعصوه وأثبت الله ذلك في كتابه قال تعالى ﴿…وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ…﴾ رغم تشديد النبي عليهم بقوله “وإن تخطفنا الطير”! وكان هذا هو السّبب المباشر في هزيمتهم في معركة أُحُد. وقبل ذلك في معركة بدر حدّد النبي صلى الله وبارك عليه وآله موضع مصارع من سمّاهم من المشركين، ولم يأمر بعدم قتل أحدٍ سوى العباس رضي الله عنه “عن بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر ثم من لقي منكم العباس فليكفف عنه فإنه خرج مستكرها” ولكن ماذا فعل المقاتلون في الميدان؟ لقد سارعوا إلى أَسر الكفار حينما لاحت بوارق النصر وهزيمة المشركين لأن في الأسر فائدة مادية للآسِر، إذ له سلب المأسور وما عليه وعتاده ..وففضلوا الأسر لأجل الغنائم!!

فهل فهموا من تحديد النبي صلى الله وبارك عليه وآله لمصارع القوم أنه أمر بأسرهم؟ والإجابة واضحة، فقد كانت إشارة من النبي صلى الله وبارك عليه وآله ليثخنوا العدو في المعركة لا ليأتوه بالأسرى، كما أن استثناء العباس من القتل فيه إشارة أيضاً إلى الإثخان إذ لم يستثن غيره، ولكن الصحابة المقاتلين فضّلوا الأسر وشد الوثاق قبل الإثخان، ولم يلتزموا بالتوجيه النبوي، ولا بالأمر الإلهي، الذي هو ضرب الرقاب حتى الإثخان ( النصر) ، وليس الأسر قبل ذلك. فجاءت المؤاخذة عليهم من الله سبحانه وتعالى ﴿…تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا…﴾ ، وعرَض الدنيا هنا هو ما يعود على الآسِر من الفائدة المادية من المأسور مِن سَلبِه ومالِه وما عليه، وهي الغنائم إذ أنهم لم يراعوا ما أشار إليه المعلم القائد، كما لم يراعوا ما قال لهم صراحة بعد ذلك في معركة أُحُد، حينما أمرهم بصريح العبارة أن لا يغادروا مواقعهم؛ فخالفوه وعصوه ولم يلتزموا رغم قوله “وإن تخطفنا الطير”! فجاءت الآية الكريمة مؤاخذة لهم ومبينة عصيانهم ﴿…وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ…﴾ .

وهنا في معركة بدر فإن الخطاب موجّه للذين سارعوا إلى الأسْر قبل الإثخان فقال لهم ﴿…تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَة…﴾ وليس خطاباً موجهاً للنبي صلى الله وبارك عليه وآله وإلا لكان الخطاب للفرد ﴿…تُرِيد…﴾ لا للجماعة ﴿…تُرِيدُونَ…﴾. فكانت المؤاخذة لمخالفتهم لما أشار إليه النبي صلى الله وبارك عليه وآله. ولا يمكن أن يُفهم من الآية أن تكون المؤاخذة موجهة للنبي صلى الله وبارك عليه وآله، وذلك لأنه يتعين في هذه الحالة أن يكون علمه بوجوب قتل الأسرى سابق للحدث لقوله تعــالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْض…﴾ وهو علم ينبغي أن يكون مُكتَسَباً بوحي مُسبق أي أنه – كما يشير الحديث – كان يعلم من الله قبل الحرب أن الأنبياء صلوات الله عليهم يقتلون الأسرى ولا يقبلون الفداء؛ ورغم ذلك تصرف هو بخلاف ذلك. فتكون المؤاخذة لتصرفه بعكس ما لديه من علم أُوحي به إليه سابقٍ للحدث بأن أنبياء الله يقتلون الأسرى!! وهذا ما يُفهم من تفسيرهم للآية!!

ولو كان الأنبياء يقتلون الأسرى والنبي يعلم ذلك لما كان هناك سبب لاستشارة أبي بكر وعمر عن الأسرى كما جاء في الحديث لأنه لا حاجة لرأيهما حينئذ. ولا يمكن لمسلم أن يقول إن النبي المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله لا يلتزم بما أوحي إليه ويتصرف بعكسه مُخالفاً لربه الذي اختاره من بين خلقه – لأنه أشرفهم وأعلمهم – ليُرسي قواعد الشرع للإنسانية كافة ثم يخالف سنن الذين سبقوه من الأنبياء!! ﴿…إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ…﴾ والواقع أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله لم يأمر المحاربين بأسر المشركين. فكيف يؤاخَذ بأن يكون له أسرى وهو لم يأمر المقاتلين بالأسر أصلاً؟ والفرق كبير بين أن تأسر محارباً يريد قتلك وأن تقتل أسيراً لا حول له ولا قوة ولم تكن لك يد في أسره! والمؤاخذة في الآية تتعلق بأسر المحاربين لا بقتل المأسورين وشتان بين الأمرين، فالأسير ينظر إلى الرحمة والمحارب ينظر إلى القتل.

ثم ماذا كان بعد أن انتهت المعركة بصورتها غير المرضية من حيث أن المحاربين خالفوا ما أشار إليه النبي صلى الله وبارك عليه وآله وسارعوا إلى الأَسر قبل الإثخان وجاءوه بسبعين أسيراً؟ الحديث يوضح أنّ عمر كان شديد الحرص على قتل الأسرى فلماذا إذاً لم يقتلهم في الميدان قبل الإتيان بهم لرسول الله؟ ولماذا لم يقتل على أقل تقدير قريبه الذي استأذن رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله في قتله فإن ساحة الحرب هي محل القتل؟!

لقد أُخِذ الأسرى إلى المدينة ليُعاملوا كما تجب معاملة الأسرى، لا ليُقتلوا، لأن الميدان هو مكان القتل والحرب. والذي ينبغي في التعامل معهم هو ما أمر به الله سبحانه وتعالى: ﴿…فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء…﴾ وهذا هو الخُلُق المُحمَّدي فقد كان صلى الله وبارك عليه وآله خُلُقَه القرآن. وهو المبعوث رحمة للعالمين وليس للمسلمين فقط، ففعلُ النبي صلى الله وبارك عليه وآله كله حق لأنه حق ولا يصدر من الحق إلا الحق، قال تعالى﴿كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ…﴾ ﴿…فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ…﴾ فالأسير مصيره الإفراج عنه عاجلاً أو آجلاً، إما امتناناً عليه وتركه حُراً دون قيد أو شرط وإما مقابل فدية يلتزم بها هو أو أهله يفدي بها نفسه، كما جاء في الآية الشريفة مع وجوب حسن معاملته.

على ضوء ما ذكرنا لننظر إلى ما جاء في كتب الحديث وهل يوافق ما جاء في كتاب الله ويتناغم مع النهج المحمدي الذي هو ترجمة للقرآن في الحروب والأسرى؟ جاء في مسند احمد بن حنبل “عن ابن عباس حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “لما كان يوم بدر… فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلاً وأسر منهم سبعون رجلاً، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعلياً وعمر رضي الله عنهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضداً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: قلت: والله ما أرى ما رأى أبو بكر رضي الله عنه، ولكني أرى أن تمكنني من فلان – قريباً لعمر- فأضرب عنقه، وتمكن علياً رضي الله عنه من عقيل فيضرب عنقه، وتمكن حمزة من فلان – أخيه – فيضرب عنقه حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه: غدوت إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، قال: فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم: الذي عرض عليّ أصحابك من الفداء لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة، وأنزل الله عز وجـل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾… إلى قوله:﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ…﴾ من الفداء، ثم أحل لهم الغنائم فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء فقتل منهم سبعون وفرّ أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته وهُشِّمَت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه، وأنزل الله تعالى ﴿ أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا…﴾ الآية بأخذكم الفداء”.

الحديث يقول إن عمر بن الخطاب أشار إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله بقتل الأسرى وهو أمر لا يُقرُّه الله سبحانه في كتابه، ولا النبي صلى الله وبارك عليه وآله في سُنّته وشرعه، وهو أعلم الخلق بالله، وبكتاب الله، وكيفية الدعوة وأسلوبها. لأنه لا يتبع إلا ما يوحى به إليه. فهو معصوم من إتباع الهوى. ثم إن قتل الأسرى لا ينفي وجودهم كأسرى قبل قتلهم! وليس قتل الأسرى بعد الحرب هو الإثخان لأن الإثخان يعني الغلبة والسيطرة في الميدان قبل الأسر ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ وليس بعد الأسر. والمؤاخذة الإلهية إنما كانت في المسارعة إلى أسرهم وليس في عدم قتلهم بعد الأسر ولا توجد إشارة في الآية لقتل الأسري بل الإشارة إلى اتخاذ الأسرى قبل الإثخان. ولم يكن توجيه النبي صلى الله وبارك عليه وآله وما أشار به للمحاربين هو أن يأتوه بأسرى، الذي هو محل المؤاخذة من الله سبحانه في هذه الآية.

نجد أن الذين أشار عمر بقتلهم وقال هم أئمتهم وصناديدهم وقادتهم هم: العباس – الذي أمر النبي بأن لا يُقتل قبل المعركة – وقد يكون لعلمه صلى الله وبارك عليه وآله بإخفائه إسلامه، رغم أنّ فعل النبي لا يحتاج منّا إلى تبرير بل يُقابَل بالطاعة التامة والتسليم الكامل لقول الله تعالى ﴿…وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ومنهم عُقَيل أخو علي بن أبي طالب عليه السلام. فهل هؤلاء هم أئمة الكفر وصناديدهم وقادتهم؟ هؤلاء بنو هاشم – عم النبي وابن عمه. ويريد عمر- كما جاء في الحديث – أن يقوم حمزة رضي الله عنه بقتل أخيه العباس الذي أمر النبي المحاربين بعدم قتله؛ وعمر يعلم ذلك الأمر. ويقوم علي عليه السلام بقتل أخيه عقيل رضي الله عنه. ورجل آخر لم يسمِّه الحديث يريد عمر قتله بنفسه! هل هؤلاء هم كلّ أسرى بدر؟ لماذا اقتصر الحديث على هؤلاء الثلاثة؟ فهل قتل هؤلاء هو الرحمة التي جاء بها نبي الرحمة صلى الله وبارك عليه وآله؟

يريدون أن يُظهروا في الحديث حِرص عمر بن الخطاب على قتل المشركين في قوله “حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم” وهذا قول مردود، فالحرص على القتل يكون في الحرب لا بعد الأسر، فقد بينّا كيف يُعامل الأسير في الإسلام. أما عِلمُ الله بما في القلوب فليس الله سبحانه وتعالى بحاجة إلى أحد ليبينه له بِعَملٍ ظاهر! لأنه جلَّ جلاله ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ والقول بأن “هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم” قول غير صحيح، إذ ليسوا هم كذلك! فلم يُذكر قط في أي مصدر من المصادر الإسلامية أن العباس وعقيل (رض) كانا أئمة الكفر وقادتهم وصناديدهم. ثم أين بقية الأسرى السبعين؟ ولماذا اقتصر الحديث على بني هاشم بأسمائهم وثالث لم يُسَم؟ وأين رأي علي بن أبي طالب الذي ذُكِر في الحديث أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله استشاره كما استشار أبا بكر وعمر، ولماذا سُكِت عنه؟؟؟
الحديث يدور حول افتراض صحة رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى، مقابل فعل النبي في عدم قتلهم! وهو يهدم التشريع المحمدي في الحروب في الإسلام في التعامل مع الأسرى، ومخالف لكتاب الله سبحانه وتعالى وسنّة الرسول الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله. ولا يقف الأمر عند هذا الحد: – مخالفة ما جاء في كتاب الله جلَّ وعلا، وسنة رسوله الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله- بل يتعدّاه ليبين أن تصرف المعصوم وتشريعه في التعامل مع الأسرى كان خطأ يُحاسب عليه!! كأن هناك أحد الأنداد مُشرِّع معه يمكن أن يصيب في أداء الرسالة ويخطئ النبي صلى الله وبارك عليه وآله في أدائها!!
ويصف الحديث النبي صلى الله وبارك عليه

وآله بأنّه ندم على مخالفته لرأي عمر في أخذه الفداء من الأسرى، وظل يبكي على ذلك، فقال له عمر حينما وجده يبكي “يا رسول الله أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما” وهذا يشير إلى أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله يمكن أن يكون بكاؤه بلا سبب يستوجب البكاء في رأي عمر، وإذا كان البكاء بلا سبب موجب له فلا يكون إلا تمثيلاً أو عبثاً، وهل يكون ذلك من النبي صلى الله وبارك عليه وآله؟ إنّ في قول عمر “فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد…” يُرى فيه الشك في صدق بكاء النبي وفعله وفي هذه الحالة فإن عمر “يتباكى” لبكاء النبي وصاحِبِه – مجاملةً لهما – رغم عدم اقتناعه بوجود سبب لبكائهما (“وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما”)!! فرد النبي صلى الله وبارك عليه وآله على عمر “لقد عرض عليّ عذابكم أدنى من هذه الشجرة لشجرة قريبة” وكلمة “لشجرة قريبة” قطعاً هي ليست من كلام النبي صلى الله وبارك عليه وآله وكذلك ما تلاها من الحديث. فهل تصَرَّف المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله بغير أمر الله سبحانه ليعاقبه الله (“عوقبوا بما صنعوا يوم بدر”) على تصرُّفه؟ ويستمر الحديث فيقول “وأنزل الله عز وجـل ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾… إلى قوله:﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ…﴾ من الفداء” ويبدو جلياً في هذا الجزء من الحديث إلقاء اللوم على النبي المعصوم صلى الله وبارك عليه وآله لقبوله الفداء واتهامه بالإخفاق في صحة أداء رسالته!!!

من المعلوم أن الفداء يتم الإتفاق عليه مع الأسير أو يُفرض عليه ثم يدفعه مما لديه من مال في عقبه، أو يدفعه عنه أولياؤه بعد ذلك. ولا يتوقع أن يكون مع الأسير شئ سوى جلده الذي نجا به. لكن يلاحظ في الحديث كأن الفداء كان مع الأسرى وأخذه النبي منهم وأصبح من الغد يبكي على ذلك!!! فقد جاء في الحديث “ولم يهو ما قلت فأخذ منهم الفداء. ولما كان من الغد… فإذا هو قاعد وأبوبكر يبكيان…” والأسير لا يملك في أمر الفداء إلا الإتفاق على نوعية الفدية وقدرها. فقد تكون عملاً يقوم به الأسير، كما جاء في أمر هؤلاء الأسرى أن منهم من كانت فديته أن يُعلم عدداً من أبناء المسلمين!!. ولا يقال أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله أخذ الفداء فليس لدى الأسرى شئ يؤخذ إنما يمكن أن يُقال أنه قبل الفداء الذي سينفذ لاحقاً. فالقول بأنّه “أخذ منهم الفداء” لا يصح أصلاً.

الأرجح في تفسير ﴿…لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ…﴾ إما أن يكون ﴿…فِيمَا أَخَذْتُمْ…﴾ من الأسرى قبل الإثخان – فما كان ينبغي لهم أن يأخذوا أسرى قبل أن يُثخنوا العدو- وإما أن يكون ﴿…فِيمَا أَخَذْتُمْ…﴾ من عرض الدنيا وهو ما كان لدى الأسرى من عتاد ومتاع وهي الغنائم حيث جاء بعدها ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ . وفي كلا الحالتين، يقع اللوم على الصحابة، لا على النبي صلى الله وبارك عليه وآله، إذ يستحيل أن يقع عليه اللوم لقول الله تبارك وتعالى ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنتَ بِمَلُومٍ﴾ . فقد جاء في الحديث “ثم أحل لهم الغنائم” والغنائم هي التي كانت السبب فيما كان من التوبيخ الإلهي في المسارعة في الأسر لأنها ﴿…عَرَضَ الدُّنْيَا…﴾ ولولا أن رحمة الله سبقت غضبـه ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ…﴾ لكان العقاب والعذاب واقع بهم لا محالة فيما أخذوه منها ﴿…لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ولكن ﴿…وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ…﴾ فإن الله سبحانه أخذ العهد على نفسه ألا يعذب قوماً فيهم رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله فشملتهم الرحمة التي يمثلها محمد نبي الرحمة صلى الله وبارك عليه وآله فأحلَّ لهم الغنائم لأجله، ولم تحل لنبي قبله ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّه…﴾ .

أما قبول الفداء من الأسرى فقد بينه الله في مُحكم تنزيله ﴿…فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء…﴾، وليس الفداء هو الغنائم، والآيات تتحدث عن أخذ الغنائم لا عن قبول الفداء الذي أوجب الله التعامل به مع الأسرى، كما قال تعالى في محكم تنزيله ﴿…فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء…﴾. فلا مجال للطعن في قبول الفداء من الأسرى، وهو الذي فعله النبي صلى الله وبارك عليه وآله كما أمره الله تعالى. والقول بغير ذلك يخالف صريح القرآن وفعل النبي صلى الله وبارك عليه وآله.
فالمخالفة والمؤاخذة إنما كانت على الصحابة في المسارعة للأسر لأخذ الغنائم، لا على النبي صلى الله وبارك عليه وآله في تعامله مع الأسرى متبعاً ما يوحى به إليه في قبول الفداء. ولينظر المسلم أين هو من نبي الله المعصوم!! ولنقرأ الآيات المذكورة في الحديث متتالية ليتضح أنّ المقصود بها في المؤاخذة هم الصحابة في تسرعهم للأسر من أجل الغنائم لا النبي في قبوله الفداء. قال تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّباً وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
أما الآيات التي تليها مباشرة فهي التي تخاطب الرسول صلى الله وبارك عليه وآله فيما يتعلق بالأسرى الذين أتى بهم المحاربون إلى نبي الرحمة صلى الله وبارك عليه وآله. قال تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ…﴾ من الغنائم ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وهذه توضح أسلوب التعامل مع الأسرى وهو مخاطبتهم ومقابلتهم بالرحمة التي لم يكونوا يعرفونها من قبل؛ ومواساتهم بطريق الدعوة إلى الخير والصلاح ليغفر الله لهم ﴿…إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ…﴾ وهذه الدعوة جاءت بعد الذي أُخذ منهم – لإصلاح سرائرهم – ليؤتهم الله خيراً منها. فنبي الرحمة إنما بعث ليتمم صالح الأخلاق. فإن استجابوا كان لهم من الرزق خيراً مما أُخذ منهم من الغنائم وتتبعه المغفرة ﴿…وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. والله سبحانه وتعالى يبين لنبيه الكريم أن الإفراج عن الأسرى هو الذي ينبغي أن يتم، ولو كان الذين يراد الإفراج عنهم يبيتون نية السوء والخيانة. ولا ينبغي أن يكون ذلك سبباً في عدم الإفراج عنهم، فالله سبحانه متكفل بحفظ نبيه، ولن تمكنهم خيانتهم من الإفلات إن فعلوا ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ…﴾ فهذه الآيات هي التي تتعلق بأمر الأسرى وكان الخطاب الإلهي فيها موجهاً للنبي صلى الله وبارك عليه وآله ليتبع ما أوحي به إليه.

إنّي لأعجب ممن يريدون أن يضعوا عمر بن الخطاب (رض) في مثل هذه المواقف بهذه الصورة ثم يقولون إنها من مناقبه! فهل من المناقب مخالفة الرسول المعصوم وكتاب الله الحكيم؟ لكأني أرى أن هناك نهجاً وُضِع في بعض الأحاديث يجيز عدم احترام فعل رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، ثم يُصوِّب الرأي المخالِف ويخطئ النبي صلى الله وبارك عليه وآله – حتى لا تكون هناك قداسة لفعله ورأيه وشخصه الكريم- ويُنسب ذلك إلى عمر بن الخطاب (رض) ويُقال إنه من مناقبه!! وفي الحقيقة ليس هناك أسوأ من أن يوصف صحابي بمخالفة رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، لأن ذلك يخرجه عن الصحبة بل عن الإسلام جملة واحدة فالأمر الإلهي للذين آمنوا هو ﴿…وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . وهذا النهج من الأحاديث، وإن وُضِع في صورة مدح لعُمر (رض) وإظهاره بالقوة والشدة، فإنه حقيقةً قدح في حقه ووصفٌ له بالمخالفة والحدّة. كما أنه يلغي عصمة النبي صلى الله وبارك عليه وآله وتقديس فعله وأمره وشخصه الذي فرضه الله على المؤمنين، في قوله تعالى ﴿…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ…﴾ وقوله تعالى ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه﴾ وقوله تعالى ﴿…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ…﴾ وقال تعالى ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ . وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ .

فالحديث لا يرسي أي قاعدة فقهية إسلامية بل يهدم قاعدة حقوق الإنسان في أمر الأسرى، وفي إدارة الحرب في الإسلام، حيث ينبغي أن لا يسارع المحاربون إلى أسر الأعداء، إلا بعد إثخانهم ولا يستمروا بعد ذلك في إبادتهم. فليس للحديث أي أهمية تشريعية في أمر الأسرى سوى تبيان مخالفة عمر لفعل النبي صلى الله وبارك عليه وآله، ومحاولة إظهار صحة تلك المخالفة، ليكون فعل النبي هو الخطأ!!
ولا أظن أن هناك صحابياً يفرح إذا وُصِف بأنه خالف النبي صلى الله وبارك عليه وآله!! ويستحيل أن تكون الصحة في مخالفة النبي صلى الله وبارك عليه وآله. كما أن في الحديث مخالفة صريحة لكتاب الله سبحانه وتعالى فيما ينسب إلى عمر بن الخطاب(رض) حيث يقول الله سبحانه في أمر الأسرى ﴿…فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء…﴾ وعمر يقول بقتل الأسرى!!

قد ذُكر أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله قال قبل بداية الحرب “من لقي منكم العباس فليكفف عنه” فهل يا ترى ذكروا أن عمر(رض) لم يسمع بتوجيه الرسول القائد لجيشه قبل المعركة؟ إذ من المعلوم بالضرورة أن كل كلمة تصدر من القائد قبل المعركة تكون محل سمع واحترام وحرص من جميع المحاربين ناهيك عن أنّ القائد هنا كان رسولاً نبياً. وإذا كان هناك أمرٌ مُسبَق من النبي صلى الله وبارك عليه وآله بعدم قتل العباس في الميدان فكيف يقولون إن عمر(رض) أصرَّ على قتل العباس بعد أن أصبح أسيراً؟!!! وكما ذكرنا إن الحديث قُصِد به تبيان صحة رأي عمر، في مقابلة فعل النبي صلى الله وبارك عليه وآله!!! وقد بيّن الواقع التاريخي عكس ذلك وأن أخذ الفداء كان هو الأصوب. فقد احتاج عمر(رض) في عهده بمن كان حريصاً على قتله اي العباس(رض) ليستسقي به فأنقذ الناس من القحط! فهل كان الأصوب غير ما فعله النبي صلى الله وبارك عليه وآله في قبوله الفداء؟ ولا نسوق ذلك دليلاً على الصحة بل الصحة فيما أمر الله تعالى وفعله النبي.
وجاء في حديث آخر أن عمر قد أمعن في كِتاف العباس بعد أسره حتى أنه كان يئنّ طول الليل ولم ينم رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله من أنين عمه العباس “روى بن عائذ في المغازي من طريق مرسل أن عمر لما ولي وثاق الأسرى شد وثاق العباس فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم يئن فلم يأخذه النوم” . فهل المقصود أن يُفهم من هذا أن في نفس عمر(رض) شئ من تمييز النبي صلى الله وبارك عليه وآله لعمه العباس في قوله “من لقي منكم العباس فليكفف عنه”؟ ولو افترضنا أنّ عمر لم يسمع من النبي الكف عن العباس ألا يوجد ممن سمع ذلك ليقول لعمر ما سمعه من النبي؟ ثم إنه أليس في هذا الفعل إذية للنبي صلى الله وبارك عليه وآله بلغت حد منعه النوم؟ وهل يراد من ذالك إدخال عمر (رض) في الآيـــة ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ؟

ويستمر الحديث ليشمل معركة أحد فيقول “فلما كان يوم أحد من العام المقبل عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء” والمقصود بكلمة “عوقبوا” هنا هو النبي صلى الله وبارك عليه وآله، فهو الذي أخذ الفداء كما جاء في الحديث!! وبُنِي الفعل للمجهول بصيغة الجَمع حتى توارى فداحة المقولة التي يستحي كل مسلم أن تجري على لسانه أو خاطره وهي “عوقب النبي بما صنع يوم بدر من أخْذِه الفداء” “وكسرت رباعيته وهُشِّمَت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وفر عنه أصحابه” هذا القول كأنه شماتة على النبي صلى الله وبارك عليه وآله لأنه أخذ برأي أبي بكر (رض) ولم يأخذ برأي عمر كما قال “ولم يهو ما قلت”. فقد جاء في الحديث “فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت، فأخذ منهم الفداء” والرسول صلى الله وبارك عليه وآله لا يتَّبِع الهوى بل يتَّبِع ما يوحى إليه. قال تعالى ﴿…إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ…﴾ . والحديث يقول إن النبي صلى الله وبارك عليه وآله تصرف بما يهوى!!! فهل هذا نهج عمر بن الخطاب (رض) الخليفة الثاني؟!!

كما ذكرنا فإن السبب في هزيمة الصحابة في معركة أُحُد كان هو مخالفة وعصيان الصحابة المُحاربين لأمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله وترك مواقعهم، وليس قبول النبي للفداء من الأسرى في معركة بدر في السنة السابقة – الذي هو الحق من عند الله – لأن العقاب والعذاب إنما يكون بمخالفة أمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله لأن طاعته طاعة الله، ومن أجل هذا جاء التحذير الإلهي من مخالفته ﴿…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فكانت هزيمة الصحابة في معركة أُحُد نتيجة المخالفة للأمر المحمدي الذي حذرهم منه الله سبحانه وتعالى لأنّ أمر الرسول تجب طاعته جزماً دون تردد لأن طاعة الرسول لا تنفك عن طاعة الله لقوله تعالى ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ…﴾ . والآية التي ذُكرت في الحديث تشير بوضوح إلى ذلك حين تُقرأ كاملة وهي ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . فالخطاب الإلهي موَجَّه إلى الذين كانوا يتساءلون ﴿…أَنَّى هَـذَا…﴾ وحاشا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله أن يكون هو المُعترض على الله فيما أصابهم ويقول لربه ﴿…أَنَّى هَـذَا…﴾، فالتساؤل هو من الصحابة المحاربين الذين كانوا يتوقّعون النصر كما كان في معركة بدر، ويبدو من صيغته أنه موجَّه من قِبَلِهم للنبي القائد صلى الله وبارك عليه وآله كأنهم يتساءلون عن التدخل الإلاهي لنصرتهم لأنهم يحاربون الكفار لنصرة دين محمد صلى الله وبارك عليه وآله.

فجاء الرد الإلهي عليهم في تساؤلاتهم ﴿…قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ…﴾ (لمخالفتكم أمر النبي وترك مواقعكم). لأن مخالفة النبي صلى الله وبارك عليه وآله هي معصية الله تعالى قال تعالى ﴿…وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ…﴾ ، ولا نصرة في مخالفة الرسول ولو كان العدو كافراً!! وكانت المخالفة لأمر النبي هنا أيضاً ليُصيبوا الغنائم حينما رأوا بوادر النصر وهزيمة المشركين، فتركوا مواقعهم، التي أمَرَهُم النبي صلى الله وبارك عليه وآله بالبقاء فيها وإن تَخَطَّفَهم الطير، وأرادوا مرة ثانية ﴿…عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ…﴾ . قال تعالى ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ومخالفة أمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله محتومة نتيجتها بالعذاب ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . فكيف يرجون النصر من عند الله ويقولون ﴿…أَنَّى هَـذَا…﴾ وهم قد خالفوا أمر نبيهم رغم تحذير الله لهم؟ فقال تعالى ﴿…قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ…﴾ وهذا هو الرد الإلهي على تساؤلهم عن هزيمتهم في معركة أُحُد من قِبَل المشركين. ليعلموا، بل ليعلم كل ذي بصيرة مؤمن يرجو الله واليوم الآخر أنّ طاعة أمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله أهم من هزيمة الكفار والمشركين وجهادهم.

فكيف يُغَضُّ الطرفُ عن عصيان الصحابة المحاربين لأمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله؟ وهو من الكبائر التي توجب الفتنة والعذاب الأليم، وهو الذي كان سبباً مباشراً في نتيجة معركة أُحُد، فكيف يُعدَل عنه ليقال إن قبول النبي صلى الله وبارك عليه وآله الفداء من الأسرى في معركة بدر – قبل عام ومخالفته لرأي عمر!- كان هو السبب المباشر في هزيمة الصحابة في معركة أُحُد؟؟! وأقول هزيمة الصحابة لأن النبي صلى الله وبارك عليه وآله لم ينهزم ولم يرجع عن الموضع الذي كان فيه في المعركة خطوة إلى الوراء. عن علي رضي الله عنه قال: “ثم كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون منا أحد أدنى من القوم منه” ، فقد ظل صامداً شامخاً، دونه الجبال الرواسي، يدعوهم في أُخراهم وهم مُنهزمون لا يلوون على أحد كما وصفهم الله تعالى ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلاَ تَلْوُونَ عَلَى أحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ…﴾ والانهزام صفة لا تليق برسول الله صلى الله وبارك عليه وآله كامل الصفات، ولا ينبغي نسبتها للمعصوم. فلا يُقبَل بأي حال من الأحوال أن يُقال إن فعل النبي الحق في معركة بدر هو السّبب في الهزيمة في معركة أُحُد، لِتُرفع المُخالفة عن الصحابة في عدم التزامهم واحترامهم بل عصيانهم لأمر النبي الكريم صلى الله وبارك عليه وآله التي أثبتها الله تعالى في محكم تنزيله ﴿…وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ..﴾ وتُلقى اللائمة على خير البَشَر المعصوم لمخالفته لرأي عمر، طعناً في صحة فعله في إتباعه لوحي ربه الذي أكَّده الله تعالى في كتابه العزيز ﴿…إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ…﴾ .

يلاحظ في الحديث جملة “وفرَّ عنه أصحابه”، وهي التي تصف الصحابة بالفرار من المعركة والانهزام، وهي محلٌ للتساؤل؛ لأنها تبدي الراوي الذي ينسب إليه الحديث كأنه ليس واحداً من أصحاب النبي صلى الله وبارك عليه وآله المحاربين في معركة أحد وكأنه مراقب للمعركة من مكان بعيد وإلا كان هو من جملة الفارين!!

خلاصة الحديث هي أن ما قيل عن “معاقبة النبي” صلى الله وبارك عليه وآله في يوم أحد (“وكسرت رباعيته وهُشِّمَت البيضة على رأسه وسال الدم على وجهه وفر عنه أصحابه”) يعزى إلى مخالفته رأي عمر وأخذه الفداء في معركة بدر قبل عام! ولم يشفع له بكاؤه آنذاك! وأنّ رأي عمر كان أفضل من فعل النبي الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله! وأنّ الله سبحانه أيّد عمر وخطّأ نبيه الذي أرسله! ويُغَض الطرف عن مخالفة الرماة ومعصيتهم لأمر النبي صلى الله وبارك عليه وآله الذي أثبته الله في كتابه ﴿…وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ…﴾ وتركهم لمواضعهم التي أمرهم النبي صلى الله وبارك عليه وآله بالبقاء فيها وإن تخطفهم الطير! وهو الذي كان السبب المباشر لهزيمتهم في معركة أحد لأن عدم طاعة النبي صلى الله وبارك عليه وآله هي عدم طاعة الله سبحانه!.
فهل هذا هو الدرس المقصود الذي يستفيده المسلمون من معركة بدر؟ بمعنى أن مخالفة النبي صلى الله وبارك عليه وآله لصحابي توجب عليه العقاب والهزيمة، ومخالفة الصحابة للنبي وعدم طاعته التي هي عدم طاعة الله يُسكت عنها في الحديث ولا يُرى غبار عليها ولا يُرى أثر لها في النتيجة ؟! أما آن الأوان لمراجعة مثل هذه الأحاديث ؟؟ ألا يدخلنا المنع في تناول المصادر بالتدقيق لمراجعة مثل هذه الأحاديث في قول الله تبارك وتعالى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا…﴾ أليس الأجدر أن يوصف الصحابة (رض) بأنهم أكثر الناس إلتزاماً بطاعة النبي صلى الله وبارك عليه وآله التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليهم بدلاً من أن يوصف أحدهم بمخالفة النبي صلى الله وبارك عليه وآله ومحاولة تصويب تلك المخالفة؟ وهل يُمدح الصحابي بمخالفته لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله أم بطاعته؟؟. فهل يُراد من أمر أسرى بدر شيء غير إثبات اللوم على خير البشر؟ وهل هذه طريق النجاة عند الله في اليوم الآخِر؟ ﴿وكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾

شاهد أيضاً

سيدات زحل

( ثقافات ) ننشر تاليا رواية الأديبة العراقية لطفية الدليمي “سيدات زحل” قراءة ممتعة لمتصفحي …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *