الرئيسية / إضاءات / كتب فتح الله كولن ورسائل النورسي تعيد ترتيب الخطاب الصوفي لدى الجزائريين

كتب فتح الله كولن ورسائل النورسي تعيد ترتيب الخطاب الصوفي لدى الجزائريين


الحبيب السائح

شهدت مؤخرا كتب المفكر التركي “فتح الله كولن” رواجا كبيرا في الجزائر، خاصة بعد ترجمتها إلى العربية واحتفاء الكثير من المتدينين أو الذين يقرؤون الكتاب الديني بها، هذا المفكر الذي يدعو إلى التسامح، المحبة والإخاء يقدم لنا سلسلة كتب أهمها: “النور الخالد” وهو خاص بالسيرة النبوية برؤية جديدة لم يعتد عليها قراء السيرة لدينا، كذلك “التلال الزمردية”، كتاب “عودة الفرسان وآخر الفرسان” الذي يتحدث فيه عن شخصية بديع الزمان النورسي. يلقب فتح الله كولن بـ “خميني الأتراك والدرويش العملاق”، وهذا لتأثيراته الكبيرة في ميدان التصوف ولكن لابد أن نعرف أن مجمل أفكاره مأخوذة من بديع الزمان النورسي، الذي كتب بدوره كتاب رسائل النور. وعليه سنحاول في هذا العدد من ملحق “الفجر” اكتشاف قراء فتح الله كولن من جانب وكذا الدخول إلى مدارس النور التي تحتفي بها الجالية التركية في الجزائر وتدعو إليه كل الذين يجدون الراحة والاطمئنان في رسائل سعيد النورسي.

نبدأ الموضوع من جادة حسيبة بن بوعلي، أين دخلنا مكتبة تحوى على كتب فتح الله كولن، سألنا فريد القائم على المكتبة عن الإقبال على هذه الكتب فأخبرنا: “نعم، تباع هذه الكتب وهي مطلوبة من الجانبين” ولكن علينا أن نفهم ما معنى الجانبين؟ أردف فريد موضحا: “هناك فئة معينة تشتري الكتاب الديني هؤلاء المتدينين يطلبون كتب فتح الله كولن ويعتبرونها كتب دينية، وكذلك الذين لا يقرؤن الكتاب الديني، والمهتمين بالرواية والفكر بحيث يعتبرونه مفكرا، “بقينا لبعض الوقت في تلك المكتبة ننتظر أن يطلب أحدهم كتب كولن ولكن ذلك لم يحدث”.

“لا تحزن” يساهم في تجهيل المسلمين وتبسيط عقولهم وبلورة حمقهم:

ما سرّ هذا الاتفاق على كتب فتح الله كولن؟، حول هذه الزاوية يحدثنا المختص الصوفي الجزائري زعيم خنشلاوي: “فتح الله كولن ظاهرة فريدة من نوعها في التصوف وفي الخطاب الديني الإسلامي، هو وريث مدرسة النورسي بحيث يعتبر حاليا الوارث الأكبر لبديع الزمان النورسي، والنورسي أيضا ظاهرة عجيبة في التصوف كان لها دورا كبيرا ومحوريا في النهضة الروحية وليس الدينية في تركيا، آنذاك وفي النصف الأول من القرن الماضي كان هناك قمع علماني كبير أثر نوعا ما على استمرارية الإسلام في تركيا، فكان لبديع الزمان النورسي دورا في ترسيخ القيم الروحية واليوم ورث فتح الله كولن عنه هذا الانفتاح العجيب على العالم، هؤلاء سايروا التيارات الماركسية والعلمانية المتشددة التي لا تشبه علمانية اليوم التي لا تتعدى حدود المدنية، كل هذا ولديهم نوع من الطرح الديني الجديد في قمة الحيوية والانفتاح والتسامح، هذا ما جعله مقروءا من طرف السلفيين ومن طرف الصوفيين، هؤلاء وأقصد المسلمين غير العرب يتمتعون برحمة إلاهية أكثر مما هي موجودة لدى العرب، يظهر ذلك جليا في النظافة في النظام وأنا أقول هذا لأنني عربي ولابد من نقد ذاتي لذا ما يكتب في التصوف لدى المسلمين غير العرب أعمق وأهم بكثير مما يكتب لدى العرب، كما أن هؤلاء ليسوا منغلقين في لغة واحدة، فتح الله كولن يملك لوحده مكتبة كاملة من سيرة وتأمل وبلغات العالم، كولن يكتب بالإنجليزية ويوجه خطابه للغرب، أما العرب فلا يكتبون غير “لا تحزن” وعذاب القبر” و”أهوال القيامة” كل هذا سطحي، وهامشي يساهم في تجهيل المسلمين وتبسيط عقولهم وبلورة حمقهم”.

بكل هذا الاستياء يقف المختص الصوفي الجزائري زعيم خنشلاوي أمام ما يكتب عن الإسلام من طرف العرب، كما يوضح أن الخطاب الصوفي العربي مستمر بسبب كرامة إلهية لا غير وعن هذا يوضح: “التشدد الوهابي أغلق الطريق على كل المحاولات الصوفية هذا التشدد لا يسمح بتواجد الآخر، يحاربه ويلغيه ولا يسمح له بطرح فكره، وبالتالي لم يستمر الخطاب الصوفي وبقي محصورا في التراث الأول، لأن جميع الحضارات التي مرت على العرب من أمويين وعباسيين وأندلس كانوا يسمحون للآخر بالتواجد والتعبير عن وجوده هناك حواضر كثيرة على غرار بجاية وتلمسان ساهمت كثيرا في بسك هذا الخطاب، لأن هؤلاء كما ذكرت سابقا كانوا يحترمون الآخر وفي المسجد الواحد كانت توجد حلقات المعتزلة، الأشاعرة، الحنابلة والصوفية من دون تصادم عكس التيار الوهابي السلفي الذي يرفض الآخر بشكل مطلق فسيجعلنا نزداد تخلفا”.

كولن أضاف التسامح المسيحي على الإسلام:

هناك نقطة هامة ذكرها الدكتور زعيم خنشلاوي مفادها أن بديع الزمان النورسي قدّم صورة جديدة للإسلام الروحي وربما هذا ما هو مغيب لدينا لدرجة أن أحدهم وهو (سفيان. م) قال لنا هذه العبارة: “فتح الله كولن أضاف التسامح المسيحي على الإسلام”، وهذا يؤكد لنا أن الجيل الجديد للسلفية والوهابية لا يرى في الدين الإسلامي سوى أهواله وتوعداته ويعتبر التسامح من صفات الدين المسيحي وهذا خاطئ تماما، الدين الإسلامي هو أصل التسامح ودين العالمين.

برفقة سفيان مقنين سندخل إلى مدارس النور في الجزائر، والتي تنظم حلقاتها الجالية التركية في الجزائر، يخبرنا سفيان عنها قائلا: “هناك مجموعة من التجار والطلبة الأتراك في الجزائر يقومون بتنظيم حلقات خاصة برسائل النور لبديع الزمان النورسي، تكون فيها الدعوة أن يأتي كل فرد منهم بصديق وذلك الصديق يأتي بصديق جديد. بعدها ندخل إلى شقة مرتبة، نجلس في هدوء ثم يقدمون لنا كتيبات صغيرة فيها رسائل النورسي، يقوم الأتراك بقراءة جماعية باللغة التركية، ثم يقدمون ترجمة لذلك باللغة العربية، ويبدؤون بشرح تلك الرسالة، الرسائل التي حضرتها كانت مسالمة تدعو إلى المحبة وإلى خطاب جديد علينا في الحقيقية، لذا شخصيا أشعر باقترابه من المسيحية”.

مدارس النور: الانتشار العالمي:

وعبثا تقنع (سفيان. م) أن ذلك لا يمت بصلة للدين المسيحي وإنما هي روحية الإسلام.. من جانبه ياسر مصيطفى الذي حضر بعض هذه الحلقات يقول لنا: “كل هذا كان اكتشافا حقيقيا بالنسبة لي، هذه الحلقات جعلتني أنتبه إلى الخطاب الصوفي الجديد وشجعتني على قراءة كتب متعلقة بالموضوع على شاكلة كتب فتح الله كولن، وعرفت أيضا أن مدارس النور موجودة في كل مكان من العالم وهي مدارس روحية تشجع على التأمل في الدين الإسلامي”.

هناك انتشار كبير بالفعل لمدارس النور في العالم وفي المغرب الشقيق هناك المؤتمر السنوي للتفسير الأدبي في كليات رسائل النور عند بديع الزمان سعيد النورسي، وكذا في بلدان إسلامية أخرى لما تحمله من قيم التسامح والمحبة، غير أننا في الجزائر لا نزال مع سطوة الوهابية السطحية تقرأ كتب “لا تحزن” وأهوال القيامة في حين أن الإسلام أعمق من ذلك بكثير.

التعريف برسائل النور:

ولد سعيد النورسي الملقب بـ (بديع الزمان) في قرية (نُوْرس) الواقعة شرقي الأناضول في تركيا عام (1294 هـ – 1877م) من أبوين صالحين كانا مضرب المثل في التقوى والورع والصلاح، ونشأ في بيئة كردية يخيم عليها الجهل والفقر كأكثر بلاد المسلمين في أواخر القرن الماضي، وبدايات هذا القرن. وإلى قريته (نُوْرس) يُنْسَب.

وقد بدت عليه أمارات الفطنة والذكاء منذ طفولته، ولما دخل (الكُتّاب) وتتلمذ على أيدي المشايخ والعلماء بهرهم بقوة ذاكرته، بداهته، ذكائه، دقّة ملاحظته، قدرته على الاستيعاب والحفظ، الأمر الذي جعله ينال الإجازة العلمية وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أن تبحّر في العلوم العقلية والنقلية بجهده الشخصي، فقد حفظ عن ظهرغيب، ثمانين كتابا من أمّات الكتب العربية كما حفظ القرآن الكريم في وقت مبكر من حياته الخصبة الحافلة.

كما عكف على دراسة العلوم العصرية، أو العلوم الكونية الطبيعية، (رياضيات، فلك، كيمياء، فيزياء وجيولوجيا) الجغرافيا، التاريخ والفلسفة الحديثة وسواها من العلوم، حتى غدا عالما فيها، ومناظرا فذّا للمختصين بها، وصار له رصيد ضخم من المعلومات، مكّنه من الانطلاق من مرتكزات علمية سليمة.

كان طالب العلم سعيد النورسي شديد الاحتفال، الاشتغال والتعلّق بالفلسفة والعلوم العقلية، وكان لا يقنع ولا يكتفي بالحركة القلبية وحدها، كأكثر أهل الطرق الصّوفية، بل كان يجهد لإنقاذ عقله وفكره من بعض الأسقام التي أورثتها إياه مداومة النظر في كتب الفلاسفة.

في عام 1894 تناهى إلى سمعه أن وزير المستعمرات البريطاني (غلادستون) وقف في مجلس العموم البريطاني، وهو يحمل المصحف الشريف بيده ويهزّه في وجوه النواب الإنجليز، ويقول لهم بأعلى صوته:

“مادام هذا الكتاب موجودا، فلن تستطيع أوروبا السيطرة على الشرق، ولا أن تكون هي نفسها في أمان. لذا، لا بدّ لنا من أن نعمل على إزالته من الوجود أو نقطع صلة المسلمين به”.

فصرخ العالم الشاب سعيد النورسي من أعماقه:

“لأبرهنّ للعالم أجمع بأن القرآن العظيم شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن إطفاء نورها”.

نستطيع تمييز مرحلتين في حياة الإمام سعيد النورسيّ:

الأولى: مرحلة سعيد القديم، وتبدأ من مولده حتى نفيه إلى بلدة (بارلا) عام 1926 وهذه المرحلة هي مرحلة الإعداد الذاتي لنفسه ومرحلة العمل الفردي، وخوض المعارك السياسية، مدافعا عن الخلافة، عن القرآن والإسلام، مهاجما أعداء الإسلام وأعداء الخلافة والقرآن.

– وفي هذه المرحلة سافر إلى إسطانبول عام 1896 ليقدم مشروعاً لإنشاء – جامعة إسلامية حديثة في شرقي الأناضول – بلاد الأكراد – وأطلق عليها اسم (مدرسة الزهراء) لتكون على منوال (الأزهر) في مصر، غير أنها تختلف عن الأزهر بتدريس العلوم الحديثة إلى جانب العلوم الشرعية والعربية، وذلك من أجل النهوض بالأكراد المسلمين المهملين الذين يفتك بهم الجهل والفقر والتخلف. ولكنّ النورسي لم يلق قبولا من السلطان عبد الحميد ومن وزير داخليته.

– وفي عام 1907 سافر مرة أخرى إلى إسطانبول، للغرض ذاته، وقابل السلطان عبد الحميد، وانتقد الاستبداد ونظام الأمن واستخبارات القصر (يلدز) فأثار عليه حاشية السلطان، وأحالوه إلى محكمة عسكرية.

وكان النورسيّ في منتهى الشجاعة في التعبير عن رأيه أمام القضاة العسكريين، الأمر الذي جعل رئيس المحكمة يحيله إلى الأطباء النفسانيين، للتأكد من سلامة قواه العقلية وكانت لجنة الأطباء المؤلفة من طبيب تركي وآخر أرمني وثالث رومي ومن طبيبين يهوديين (!!!) قررت وضعه في مستشفى (طوب طاش) للمجانين (!!!).

وعندما حضر طبيب نفساني إلى المستشفى، لفحص قواه العقلية، بادره النورسيّ بحديث رائع عميق يأخذ بالألباب، فما كان من الطبيب إلا أن يكتب في تقريره:

“لو كانت هناك ذرّة واحدة من الجنون عند بديع الزمان، لما وُجد عاقل واحد على وجه الأرض”.

(منقول من موقع بديع الزمان النورسي)


( الفجر الجزائرية )

شاهد أيضاً

امتحان الحبّ.. الفلسفي

*د. فتحي المسكيني ما بين 1925 و1975 تبادل مارتن هيدغر وحنّا آرندت ـ وهما من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *