الرئيسية / نصوص / نـص الخيـبــــة

نـص الخيـبــــة


جميلة عمايرة *

( ثقافات )

 

بعيدة عن كل شيء ووحيدة.

أرتب خيباتي وأعدها خيبة إثر خيبة. وصلت المئة، ويبدو انني لن أتوقف عن العد.

الطريق التي اعدها مرتين اثنتين باليوم، مرة صباحا، ومرة مساء عند العودة، اكتشف انها تعبرني وانني ما ازال في مكاني لم ابرحه قط.

صوتك بعيد وناء، صوتك بمقدوره ان يقتلني، بل لعله يرغب في قتلي هذه المرة وبشدة.

صوتك الذي يجعل قلبي يثب من مكانه عند سماعه، هو من يعيدني الى رشدي، لكنني أحاول هذه المرة جادة وبصدق أن اكون راشدة بدونه، لأحصي كم تبقى لي مني، كم حلم وكم عين، وكم دمعة، وكم اصبع لاستطيع العد دون ان اخطىء كما تزعم دائما.

اصبع واحد كفيل بتدوير رقم هاتفي، وبالاصبع نفسه يقرع الباب، وبعين واحدة ارى ما خلفه.

ينبغي لك ان تتخيل شكل الحياة مؤخرا بلا صوتك.

ازرق. ازرق كالسماء، كالبحر كالخرز الذي يحمي من العين. احمر فاتح احمر، احمر غامق، احمر داكن كسماء دمشق وليلها ونهارها الطويل الطويل. اخضر. اخضر زيتوني بلون عيني “توتو”، غامق بلون عيني قطتنا، ليلكي حالك “الى الجحيم ايها الليلك” او اورانج “اخذته شركة اتصالات كبرى في البلد،” وردي. وردي مائل الى اللحم الذي يسحق ويقطع في الطرقات وازقة وعتبات البيوت، والعالم يغمض عينيه. اصفر، اصفر الذي لا احبه لانه يذكرني بالخريف، والخريف باكرا تسلل الى قلبي فكنت سيدته بلا منازع. كل ما تبقى لي “بالابيض والاسود” وافتتاني بلوركا وغرناطته.

هل ما زلت في مدينتي نفسها؟ ام في المدينة التي تجاورها؟ لا اعرف اذ انني بت مؤخرا لا اتابع تحركاتك او اتسقط ما يرشح من اخبار عنك، ام لا تزال في المدينة نفسها، فالشارع الذي اقطنه اعرف انه يتقاطع في قلبي مع الشارع الموصل لبيتك، والمسافة تضيق بيننا، ومع هذا بت احتاج طائرة “مقاتلة” تخترق حاجز الصوت بسرعة غير مسبوقة لاراك.

امحوك، امحوك واعد النجوم بأمل ان تهديني سواء الطريق وسواء القلب معا.

كما لو كنت وراء نافذة ضيقة ومغلقة منذ امد بعيد اقفز الان من الحلم اقفز الى الارض وارى بعينين مخضلتين بالدمع او الدم الفرق بين الحلم في الارض التي تهتز محترقة تحتي والحلم في الحلم: كان اقل خيبة!

كما لو ان على رأسي الطير في حلم “صاحبي السجن”، عبثا احدق بالبياض: صرخة مقطوعة الانفاس.

بعيدة عن كل شيء ووحيدة.

في غيابي لم يحدث شيء: وعمان لم تنتحب او يشحب لونها. اما عني: اخشى انني ساجف قريبا مثل قميص نشرته “لوليتي” للتو.

اجد المكان موحشا. الا تشعرون بهذا؟

لكي انام: اشم رائحتك في جسدي كل ليلة.

يا الغريب يا قلبي.

كنت ارغب بالتحدث عن الحلويات التي افضلها في ليالي الارق هذه وانا بعيدة ووحيدة، مثل: حراق اصبعه، او قلبه، لا يهم، فالحرق واحد، اوالكرابيج، كرابيج حلب، هل ثمة كرابيج وحلب تحترق؟ او ام علي حتى اصل لللاكلات اللذيذة التي تعدها امي على عجل مثل: شيخ محشي او شيخ مسافر او حتى ربيعية، لا تشبه ربيع دمشق المخضب بالدم، كانت ستكون امسية رائعة لولا انني كنت بعيدة فوصلت متأخرة ولم يكن احد بانتظاري.

نارك عمياء، لم تتعرفني وانا احترق بأتونها.

جميلة انا حتى في الحزن.

مرج البحرين يلتقيان، “فبأي الاء ربكما تكذبان” ولا تلتقي خطواتنا.

احزان ال”هنا” تكفيني، فلما البحث عن احزان ال”هناك”؟

ربما، كما بت اعتقد مؤخرا، ان الحكاية في جذورها تبدأ من ال” هناك: لست سوى امرأة حزينة، وتشعر بالضجر من تلقاء روحها، تحاول ان تكتب شيئا ما، تحت سطح بيت عتيق وصغير، تحصي حيباتها واحدة وراء الاخرى، دون ان تخطئ بالعد، لمرة واحدة، وتكتفي من الغنيمة بالاياب.

شاهد أيضاً

كـؤوس الـظـمـأ

خاص- ثقافات *أحمد غانم عبد الجليل تستغرب السيدة العجوز ارتباك حسان بواب العمارة، تفصد العرق …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *