الرئيسية / إضاءات / المسافر الحزين

المسافر الحزين


د. محمد القضاة *

 

 يا حبيب الزيودي: ماذا أقول ووجع الحرف يدمي قلبي؟ ماذا أخبر الأحباب عنك وكنتَ الفتى الغرّيد، تبكيك حروفي وهي تتذكر آخر لقاء يجمعنا حين حضرت، والشعر يندب ذلك الصديق وأنت غير مصدّق ما قارفته أوجاعه وسياطه.. امْضِ يا حبيب إلى دنياك الأبدية، فأنت ابن هذا الوجع.. ألستَ القائل:
«يا ليتَ شِعري، هَل يَفيدُ تَوجُّعِي
روحي مُهشّمةٌ، وَجُرحي يَنزفُ
يَا ريمُ، بِي وَجعٌ، وبِالصحراءِ قَحْطٌ
والرجالُ تَناثروا
تتنهّد الفصحى عَلى صَدري
وفي بالي مواويل..
ولكن الدروبَ إليكِ مُغلقةٌ
وَحظِّي عَاثر»..
ماذا أقول عنك وقد زرعت الوطن في شعرك، وتدفقت حروفك في الروح تعلن للقادمين والذاهبين أنّ الوطن هو الروح والحياة، فلا ينساك من قرأ:
«ألا أيُّها الوَطَنُ المُتَدَفَّق في الرُّوح
يا أعذبَ الأُغنِياتِ
شمالاً تحدُّك روحي
جنوباً تحدّك روحي
وروح الشهيد تحدّك يا وطني من جميع الجهاتِ
إذا محلَ الزرعُ لا تخذل الحقلَ يا زكريا
وإنْ شحّ غيثُ السماء فكن يا بنيّ سخيّا
وأوصيك بالأرض فهي العباءة إن هتكتْ
سيرى الناس عرْيَكَ لو ألبسوك من الخزّ زيّا..».
وكأني بك لا تنسى عرار الشاعر وهو يقول:
«يا أردنيّات، إن أَودَيْتُ مغترباً
نسِجنَها –بأبي أنتنَّ- أكفاني
وقُلنَ للصَّحبِ: وارُوا بعضَ أعظُمِهِ
في تَلِّ إربدَ أو في سَفحِ شيحانِ..
يا يوم عمّان جدد يوم شيحان
لا الدار داري ولا الخلاّن خلاّني
ولا المناكيد زاروني لأخبرهم أني
انتهيتُ، وأن الموت وافاني
وأن صومعة النساك قد هدمتْ
وأن أكواخهم رمزٌ لإيماني
لا بارك الله في قومٍ عرفتُهم، بعد
التجارب أعداء لأوطاني
و أنهم خسةٌ، أعداء مكرمة ما أكرم الموت، أبقاهم وناداني».
وكأني بك أيها المسافر في وجع الكلام لا تنسى ولا تبارح عرار الذي عاش فيك وعشتت فيه، روحان يتناوبان حزناً وألماً وعشقاً لتباريح المكان، فهل أنساك يا حبيب حين قلتَ:
«مسافرٌ ما احتواني شارع تَعبٌ
تناهشتني بعمّان المحطاتُ
حمام واديك يشدو في مضاربنا
فتصبح الأرض جذلى والسماواتُ
يا أردنيات أشلائي مبعثرة
فمن تلملمني يا أردنياتُ».
لا أدري وأنا أودّعك ماذا تقول العالوك وربى الأردن في رحيلك المبكر، وأيهما يبكي؛ تلك القباب التي تنتظرك أم أثير عمّان، أم مدرجات «الأردنية» وقاعاتها؟ ها
أنت ترحل وتترك الشعر وأوجاعه.. تترك الصحب بصخبهم وأشتاتهم، تترك وجعاً أردنياً بامتياز، وجعاً في عيد الأضحى حين كان المتنبي يعدّ لرحيله الأخير من مصر وهو يردد:
«عيدٌ بأيّةِ حالٍ عدتَ يا عيدُ
بما مضى، أم لأمرٍ فيكَ تجديدُ».
ترحل في العيد الكبير وقد تركت جرحاً غائراً في قلوب الصحب وفي قلب الجامعة الأردنية التي تستعد لتقديم أوبريتِها الخمسيني الذي سهرتَ الليالي وأنت تكتبه وتشرف على إيقاعاته وتراً وتراً وحرفاً حرفاً.. ها أنت ترحل قبل ميلاده، وربما تكون هذه القصيدة هي الأخيرة التي تكتبها وتهديها للجامعة الأردنية. وها هو السرو يقف شامخاً في «الأردنية» ومغنّيه يسافر إلى رحلته الأبدية.. وها هي القباب شاهدٌ على حب هذا الفتى المجبول بعشقها، لن تنسى «الأردنية» في خمسينيتها السرو والقباب، وستبقى على ألسنة الأجيال مهما تقادم الزمان وتباعدت الأمكنة:
يممتُ وجهي شطرَ بابكْ
واتجهتُ إلى قبابكْ
وخشعتُ إذ حطَّ اليمامُ
على القبابِ وإذ سما بكْ
والشمس سالت فضّةً
والحبرُ شعَ على كتابكْ
ما الشعر إلا السرو لوّحَ
من بعيدٍ في ضبابكْ
ما زادت الخمسون فيك
سوى التجدُّد في شبابكْ
ومواكب العلماء تلمعُ
كالزمّرد في ثيابكْ
أكرم بركب الذاهبين
إلى الحضارة في ركابكْ
جاءوا كأفواج اليمام
مع الصباح إلى رحابكْ
طلبوكِ أن تهبيهم الدنيا
وجَدُّوا في طِلابكْ
ولكم كساكِ الثلجُ ثوبا
وهو يندفُ من سحابِكْ
المجدُ في ظلّ اليراع
وليس في ظلّ السنابكْ
وبما وهبتِ من المعارف
والعلوم إلى شبابِكْ
يا لحنُ أشرِقْ حين تعزفُها
ورقرقْ في انسيابكْ.
لا أنساك يوم جئتَ قسمَ اللغة العربية قبل شهور، القسم الذي تخرجت فيه وقد احتفى يومها ب «يوم الشعر العالمي» بقراءات شعرية قدمتَ فيها قصائدك المنوعة والملونة بموضوعاتها وإيقاعاتها، فكانت باقة من مشاعر يمتزج فيها الحزن بالحب والغزل بالوطن..
لا أنسى حديثك بمرارة مع أساتذتك الذين كنت تحبهم وتبادلهم الشوق والشعر والحزن.. لا أنسى حديثك مع سمير قطامي بمرارة الشوق والحنان لتلك الأيام التي سافرت وتركتك مع الشعر..
سافر يا حبيب إلى دنياك الأبدية، ولا نملك غير الدعاء إلى الله أن يرحمك ويغفر لك ويحسن نزلك.. إنه الوداع بلا لقاء،‏ وسلام عليُك إذ تودّع هذه الحياة، وسلام عليك حين تُبعَث حياً.
يقول الشاعر إبراهيم الكوفحي:
«أحبيبٌ.. كيف تعذّب الخلاّنا
ماكان قلبك قاسياً (صوّانا)
عهدي به (دحنونة) في ربوة
(العالوك) كم رفّت هوى وحنانا
أوَهكذا تنوي الرحيل إلى السما
في الليل، لا خبراً ولا إعلانا
ما كان ضَرّك لو مكثتّ هنيهةً لنقبّل الخدَّيْنَ والأجفانا
ونودّع الروح التي يا طالما شعّتْ نشيداً خالداً.. فتّانا».

* ناقد وأكاديمي من الأردن

( الرأي الثقافي )

شاهد أيضاً

امتحان الحبّ.. الفلسفي

*د. فتحي المسكيني ما بين 1925 و1975 تبادل مارتن هيدغر وحنّا آرندت ـ وهما من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *