الرئيسية / إضاءات / الترجمة الناقصة

الترجمة الناقصة


فاطمة المزروعي *

إذا نظرنا إلى خريطة العالم العربي، وإلى عدد سكانه الذي تجاوز ثلاثمئة مليون، ثم نظرنا إلى الكتابة والانتاج الأدبي العربي بصفة عامة، فإننا سندرك أنها لم تصل إلى المرحلة التي تجعلنا أمة قارئة في صف الأمم العالمية الأخرى. لم تحدث استفادة من تنوع وثراء الساحة العربية، كما لم تستفد الحركة الأدبية من وجود عدة تيارات ثقافية تتلاقى وتتفاعل مع بعضها البعض. هذا في جانب الانتاج الفكري العربي، لكن الوضع أكثر قتامة عند النظر نحو الحضور العربي على الساحة العالمية فهو لا يتماشى ولا يتواكب أبدا مع الانتاج الإنساني لأي أمة أخرى.

أحيانا يخيل إلينا أننا نعيش ذاتية غريبة، فكل بلد له مثقفوه وطقوسهم وتوجهاتهم، والبلد الآخر له أدوات ووسائل أخرى مختلفة وهكذا… قد يرى البعض أن هذا مؤشر إيجابي ومفيد ويعده تنوعا لن يخرج من عباءته إلا المتميز، إلا أنه وخلال السنوات الماضية بات واضحا ضعف العرب في تواصلهم مع الحركة العالمية في مجالات الأدب والتأليف.

في معارض الكتب العالمية، يكون الحضور العربي شرفياً ومحدوداً جدا، وتكون المشاركة خجولة ومتمثلة بمجموعة محدودة وقليلة من الكتب التي تمت ترجمتها، من دون برامج وندوات ومحاضرات. صحيح أن كل دولة من الدول العربية تختلف عن الأخرى في جانب الحضور والمشاركة، لكن تبقى معضلة التواجد العالمي خجولة، وتتم على استحياء وكأنها فقط تسجيل للحضور لا أكثر.
 

هناك عدة أسباب لمثل هذه الحالة العربية، فنظرة واحدة لخريطة العالم العربي والتساؤل عن مدى الترابط البيني بين البلدان العربية وتفاعلها وتقاطعها وتواصلها مع بعض في الجانب الأدبي ستجدها قليلة وتكاد تكون معدومة، بل إذا وجدت مبادرات شخصية وفردية من هنا أو هناك تكون بعيدة عن العمل المؤسساتي والفعل الاحترافي في إقامة مناسبات ثقافية يكون لها صدى وحضور.

نجاح ولكن…

لا يمكن أن يتم تغييب بعض الأمثال العربية الأدبية الناجحة في هذا السياق والتي وصلت إلى العالمية، ولكنها تبقى قليلة وشحيحة ولا تتماشى مع قيمة العالم العربي بكل مقدراته وتنوعه. وهنا يظهر تساؤل عن الأسباب في كل هذه الذاتية والانغلاق وعدم انتشار الكتاب العربي وعدم الاحتفاء به عالميا. ولا شك أن أول الأسباب وأهمها يكمن في فقر الترجمة. والحقيقة أنه يوجد احتكار في هذا المجال من دور نشر محددة، لها معايير وشروط ومواصفات للكتب التي تهتم بها وتقدمها للآخر، فضلا عن المحدودية في مجال إقامة المؤسسات التي تهتم بنقل الإنتاج العربي إلى الآخر، فكل الذي يتم الآن هو تعاقدات واتفاقيات بين وزارات الثقافة مع دور نشر، لعمل ترجمة كتاب أو اثنين في العام الواحد. ندرك أن هناك صعوبات في هذا المجال، تبدأ من اختيار العمل الأدبي المرشح للترجمة، مرورا بمدى نجاحه وتقبل القارئ العالمي له، كون القضايا والمواضيع والاهتمامات تختلف، كما أنه يوجد بون شاسع بين القضايا التي تؤرقنا وبين تلك التي تؤرق المواطن سواء كان في بريطانيا أو في الصين أو في اسبانيا أو في غيرها. إلا أن التخطيط ووضع المعايير والمتطلبات والأهداف لأي مشروع يستهدف تنمية هذا الجانب وتطويره من شأنه أن يحقق النجاح والاهتمام. صحيح أنه توجد لدينا عدة برامج ومؤسسات التي تهتم بهذا المجال وتقوم بدور حيوي وهام تشكر عليه، لكن المقصود بطرح هذه القضية هو العالم العربي بعموميته.

وفي الحقيقة فإن حاجتنا إلى الترجمة هي حاجة مزدوجة، بمعنى أننا بحاجة لنقل انتاجنا العربي إلى اللغات الأخرى وأيضا نحن بحاجة لنقل العلوم والاكتشافات والآداب التي تصدر لدى الآخر إلى اللغة العربية.

في عصور ماضية كان لدى العرب شغف واهتمام بالترجمة، وقد أوضح هذا الجانب الدكتور عبد السلام كفافي، في كتابه “الأدب المقارن”، حيث بين أن العرب كانوا “يرتحلون للتجارة ويتأثرون بالأمم في مختلف نواحي الحياة، بل وصلت حدة هذا التأثر بالأمم الأخرى إلى اللغة نفسها حيث انتقلت على سبيل المثال بعض الألفاظ الفارسية إلى اللغة العربية، وظهرت هذه الكلمات في شعر عدد من الشعراء، مثل الأعشى، كذلك تأثروا بالبيزنطيين في جوانب حياتية مختلفة كالصناعة وغيرها. وغني عن القول إن هذا التأثر لم يكن ليحدث لولا وجود الترجمة والتي كانت تساعد على التواصل والتفاهم. الشغف العربي بالآخر وباكتساب العلوم كان واضحا في حقب تاريخية مختلفة، حيث ترجم العرب من اليونان الكثير من العلوم، مثل الموسيقى والطب والرياضيات والفلك، وهذا الاهتمام وصل إلى مرحلة متقدمة من تشجيع المترجمين وتقديم الهدايا والمكافآت لهم، ولم يصل القرن التاسع الميلادي إلا وقد تم الترجمة بشكل واسع عن أرسطو، ومن الغرائب أن هناك كتباً هامة تمت ترجمتها من اليونانية إلى اللغة العربية فقدت أصولها اليونانية بسبب الحروب التي وقعت في تلك الفترة في اوروبا، ولم ينقذها من الضياع إلا الترجمات العربية التي بقيت محفوظة، فتم إعادة نقلها إلى اليونانية عن طريق اللغة العربية”. ويقول موقع ويكيبيديا على شبكة الانترنت عن هذا الموضوع: “لا تكون الترجمة في الأساس مجرد نقل كل كلمة بما يقابلها في اللغة الهدف، ولكن نقل لقواعد اللغة التي توصل المعلومة ونقل للمعلومة ذاتها ونقل لفكر الكاتب وثقافته وأسلوبه أيضا، لكن اختلفت النظريات في الترجمة على: كيف تنقل هذه المعلومات من المصدر إلى الهدف؟ وتعتبر الترجمة فنا مستقلا بذاته، حيث رنه يعتمد على الإبداع والحس اللغوي والقدرة على تقريب الثقافات، وهو يمكن جميع البشرية من التواصل والاستفادة من خبرات بعضهم البعض. فهي فن قديم قدم الأدب المكتوب”.

غياب ومبادرات

والنتيجة واضحة. فالترجمة تثري البشرية، وتسهم أيضا في حفظ وبقاء الأعمال الانسانية ماثلة ومتداولة من أمة إلى أمة أخرى، فعلى سبيل المثال تعد ملحمة جلجامش السومرية، من أهم وأقدم الاعمال الأدبية، وقد تمت ترجمتها إلى الكثير من اللغات الحية، ويقال إن بداية ترجمتها كانت منذ الألفية الثانية قبل الميلاد. وهي حتى اليوم حاضرة بتنوعها وقصصها والملاحم التي احتوتها من الحروب الى الغرائب.

ومع تطور وسائل الاتصال والتواصل، باتت المهمة أكثر صعوبة رغم أن هذه الوسائل الحديثة ساهمت بطريقة أو أخرى في التقريب بين أمم وشعوب العالم والثقافات المختلفة، وباتت هناك أجهزة ومواقع تهتم بالترجمة، وتقدم للقارئ غير المتخصص النص الذي يريده مترجما ـ وإن كانت ترجمة ضعيفة ـ إلا أنه من المتوقع أن تحدث تطورات هائلة وكبيرة في هذا السياق، قد تسهم في دفعه قوية لمزيد من التواصل العالمي. وهنا يبرز الدور الريادي والمزدوج الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات الحكومية الثقافية، وأيضا المؤسسات ذات التوجه الربحي.. فالمهم أن تكون هناك غزارة في نقل الأدب العربي إلى لغات العالم، وفي نفس الوقت ترجمة الأعمال الأدبية وغيرها من العالم إلى العربية. وبحسب تقرير التنمية العربية، فإن فرنسا خلال نصف قرن ترجمت ما يقارب من 150 الف كتاب، أما ألمانيا فقد ترجمت نحو 260 ألف كتاب، أما العرب فقد ترجموا أكثر بقليل من 9 آلاف كتاب فقط.

ولا شك أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد تقدمت على غيرها في هذا البعد الإنساني، فأطلقت عدة مشاريع فعاله قدمت رغم عمرها القصير مئات الكتب والمؤلفات وحرّكت المياه العربية الراكدة مثل مشروع (كلمة) للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة. وهو يعد واحدا من أكبر مشاريع الترجمة إلى اللغة العربية من مختلف لغات العالم، وله أهداف تستحق الإشادة، مثل سعيه لتفعيل التواجد العربي في أوروبا والعالم بأسره، ويتطلع القائمون عليه لأن يقوموا في أقل من ثمانية أعوام بترجمة أكثر من عشرة آلاف كتاب. وإلى جانبه هناك مشروع (ترجم) الذي أطلقته مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، والذي يهدف إلى دعم الترجمة في العالم العربي من أجل تحفيز الإبداع في كافة المجالات الفكرية والمعرفية، ويركز على ترجمة الكتب في مجال الإدارة حاليا لحاجة العالم العربي لها. كذلك توجد عدة مشاريع ومؤسسات أخرى في الامارات تقوم بالترجمة ولها حضور وفعالية..

إن مثل هذه المبادرات المؤسساتية، سواء كانت حكومية أو غير حكومية، هي التي بمقدورها أن تستعيد حيوية حركة الترجمة التي كانت قاعدة النهضة العربية في عقودها الأولى.. وهي الكفيلة بجعل الترجمات الفردية الحالية، التي تقوم على قاعدة العلاقات العامة ورغبات المزاج الغربي، لا تحتكر آداب المنقول عنه والمنقول إليه.. وتلك قضية شوهاء، لو تعلمون!!

* كاتبة من الإمارات
– ( الاتحاد)

شاهد أيضاً

اغتيل ناجي العلي وبقي حنظلة شاهداً على حياته

خاص- ثقافات *أروى المهنا عاد المشهد الثقافي والقومي العربي 22 يوليو إلى ذكرى وفاة رسام …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *