الرئيسية / مقالات / عصر القارئ؟

عصر القارئ؟


د. جابر عصفور

تضع العملية النقدية العمل الأدبي في علاقات أربع: أولاها علاقته بنفسه من حيث هو بنية إبداعية صغيرة، تتموضع في فضاء لا نهائي من أبنية أدبية أخرى، تنتسب إلى اللغة التي يكون بها الإبداع الأدبي. وثانية هذه العلاقات علاقة العمل الأدبي بالعالم الذي نبع منه هذا العمل محاكاة أو تصويرا أو تعبيرا أو موازاة رمزية. وثالثة هذه العلاقات علاقة العمل الأدبي بالمبدع أو الأديب الذي أبدع هذا العمل. أما العلاقة الرابعة فهي علاقة هذا العمل بالقارئ الذي يتوجه إليه هذا العمل، كي ينقل إليه صورا أو مشاعر أو رسائل أو محفزات على الفعل. وقد بدأ النقد الأدبي تاريخه الطويل مهتما بعلاقة العمل الأدبي بالعالم الذي يحاكيه، ولذلك سيطرت نظرية المحاكاة على العصور الكلاسيكية القديمة والكلاسيكية الجديدة.

وظل الأمر على هذا الحال إلى أن تغيرت مفاهيم الأدب وتحولت أشكال ممارساتها، فانتقل الاهتمام من علاقة العمل الأدبي بالعالم الخارجي إلى علاقته بالأديب الذي أبدع العمل كي يعبر به عن ما بداخله. وقد حدث هذا التحول مع شيوع النظريات الرومانتيكية. وظل إلى العصر الحديث، حيث حدث الانقلاب الثالث، وهو النظر إلى العمل الأدبي بوصفه إبداعا أدبيا قائما بذاته ومستقلا بغيره عن كل ما عداه. وسادت هذه النظرية الجديدة إلى نهاية الحرب العالمية الثانية، ومع منتصف الخمسينيات تعدلت هذه النظرة بما جعلها ثورة خاصة. وتحول الانتباه إلى علاقة العمل الأدبي بنفسه من حيث هو بنية لغوية، تتموضع في فضاء من الأبنية الموازية، فيما يسمى “الشعرية” أو “الأدبية”. وعلى هذا الأساس، انطلق النقد الأدبي البنيوي الذي أسهم إسهاما عظيما في توجيه الأنظار إلى البنية اللغوية للأعمال الأدبية.

وهكذا، أصبح النقاد يتحدثون عن الأعمال الأدبية من حيث هي أبنية لغوية دالة. لكن السؤال المهم: دالة لمن؟ ودالة على ماذا؟ هكذا كان على النقاد أن يعودوا إلى مدلولات الدوال في القصيدة بوصفها رسالة موجهة إلى القارئ. وكانت النتيجة أن بدأ عصر القارئ في عالم النقد الأدبي، وأصبحنا نسمع عن نظريات التلقي ونظريات الاتصال الأحدث. وأخذت تتطور نظريات الاستقبال التي أسهم النقاد الألمان في تأسيسها على نطاق واسع. وبدأ الكلام عن تعدد معاني العمل الأدبي بتعدد معاني القراء.

وأخذت تظهر دراسات ذات طابع تاريخي عن استقبال هذا الشاعر في عصر غير عصره، وكيف تتغير آليات القراءة وجمالياتها من عصر إلى عصر. وكما صرح رولان بارت ذات يوم بأن المؤلف قد مات، أصبح هناك من يهتف بأننا نعيش في عصر القارئ، فهل نحن كذلك فعلا؟.

سؤال أترك الإجابة عنه لكل المشتغلين بالنقد وبالإبداع الأدبي على السواء.


( الاتحاد )

شاهد أيضاً

راهنية «المتشائل» لبنانياً

*عبده وازن حمل الممثل الفلسطيني محمد بكري الى بيروت رواية «المتشائل» للكاتب الفلسطيني الرائد اميل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *